رَقصةُ علي "عفّاش" الأخيرة: رِهاناتٌ خاطئة وانقِسامات تتعمَّق في اليَمن

مسلحون من الجماعة الحوثيّة أمام القصر الجمهوري بعد مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، صنعاء، اليمن | كانون الأول/ديسمبر 2017 © Yahya Arhab / EPA-EFE

لم يَصمد تحالف علي عبد الله صالح والحوثي طويلاً أمام تدخُّل التحالف السعودي في اليمن.  وسرعان ما ظهرت خلافاتٌ متأصِّلة بين الطرفين أوْدت بحياة علي عبد الله صالح في كَمين نصبه له حليف البارحة.  صراعٌ على السلطة يُشير بوضوح إلى تَشرذم الوضع في اليمن وسط مُعاناة انسانية لا تحرِّك ساكناً. 

لا يختلف اثنان حول دهاء الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي، وفقاً لمقولة يمنيّة قديمة، "رقص على رؤوس الثعابين" لقرابة 34 عاماً حكم فيها اليمن. خلال تلك المرحلة خاض فيها عدة حروب واستطاع توحيد شطري اليمن. فبعد مقتل رئيسين (إبراهيم محمد الحمدي وأحمد حسين الغشمي) في أقلّ من عام في اليمن الشمالي، صعد الرئيس الشاب صالح للحكم عام 1978، ولم يَكن أحدٌ ليراهِن أن يمتدَّ حكم الرجل لما يزيد عن ثلاثة عقود. إذ إنّ الطبيعة الجبليّة لليمن وفِقر مواردها لا تسمح بتأسيسِ سلطةٍ مركزية قوية. ثمَّ إنّ الاستمرار في الحكم يَعتمد بشكل كبير على قدرة الحاكم على نسج تحالفات اجتماعيّة، وبرع صالح في خلق شبكة واسعة من الولاءات القبليّة، اعتمد فيها بشكل كبير على قبيلته "حاشد" المتواجدة في شمال صنعاء، وبنى تحالفات مع قبائل أخرى مثل "بكيل" و"شبوه".

علي عبد الله صالح، حزبُ الإصلاح، والحوثيّون: تحالُفات تشوبُها الرَّيْبة 

نسج صالح أيضاً تحالفات سياسية مع الجماعات الدينية.  تحالف بدايةً مع القوى الإسلامية السنّيّة من إخوان وسلفيين لمواجهة المدّ اليساري، عندما كان الحزب الاشتِراكيّ يحكم اليمن الجنوبيّ حتى هزيمة الاشتراكيين عام 1994.

كان حزب الإصلاح والذي تشكّل من التيّارات الإسلاميّة والتحالفات القبليّة برئاسة شيخ قبيلة حاشد، عبد الله بن حسين الأحمر، يتمتّع بحضور جيّد في اليمن وظلّ شريكاً لصالح إلى أن توتّرت علاقتهما بعد تلاشي خصمِهم المشترك. وابتداءً من عام 1997، بدأ التحالف يتقوَّض تدريجيّاً حتى القطيعة، وذلك عندما قرّر حزب الإصلاح مواجهةَ صالح في انتِخابات الرئاسة عام 2006. تحوّلت القطيعة إلى عداءٍ عندما شارك حزب الإصلاح في الإنتفاضة الشعبية عام 2011، ناهيك عن أنّ صالح اتَّهم الحزب بمحاوَلة الاغتيال التي نجا منها في حزيران/يونيو 2011. ولئن هدفت أولى رقصات صالح على رؤوس الثعابين مع حزب الإصلاح إلى تصفيَة كلّ خصومه من قوميّين ويساريّين، إلا أنها انتهت به إلى التنازل مكرَهاً عن الحكم في 21 شباط/فبراير 2012 من خلال المبادرة الخليجية.

بدأت الرقصة الثانية مع الحوثيين، وهم جماعة دينيّة زيديّة (تُنسَب إلى المذهب الشيعي)، تأسّست على يد حسين الحوثي، الأخ الأكبر لقائدها الحالي عبد الملك الحوثي، وخاضت تمرُّداً مسلحاً ضدّ الدولة انطلق من محافظة صعْدة في أقصى الشمال عام 2004. تقرّب علي عبد الله صالح من الحوثي بحكم الخصومة المشتركة لحزب الإصلاح الذي تميّز بسوء أدائه ضمن الحكومة التوافقيّة التي نتجت عن المبادرة الخليجية، حيث كان الحزب يتمتّع بنفوذ واسع لدى رئيس الوزراء ويستقوي بوجود القائد العسكري علي محسن. واستثمر الجانبان سوء الإدارة هذا، بالإضافة إلى تشكُّل عداوات كثيرة ضدَّ حزب الإصلاح محليّاً وإقليميّاً بعد سقوط الرئيس السابق محمد مرسي بمصر. وبالفعل، تقوَّضت قوّة حزب الإصلاح وسقطت الحكومة الانتقاليّة حين اجتاح الحوثيّون صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014 بذريعة إسقاط الحكومة والتراجع عن قرار حكوميٍّ لرفع أسعار المشتقات النفطية.

كان التحالف بين صالح والحوثيين هشاً، وهو أشبه بالتقارب حيث استفاد الحوثيّ من شبكة علاقات صالح القبليّة ونفوذه داخل الدولة. فرغم هشاشته استمرَّ بفعلِ وجود خصم مشترك، ألا وهو ضرورة مواجهة السعودية التي بدأت ضرباتها الجويّة في آذار/مارس 2015، لإجبار الحوثيين على الاستسلام وعودة عبدربه منصور هادي الرئيس الشرعي في المرحلة الانتقالية.

شكّل تحالفُ صالح مع الحوثيّين نقطةَ التقاءٍ مؤقّتة وليس شراكة سياسيّة طويلة الأمد. وكان دوماً تحالفٌ تعزوه الثقة بين طرفين تقاتلا على مدى ست سنوات (2004-2010)، شنّت خلالها القوّاتُ الحكومية برئاسة صالح حرباً على جماعة الحوثيّين المتمرِّدة في صعده.

وبعد تدخّل السعودية طفحت الخلافات بين حليفَيْ المرحلة على سطح الواقع، لأن الحوثيين لم يكونوا يثِقون بمؤسسات الدولة حيث يتمتَّع صالح بنفوذ قوي. لذا، أصبح الحوثيّون يديرون شؤونهم من خلال أفراد مُوالين لهم، ضمن تنافس مَحموم على الأموال والسلطة سعياً منهم للاستِحواذ بزمام الأمور. حدثت تجاذبات كثيرة بين الطرفين، واشتباكات طفيفة بالسلاح، كان آخرُها اعتداء الحوثيين على مقرَّبين من الرئيس صالح أدّى إلى مقتل العميد خالد الرضي في آب/أغسطس الماضي.

بات أنصار صالح يميلون للتهدئة في كلِّ عملية اشتباك.  فالحوثيُّ صار أقوى عسكرياً من خلال سطوِه على أسلحة الدولة من معسكرات الجيش أثناء اجتياحه للعاصمة، في حين أن التدخُّل العسكري للتحالف السعودي استهدف مخازن الأسلحة ومعسكرات الجيش الموالية لصالح ممّا أدّى إلى إضعافه. ونذكر في ذلك يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016 التي استهدف فيها التحالف صالة عزاء في صنعاء، قُضي فيها على قياديّين معظمهم موالون لصالح. ثمة شعور لدى السعودية بإن صالح غدر بها من خلال تحالفه مع الحوثي، قد يُفسِّر استهداف التحالف المكثف لقوّات الرئيس المخلوع. وبالتالي، كانت قوّات التحالف أميَل إلى الاتفاق مع الحوثيين، على غرار ما حدث في اتّفاق ظهران في 10 نيسان/أبريل 2016.  إلاّ أنها أخفقت في ذلك، بسبب إيديولوجية الحوثيين الطائفيّة وارتباطاتهم الإقليميّة، ومَصلحتِهم في استمرارية الحرب إذ تُمكِّنهم من توسيع نفوذِهم داخلياً، وبسبب طبيعة المعلومات الاستخباراتية المسربة للتحالف من مقربين من صالح، حيث استقطبَت السعوديّة الكثير من المسؤولين لدى حكومات صالح المتعاقبة.

الرقصة الأخيرة والرهانات الخاطئة 

ولكنَّ سؤالاً يطرح نفسه: على الرغم من هشاشة الشراكة مع الحوثي، ما الذي دعا شخصاً بدهاء صالح للدخول بمواجهة مع الحوثي في حين أنه من الواضح أنَّ هذا الأخير أقوى عسكرياً؟

بدأت الاشتِباكات الأخيرة بمحاولة الحوثيّين الاستيلاء على جامع الصالح وهو جامع ضخم بناه علي عبد الله صالح أثناء رئاستِه. طفح الكَيل حينها بصالح وأخذ قرارَه بمواجهة الحوثيّ تحت ضغط انصاره. كان الرئيس السابق يَعوِّل داخلياًّ على قاعدة شعبيّة واسعة، وعلى شبكة الولاءات التي شكّلها أثناء حكمه في المحيط القبَلي لمدينة صنعاء، وعلى ما تبقّى من قوَّته العسكريّة في الجيش وبالتحديد من الحرس الجمهوري. وخارجيّاً، راهن صالح على عدم ارتباطه بإيران وعلى تواصله الذي لم ينقطع مع الإمارات العربيّة المتَّحدة. وافترض بالتالي أن ذلك قد يساعده في تلقّي دعم عسكريّ وسياسيّ من دوَل التحالف التي ترى في صالح فرصةً للخروج من ورطة اليمن، ليس فقط لأنّه لا يرتبط بإيران، بل لأنها ترى فيه شخصيّة سياسيّة انتِهازيّة، وليس أيديولوجيّة، يمكن بالتالي الوصول معه لتفاهمات سياسيّة، على عكس الحوثي. هذا إضافة إلى أنّه لا زال لصالح نفوذٍ في مؤسَّسات الدولة ولا يخشى من إعادة تشغيلها. إلّا أنّ حسابات صالح لم تكن صائبة.

فالتحالف تحرَّك متأخِّراً وبشكل مرتبِك ولم يستهدف خطوط إمداد الحوثي، ممّا يكذِّب فرضيّة وجود تنسيق مسبَق مشترك بين التحالف وصالح. وبحكم توالي الإمدادات نحو صنعاء، تضاءلت قوة الحرس الجمهوري العسكرية كثيراً أمام الحوثي، الذي استولى على أسلحة الجيش ونجح في استقطاب جزء منه وتجنيد بعض أبناء القبائل. وهذا أمر أثبتته الاشتباكات الأخيرة بين الجانبين.

أما القاعدة الشعبية، فهي تعاني من الجوع وتعيش في حالة رعب من الحوثيين، ممّا يجعل من الصعب التحرّك فوراً بمجرَّد الدعوَة للهبّة.  لكن خيبة على عبد الله صالح الكبرى أتت من القبائل المحيطة بصنعاء التي لم تتحرك، فمعظمها التزم الحياد. في حين حاربت بعضُها في شمال صنعاء لصالح الحوثيين، بينما لم تتحرك قبائل جنوب صنعاء المفترض أنها موالية تماماً لصالح مثل قبيلة خولان.

لموقف القبائل عدة تفسيرات. أوَّلُها الخشيةُ من انتِقام الحوثيّين الأقوى عسكرياً، مثلما حصل مؤخَّراً مع الشيخ الزرقة في محافظة حجّه الذي انضمّ لصالح، فما كان بالميليشيات إلّا أن فجّرت منازله وأعدمت أبناءه. ثانياً، نجح الحوثيون كحركة راديكالية شابّة في تعبئة بعض شباب القبائل، خاصة وأن العلاقة بين الشيوخ وأبناء القبيلة صارت ضعيفة وفقدت تماسكها. وأخيراً، ضعفت السيولة المادية لدى صالح بسبب صعوبة إمداده ماليّاً من الخارج، ممّا حدّ من قدرته على استدرار الدعم، في حين استّولى الحوثيّون على موارد الدولة، ناهيك عن جباياتهم الماليّة، طَوعاً أو عنوة، من الأفراد والشركات.

قتل الحوثيون الرئيس السابق صالح الذي ارتفعت أسهم شعبيّته مؤخّراً، بسبب كراهيّة الناس للسعوديّة وللحوثيين معاً خاصة انه يمتلِك قاعدة شعبيّة خارج الحاضنة الزيديّة بحكم تخفُّفِه الإيديولوجيّ والمذهبيّ، وفي آخر أيّامه بدا الرجل على صورة البطل المخلّص في عيون الكثير من اليمنيّين بمن فيهم معارضيه وخصومه، إذ وقف في وجه الحوثيّين المكروهين شعبياً.

غيابُ الدَّولة وحَلَقة الثأر المُفرغة 

في تسجيل فيديو انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، كان أحد الحوثيين يَصرخ: "دم سيدي الحسين يا علي عفاش". ولئن كانت عفاش كنيةُ علي عبد الله صالح، فحسين الحوثي هو مؤسِّس الجماعة، قُتل في أولى جوْلات حروب صعده وأخفيَت جثتُه طوال حكم صالح إلى أن سُلِّمت في عام 2013. كاد الموقف يتكرر مع علي عبد الله صالح الذي انتهى به الأمر إلى مأتم لم يحضره أكثر من عشرين شخصاً، وفقا لوكالات الإعلام الأجنبية.

دوائر عنف وثأر تدور في اليمن مع فارق هام: جماعةٌ واحدة هي التي قتلت صالح ونكَّلت بأنصاره، في حين أن للحوثيين ثارات في كلِّ مكان ممّا يُنذر، إن سقطوا، بعنف وتنكيل من كلِّ حدب وصوب، إذ إنهم فرَضوا سلطتهم بعنف مفرِط ودون اللجوء إلى أدوات سياسية، حتى انتهى بهم الأمر إلى قتل حليف الساعة الوحيد.

تفرّد الحوثيون اليوم بجزء كبير ممّا كان يُعرف باليمن الشمالي، يَحكمون بأدوات طائفية دون سياسة، ويَستثمرون ظروف الحصار والحرب في التضييق على خيارات الناس وقتل أي قدرة على المقاومة. من جهة أخرى، يَستمرُّ ما تبقّى من قوّات صالح بالتمزُّق، حيث سيتمّ تفريخ حزب المؤتَمر الشعبيّ العام المنقسِم أصلا بين صنعاء (موالي لصالح) والرياض (موالي لهادي). وفي هذه الحالة، ما تبقّى من الحزب في صنعاء سوف يعلن ولاءه للحوثي أو يترك الحزب، وبعضه قد يعلن ولاءه لأحمد ابن علي عبد الله صالح، ممّا يعني مزيداً من التمزق للحزب. ناهيك عن أن بقيّة قوة صالح الشعبيّة والعسكرية في دربها إلى التشرذم، كلٌ حسب ولاءاته المذهبية: الحوثيّون، وحكومة الرياض، والميلشيات الدينية السنيّة المتطرفة.

يحاول التحالف السعودي استثمارَ ما حصل من خلال الضغط على ابن صالح، أحمد، والاستفادة من رمزيّة والده. لكن أحمد الذي لا يمتلِك إمكانات والده السياسيّة والشخصيّة من دهاء وديناميكيّة لن يَفلح حيث فشل والده. هذا في وقت تتقدّم فيه قوّات التحالف في الساحل الغربي الشمالي في معركة عسيرة للسيطرة على ميناء الحدَيدة، ممّا سيفاقم الأوضاع الانسانيّة الكارثيّة التي يعيشها الشعب اليمني. على أي حال، وحتى في حالة السيطرة على ميناء الحدَيدة، ستظلُّ صنعاء عصيّة بحكم الجغرافيا وإحكام سيطرة الحوثي الأمنيّة والعسكرية. ممّا يكرِّس الانقسام ويعمِّق البعد المذهبيّ في صراع لا يزال طويل الأمد.