انتفاضات الجزائر في السياق: حوار مع الاقتصادي الموهوب موحود

مع استمرار الاحتجاجات في الجزائر والدعوات الواسعة لمقاطعة الانتخابات الرئاسية في تاموز/يوليو، تظل مطالب الجزائريين بتغيير رادكالي للنظام مستمرة بلا هوادة. ولم يكن لإعلان الجيش أن كل الخيارات متاحة من أجل حل للخروج من الأزمة صدى جيدًا في بلد يرتبط الجيش فيه ارتباطاً وثيقاً بمصالح النظام. في هذه المقابلة، يقدم الاقتصادي محود سياقاً في غاية الأهمية لفهم كيف بدءت الاحتجاجات، والسيناريوهات المحتملة في الجزائر خلال الأشهر القادمة.

Arab Reform Initiative - انتفاضات الجزائر في السياق: حوار مع الاقتصادي الموهوب موحود
جزائريون يشاركون في مظاهرات تطالب برحيل النظام في الجزائر العاصمة، 16 نيسان/أبريل 2019.© Mohamed Messara/EPA-EFE

أجرته كلير تالون

في نظرك ما هي العلاقة التي تربط حركة 22/شباط فبراير بثورات الربيع العربي؟

تأتي تلك الانتفاضة كحلقةٍ في تاريخٍ طويل من الانتفاضات في الجزائر؛ حيث شهدت البلاد في عام 1988 تداعياً هائلاً في أعقاب الأحداث التي عُرِفت بـ"ثورة الشباب"، والتي زعزعت استقرار النظام واستهلّت ثلاث سنواتٍ من الانفتاح الديمقراطي غير المسبوق. وفي عام 2001 كانت هناك مظاهرات القبايل ، ومحاولاتٌ للتظاهر في عام 2011 وأدتها قوّات الأمن في مهدها، واحتجاجات جنوب الجزلئر ضد استغلال الغاز الصخري. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أثناء الطفرة النفطية، وكذلك في عام 2011 بالتّزامن مع انتفاضات مصر وتونس، وبفضل التحوُّل في أسعار النفط عام 2013، لم تكفّ السلطة عن تمويل الاستهلاك (بمعدل 30% من إجمالي الناتج المحلّي). وفي المقابل، فقد بالغت في تقدير "رأسمالها الأمني"، بينما أساءت تقدير المؤشرات الآخذة في التزايد منذ عام 2014، منذرةً بغضبٍ شعبي وشيك.

وفي عام 2015، أبدت الحكومة بقيادة رئيس الوزراء آنذاك وقيادة خلفه عبدالمجيد تبون لمدة ثلاثة أشهر (من أيار/مايو إلى تموز/يوليو 2017) رغبتها في القيام بإصلاحاتٍ هيكلية وتحسين العلاقة الزبائنية بين الشركات والدولة. إلا أنها سرعان ما أدارت ظهرها لتلك الإصلاحات بتولّي أحمد بويحيى رئاسة الوزراء صيف 2017، وتبنّت سياسيةً مغامرة للاقتصاد الكلّي قائمةً على التمويل "غير التقليدي" (الحل الشهير المتمثّل في طباعة النقود) بنسبةٍ تصل إلى 35% من إجمالي الناتج المحلّي في عامين. كان العام 2016 عام فورانٍ ونفاذ صبر، حيث كانت كافّة المكوّنات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة حاضرة، وكانت هتافات الشباب، خاصةً في الملاعب، تعكس سخط الشعب. وقد  أظهرت العديد من استطلاعات الرأي، كذلك الاستطلاع الصادر عن "الباروميتر العربي"، كيف تناقصت ثقة الشعب في الحكومات المتعاقبة بشكلٍ خطير، في حين تم تعزيز الشعور بالأمان الشخصي الجسدي بشكل كبير

في الوقت نفسه، تابع الجزائريون عن كثب تطوّرات الربيع العربي في البلدان الأخرى، وهو ما ساهم في إكساب الحركة الشعبية نضجاً سياسياً ملحوظاً.  فكانت التجارب المجاورة بالنسبة لهم إمّا انتكاسة – إذ يُنظر إلى التجربة السورية والمصرية والليبية كنماذج مضادة – أو مثالاً يحتذى به – إذ شكّلت التجربة التونسية على وجه الخصوص نموذجاً للانتقال السياسي. نحن نقيس إلى أي مدى أمعن متظاهرو اليوم في الجزائر النظر في الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في مصر وتونس وغيرها، واستوعبوها من حيث النمط والنهج والتطوّر. لنأخذ كمثالٍ الطريقة التي نظّم بها المتظاهرون الجزائريون أنفسهم لحماية السيدات أثناء المظاهرات أو تنظيف الشوارع: تتعلّق هاتان الممارستان بشكلٍ مباشر بعزم المتظاهرين على عدم تكرار بعض التجارب السلبية التي حدثت أثناء المظاهرات في ميدان التحرير (والتي نجهل مصدرها) في القاهرة وفي تونس.

فيمَ يتمثّل "النضج السياسي" للحركة؟

يتمثّل، من جهة، في حقيقة أن المتظاهرين قد أمعنوا النظر في الأوضاع المجاورة واستوعبوها بشكلٍ كامل، ومن جهةٍ أخرى، في إدراكهم لوجود حلٍّ سياسي للأزمة التي تمر بها بلدهم. إن هيئة صياغة الدستور التونسية تمثّل في هذا الصدد نوذجاً لا مثيل له في العالم العربي؛ حيث كفلت حرية الاعتقاد والمساواة بين الرجل والمرأة واحترام الأديان. أي إنها استطاعت التوصّل إلى توافقٍ تاريخي بين فئات المجتمع المختلفة، من النساء إلى الإسلاميين، وكفلت له إطاراً علمانياً في جوهره. يمكن لهذا النموذج من الانتقال الدامج (الذي يمكن أن يستغرق الكثير من الوقت)، والسلس رغم المصاعب الاقتصادية، أن يُستخدم كمرجع، لا بل كدليلٍ إرشادي للمتظاهرين الجزائريين.

هناك عاملٌ آخر يلعب دوراً محورياً في تفسير قوّة ونضج حراك 22 شباط/فبراير وقدرته على تخطّي الانقسامات السياسية؛ وهو أن شبح "التهديد الإسلامي" لم يعد مؤثّراً. ممّا لا شك فيه أن الدولة قد حاولت إعادة رعب التسعينيات إلى النفوس بطرقٍ شتّى، منها إعادة بث وثائقيّاتٍ عنيفة. إلا أن "رأس المال الأمني" الذي كانت الدولة تعتقد أنه لا يزال في قبضتها قد انهار. فرغم انتشار التيار الديني المحافظ وتأثيره على المجتمع، لا يبدو أن الشعب يرغب في وصول الإسلاميين مرةً أخرى إلى السلطة، كما يتّضح من شهادات المشاركين في التظاهرات الحاشدة. كما أن الكثير من الإسلاميين فقدوا تأثيرهم بعد أن جرى استقطابهم من السلطة.

في هذا الصدد، لعبت مسألة عائدات النفط والغاز دوراً حاسماً في تطوّر الأوضاع في الجزائر. فبعد الوفاق الوطني والطفرة النفطية في القرن الحادي والعشرين، موّلت الدولة الكثير من المشروعات (منذ 2011، حيث خصّصت 30 بالمئة من إجمالي الناتج المحلّي كمنحٍ في جميع الاتجاهات خلال سنتين)، وهو ما مكّن السلطة من "نزع سلاح" بعض الأحزاب السياسية المعارضة بدمجها "مالياً" في السلطة. فأُدمِجَت المعارضة، خاصةً الأحزاب الإسلامية المعتدلة، في اللعبة السياسية وشاركت في تشكيل الحكومة. ويبدو أن الإسلام السياسي لا يزال حاضراً في المجتمع، لكنه غيّر من طبيعته.

ومن أسباب نضج الحراك كذلك هو أن الجزائر قد شهدت على مدار العشرين عاماً المنصرمة نمو جيلٍ من الشباب المتعلّم الواعي، وهو ما تأتّى بفعل الزيادة الهائلة في أعداد الملتحقين ببرامج الدراسات العليا في العقدين الأخيرين. حيث كانت نسبة المسجّلين في الدراسات العليا ترتفع بمعدّل 10 إلى 15 بالمئة سنوياً في العقد الأول من الألفية الثالثة، وزادت من 31 إلى 43 بالمئة، أي بنسبة 12% بين عامي 2011 و2016، وهو ما يكافئ المعدّل العالمي. وقد تضاعفّت نسبة مخصّصات التعليم من إجمالي الناتج المحلّي في مجال الدراسات العليا بين عامي 2000 (1.2%) و 2010 (2.5%). لكن رغم ما سبق، فإن جودة التعليم قد تدهورت بشكلٍ مثير للقلق، وهو ما يؤثّر بشكلٍ كبير على فرص توظيف الشباب.

في هذا السياق، لا تمتّ المظاهرات الحالية بصلة إلى أحداث عام 1988، والتي كانت بمثابة ثورة كادحين، أو بالثورة التي سبّبتها التعديلات الهيكلية وعملية الإفقار التي أعقبت التعافي من الصدمة البترولية في عام 1986. بل هي انتفاضةٌ سياسية واعية بشدّة لما يتهدّدها من عقبات.

كيف يتموضع المتظاهرون أمام تلك العقبات التي تهدّدهم، ولا سيّما السرديّة الوطنية الكبرى الخاصة بالتحرّر من الاستعمار، والتي ما انفكّت الدولة تستخدمها؟

إن ملاحظة حجم ما يحدث فيما يخصّ استرجاع الذاكرة الجمعية هو أمرٌ مثير للاهتمام حقاً. إذ لم يجد الخطاب الرسمي الذي روّجت له الدولة في بداية التظاهرات حول وجود أيادٍ خارجية محرّضة صدىً لدى المتظاهرين، وسرعان ما تمّ نبذه. يسعى الحراك الشعبي إلى إعادة صياغة الثورة الجزائرية الأصلية حول شخصياتٍ رمزية من الحركة الوطنية. هكذا يشهد النظام انهيار "رأسماله" الأمني والرمزي المنبثق عن ذاكرة التحرير، والذي يمثّل ركيزته الأساسية، لدى الشباب. فالشعب يشعر بأنه محتلٌّ من الداخل. تلك الانتفاضة الجزائرية غير المسبوقة في نمطها وقوّتها تمثّل انتقالاً من التحرُّر الرسمي من الاستعمار إلى تحرُّرٍ حقيقي من سلطةٍ جائرة، ومن هنا جاءت المطالبة الملحّة بجمهورية ثانية.

ينظر الشعب الجزائري إلى الدولة باعتبارها عنصراً خارجياً منفصلاً تماماً عنه، كما لو أن تلك الدولة "العميقة" والشعب يعيشان في عالمين متوازيين دون أن يلتقيا. وتتمثّل همزة الوصل بين دوائر السلطة والمجتمع في المجاهدين وجبهة التحرير الوطني والأحزاب السياسية والنقابات والشركات المقرّبة إلى السلطة والتابعة لـ"منتدى رؤساء الموسّسات" (والتي يبدو أن رئيسها قد قُبِض عليه مؤخّراً)، وكلها تشكّل تفريعاتٍ عمودية من جماعات المصالح التابعة للسلطة ودوائر الولاء والتبعيّة. بيد أن الشعب لا يزال مستبعداً من تلك الدوائر. كما أن تلك الدعائم التي كانت تمكّن الدولة من إحكام قبضتها على الشعب قد تصدّعت الواحدة تلو الأخرى بانفصالها عن النخبة الحاكمة.

في تلك المرحلة، ما هي أوجه إعادة تشكيل النظام المتوقَّعة؟

في اللحظة الراهنة، تبدو المواجهة بين الجيش والشعب أمراً غير وارد الحدوث، ذلك أن الشعارات التي يرفعها المحتجّون في مظاهراتهم الحاشدة (ملايين الأشخاص يتظاهرون كل يوم جمعة) تؤكّد على التآخي بين الجيش والشرطة والشعب. لذا فالسيناريو المرجّح هو إشاعة الجماعات المقرّبة من السلطة حالةً من الفوضى (مثل القيام بهجماتٍ تُنسَب إلى الإسلاميين) تستدعي تدخّل الجيش والقيام بانقلاب عسكري.

في هذا السياق، يمكن أن نتوقّع سيناريوهين: السيناريو الأول – وهو السيناريو المثالي – يتمثّل في حفاظ الجيش على حياده لتأمين عملية الانتقال، ودعم تشكيل حكومة توافقٍ وطني تتولّى مسؤولية تشكيل لجنةٍ لصياغة الدستور وبالتالي التأكيد على سلميّة الثورة، الأمر الذي شددت عليه الاحتجاجات الأخيرة. أما في السيناريو الآخر، فتبشر الإرادة القوية للجيش في البقاء داخل النظام (المادة 102 من الدستور) بخطر الاستئناف المباشر للسلطة من طرف الجيش. والآن بعد انهيار التحالف بين بوتفليقة وقايد صالح، ما هي التحالفات الأخرى التي يمكن أن تتكوّن داخل تلك الأوليغارشية؟ هذا هو السؤال. حينها لن يكون مستبعداً أن يتدخّل الجيش بشكلٍ مباشر، كما حدث في التجربة المصرية. وبالتالي تنتقل الجزائر من نظام استبدادي يستتر وراء الديمقراطية إلى نظام استبدادي عسكري مباشر.

هل من الوارد تكرار التجربة المصرية؛ أي حدوث انقلابٍ عسكري عنيف وقيام نظام ديكتاتوري عسكري؟

يدرك المتظاهرون الجزائريون تماماً هذا الأمر، وهم على وعيٍ تام بما عليهم تجنّبه. ممّا لا شك فيه أن النموذج الجزائري شديد الشبه بالحالة المصرية، خاصةً فيما يخصّ العلاقات المتينة بين الجيش والعالم الاعمال. إلا إنه، خلافاً لما حدث في مصر، لا يبدو أن الجيش سيلجأ إلى النموذج الإسلامي، بل إن الجيش المصري هو من استلهم النموذج الجزائري بانقلابه على حكومة مرسي (والذي خرجت ضدّه احتجاجاتٌ عاصفة في 2013) كما فعلت السلطات الجزائرية مع "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" عام 1991.

لقد وعى المتظاهرون في الجزائر تماماً الخطر المتمثّل في استمرار النظام القديم، ويرفضون هذا الخيار. فهم ليسوا بأغبياء، كما لم يعد لديهم ثقة في متّخذي القرار، بل هناك عزمٌ وإصرار على قيام جمهوريةٍ جديدة حرّة وديمقراطية.