بناء سلطوية جديدة في مصر؟ تضييق الخناق و تفتيت ساحات الصراع كمنهج للحكم

استطاع الرئيس عبد الفتاح السيسي تطويع العامل الدولي والظرف الإقليمي لصالح ترسيخ النظام السياسي المصري الجديد. هل سيسمح هذا الهامش الإضافي من القيام بإجراءات جديدة من التضييق وإحكام القبضة على ما تبقى من أشكال مقاومة و معارضة سلمية في مصر؟

© Wikimedia

شهدت مصر خلال الأسبوعين المنصرمين حشدا غير مسبوق حول زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الولايات المتحدة ومشاركته في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة لإتخاذ قرار بشأن بناء تحالف دولي ضد الإرهاب متمثلا في تنظيم داعش في كل من سوريا والعراق. وقد تم في هذا السياق تعبئة موارد مالية و بشرية غير مسبوقة لمساندة الزيارة إعلامياً والترويج لأهميتها، كتتويج للإعتراف الدولي بالنظام السياسي المصري الجديد وبدء التحالف معه. وعلى الرغم من بدء القصف الجوي ضد مواقع التنظيم الجهادي المسلح في البلدين قبل إستصدار قرار رسمي بإطلاق العمليات العسكرية، فقد تم حشد الإعلام المصري وراء نغمة موحدة مفادها إنتصارالرؤية الإستراتيجية المصرية دوليا وتسليم المجتمع الدولي - ممثلا في منظمة الإمم المتحدة- بضرورة إقرار الأمن  ومحاربة الإرهاب أولاً. كما تم التذكير بأن ذلك هو ما دعى إليه مسبقاً النظام المصري منذ خلع  الرئيس الإخواني قبل خمسة عشر شهرا. وبهذا، حسمت الزيارة محليا ميزان القوى لصالح النظام السياسي الوليد والذي تعثّر لما يقرب من عام في الحصول على إعتراف وتأييد المجتمع الدولي، كما أكدت شرعيته الدولية بجانب شرعيته  "الثورية". وقد سمحت الزيارة أيضاً بتدعيم التقارب المصري الأمريكي بعد عام من الجفاء في العلاقات بين البلدين، عسكرياً وإقتصادياً.

وبغض النظر عن التمايزات الواضحة بين كل من السرديات المصرية والغربية عن مجريات الزيارة وحدود تعريف الإرهاب المستهدف وأولويات التحركات العسكرية ونطاقها، وبغض النظر عن إستئناف الدعم العسكري الأمريكي لمصر بل وإمكانية ضخ الإستثمارات الامريكية لدعم النظام المصري إقتصاديا لمواجهه أزمته المالية، و بغض النظر أيضاً عن المبالغة الإعلامية المصرية في تصوير أهمية الدور المصري وقوة التقارب المصري الأمريكي، فقد شكلت هذة الزيارة نقطة انقلاب في العلاقات الدولية للنظام السياسي الناشئ لأنها بدت وكأنها تعطيه الضوء الأخضر في إستكمال ما بدأه من "عملية تصحيحية" للمسار الديموقراطي الذي نتج عن الحراك السياسي المصري بعد ثورة يناير2011. لذا يتوجب علينا التساؤل عن الإجراءات القادمة التي سيتخذها النظام المصري في سياق استكمال ما يسمى ب"خارطة الطريق" وتثبيت أركان شرعيته بشتى الوسائل الممكنة. كما يتوجب علينا التوقف لفهم أدوات النظام الناشيء في بناء سلطوية جديدة أكثر قدرة على الضبط الإجتماعي والترهيب المؤسسي من النظام السابق على ثورة يناير. يهمنا هنا أخيراً إعادة تقييم قدرات الرأي العام الدولي على  ممارسة الضغط السياسي ضد تجاوزات النظام السياسي المصري العديدة فيما يتعلق بالحريات والحق في التعبير والهامش المتاح لحركة المجتمع المدني المصري في مساءلة ممارساته الأمنية والسياسية.

وتأتي أهمية التساؤل في هذا التوقيت من إحتمال إنقلاب العامل الدولي كعامل ضغط إستمر في معارضة التشدد الأمني لنظام السيسي طوال عام مضي، إلى تحوله إلى مصدر دعم  لهذه الإجراءات بعد قبول السيسي كحليف في التحالف الدولي ضد داعش، بل و إعتباره أحد أهم مرتكزات محاربة الإرهاب في المنطقة. و أغلب الظن، سيعتمد الرئيس المصري على هذا التقارب الدولي الوليد  لترسيخ نظام سلطوي جديد قادر على إلغاء ما تم تحريره من مساحات للتعبير ومن مكاسب في القدرات التنظيمية منذ إندلاع ثورة يناير 2011. ولذلك تبدو الشهور المتبقية من عام 2014 كأخر حلقات تدعيم ما يسمي بثورة ال30 من حزيران / يونيو، ليس في مواجهة الإحتجاجات الإخوانية وإحتمالات تصعيد العنف فحسب، وإنما في وأد ما تبقى من أشكال مقاومة  للسلطوية، سواء صدرت من قوى ثورية أو من مجموعات منظمة و فاعلة بإسم المجتمع المدني وحقوق الإنسان أو حتى من مناورات سياسية لأحزاب المعارضة  النخبوية والتي مازالت تعاني من محدودية شعبيتها.

إن المتابع للشأن المصري لا يسعه إلا أن يلحظ  تصعيد نغمة "تضييق الخناق" و "إحكام القبضة السلطوية" على أربعة مستويات متوازية. ويتجلى المستوى الأول في آليات إدارة الأجهزة الأمنية لملف "الحبس الإحتياطي" للمعارضة السياسية بكل أطيافها الذي سجل توسعاً غير مسبوق ليقارب عدد المسجونين ال40 ألف.  وكذلك تجاوز عدد المضربين عن الطعام منهم المائتين احتجاجاً على ممارسات الأمن والقضاء بحقهم . حيث تحول التفهم المؤقت  ومحاولات التهدئة من جانب النظام المصري للمطالب قبيل زيارة عبد الفتاح السيسي لنيويورك إلى عدم إكتراث كامل بصحة المضربين عن الطعام و تجاهل لاحتمال وفاة بعضهم دون تقديم أي عناية صحية تذكر. ويبرز المستوى الثاني في الإجراءات التي اتخذتها الهيئات الجامعية من تجريم لكل الأنشطة الطلابية ذات الطابع السياسي  وحل لمعظم الروابط والأسر الجامعية. وكذلك إصدار قانون جديد للجامعات يلغي انتخاب القيادات الجامعية من رؤساء الجامعات أو عمداء الكليات. ناهيك عن إصدار قرارات تسمح بالفصل النهائي لأي طالب "يُسيء" للرئيس، وبعزل أي أستاذ جامعي إذا ما تورط في أعمال عنف أو تظاهر أو احتجاج دون أدني  قدرة على اللجوء إلى القضاء. كما جرى التوسع في طلب "تعهدات كتابية" من الطلاب ومن أسرهم أيضاً بالعزوف عن المشاركة في أي أعمال احتجاجية، سواء كانت عنيفة أو سلمية، واتباع ذات الاجراءات المشددة عند قبول الطلاب للسكن في المدن الجامعية، بل والحديث صراحةً عن تدريب عدد من الطلاب لمراقبة أقرانهم و توثيق أي حراك معارض والتبليغ عنه.

يتزامن مع هذين الملفين المشتعلين ملف ثالث على وشك الانفجار وهو يتعلق بتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية وفقاً للقانون 84 لعام 1982. وهو الذي طالما حاولت كل قوى المجتمع المدني تغييره لفك وصاية الحكومة على اشكال التنظيمات المدنية. كما سبق وطرح أقطاب المجتمع المدني أكثر من مسودة بديلة له بعد ثورة يناير. إذ قررت وزارة التضامن الإجتماعي ملاحقة أية منظمة تعمل كمكاتب أو شركات إستشارية للإلتفاف على القانون المعوق. بل ونجحت في تعديل قانون العقوبات لتوسيع جريمة تلقي التمويل وجعل تلقي المنح للعمل الحقوقي جريمة مساوية لتمويل التسلح والإرهاب. وكذلك تم تغيير العقوبة المقررة في النص القانوني الى السجن مدى الحياة أو عقوبة الإعدام، إضافة إلى غرامة مالية حددها القانون بنصف مليون جنيه مصري. وقد تلى تعديل القانون إعلان الوزارة عن منح مهلة لتسوية الأوضاع تنتهي في أول شهر نوفمبر / تشرين الثاني، حيث يتحول بعدها تجريم منظمات حقوق الإنسان أو بعضها الى واقع مفروض بقوة القانون.

ولا يقتصر التضييق على المحبوسين والطلاب والنشطاء الحقوقيين، إنما يمتد ليشمل مستوى رابع قيد التشكل وهو ما يخص قانون الانتخابات البرلمانية الجديد وإعادة توزيع الدوائر الإنتخابية بما يضمن إستئثار النخب المالية بالحظ الأوفر في الإنتخابات القادمة. كما يحدّ بشكل سافر من إمكانيات  نجاح أي تحالف حزبي معارض ذو ثقل تصويتي في البرلمان، بما في ذلك تحالف وزير الخارجية الأسبق عمرو موسي والذي تزعم عملية كتابة الدستور المصري الأخير، أو التحالف الذي يتزعمه أحمد شفيق رئيس الحكومة الاسبق والمرشح الرئاسي في عام  2012. وقد عجز كل منهما حتى الآن عن حشد تأييد شعبي يسمح لأي منهما بالترشح من مركز قوة في الانتخابات القادمة بعد ثلاثة أشهر على الأكثر.

إن ربط هذه المسارات ببعضها البعض وإعادة تقييم الأداء السياسي المرتبط بكل منها منذ رجوع رئيس الجمهورية من نيويورك يُنبيء بتصاعد منهج "تضييق الخناق" في المرحلة القادمة و يطرح أمثلة محددة لبناء نظام سلطوي جديد يتجاوز بكثير ما عرفته مصر من إجراءات قمعية في عهد الرئيس مبارك. وهذا من شأنه الحيلولة دون تكوين أية تعددية سياسية ولو محدودة النطاق على المدى  المنظور. الأمر الأخطر هو أن هناك ما يوحي باحتمال مباركة الغرب - أو على الأقل غض  النظر عن- مثل هذه الإجراءات المقيدة  كثمن "مقبول" لاشتراك النظام المصري في الحرب الدولية ضد الإرهاب.

هكذا ستشهد الشهور القادمة على الأرجح إعادة إنتاج لعقد التسعينات من القرن العشرين، ليبرز من جديد مدى تساهل الأنظمة الغربية عند تعاملها مع النظم السلطوية في المنطقة طالما كان المقابل هو تأييد رؤيتها للأمن الدولي ولآليات مكافحة الإرهاب. هكذا أيضاً ستفتح زيارة عبد الفتاح السيسي الأخيرة ليس نمط  جديد من التعامل مع الإحتجاجات السياسية والحقوقية فقط، وإنما فرص للتوسع في تحريم وتجريم كل أشكال المقاومة قاذفهً بالمعارضين الى خانات الإنعزال و المظلومية المفتتة، مما سيزيد حتماً من بروز انماط مقاومة راديكالية سواء بين الإسلاميين أو  بين صفوف اليسار أو حتى على مستوى نشطاء المجتمع المدني.

ان فرض واقع سلطوي جديد قبل مؤتمر المانحين المزمع عقده في شباط/فبراير 2015 قد يسمح للسيسي بتأكيد قوته على إنهاء حالة الحراك السياسي والإجتماعي ولكن عبر تكلفةً عالية: الانقضاض المؤقت على هذه التكتلات و محاصرتها كل على حدة. طبعاً يمكن لاحقاً فك القبضة الأمنية قبيل المؤتمر ليبدو كتقديم تنازل سياسي لإرضاء الرأي العام الدولي. لا أحد يستطيع الجزم حالياً هل نحن إزاء مرحلة بناء سلطوية عسكرية مكتملة الأركان أم انها مجرد حلقة جديدة من المساومات السياسية التي تميز بها أسلوب السيسي في .قلب موازين القوي منذ الإعلان الدستوري في 2013  لتصفية حراك ما سمي بالربيع العربي تدريجياً و بمنطق حرب الجولات