يتجذّر العنف ضد المرأة في المملكة العربية السعودية في ممارسات التهميش والحرمان والتمييز التي تُمارَس ضدها منذ عقود طويلة، ما يجعلها عرضة للعنف المنزلي والمجتمعي وعنف الدولة أيضاً. يتفاقم هذا العنف أولاً بفعل الثقافة الأبوية التي تعيّن الرجال أوصياء على حياة النساء وتبرّر العنف ضدّهن بحجّة حماية شرف الأسرة والحفاظ على النظام، وثانياً من خلال التشريعات التي إما تتسامح مع هذه الثقافة أو تتجاهل كلّ أشكال العنف ضد النساء. وتكرّس كلّ ذلك سلطات الدولة والنظام الأبوي الحاكم الذي يقمع أصوات النساء وتجمّعاتهن وحركتهن لتغيير هذا الواقع.
لقد جاء خروج المرأة السعودية إلى الحياة العامة متأخّراً قياساً بمثيلاتها فـي مناطق عربية أخرى، فبينما ارتبط كسر قيود التنشئة الأبوية في معظم الدول العربية بالمقاومة والسعي للتحرّر من الاستعمار برز نضال المرأة سواء على المستوى الثقافي أو السياسي في المجتمع السعودي بعد ظهور تحوّلات الثورة النفطية. ورغم خروج المرأة السعودية للتعليم والعمل المحدود والمشاركة المحدودة أيضاً في الحياة العامة إلا أن هذه المشاركات قد تمّ تحديد مساراتها إلى حدّ كبير من قبل الموروثات الاجتماعية والاعتبارات القبلية والدينية وسلطة النظام السياسي المطلقة والتي جميعها ساهمت في تكريس العنف الأسري والمجتمعي والجندري والاقتصادي والسياسي.
وبعد أحداث الحرم الشريف عام 1979 ظهرت بنية مجتمعية متغيّرة ومتشدّدة تجاه المرأة وفي مقدمتها الحركات الأصولية ونشاط الإسلام السياسي الذي يراه البعض تراجعاً وليس إصلاحاً، فهذه الأصولية انتقائية كانت لإضفاء الزينة على نظام سياسي أو هيئة اجتماعية أو ثقافية معيّنة وقد دنّت من شأن المرأة واستجابت للسلطة الأبوية وزادت التمايز الطبقي الاجتماعي والاقتصادي بين الرجل والمرأة.
بدأت رحلة شقاء المرأة السعودية بإصدار عدّة قرارات مقيّدة لحرياتها ودورها في المجتمع مثل منعها من الظهور على شاشات التلفزيون، و منع نشر صورها في الصحافة المطبوعة مروراً بفرض ارتداء ما يسمّى بالعباءة الشرعية وتأسيس وفرض نظام ولاية الرجل على المرأة والذي عمل على تقييد حرية النساء السعوديات ونزع حقوقهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
وشهد المجتمع السعودي في السنوات القليلة الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات العنف ضد النساء، حيث بدأت هذه الظاهرة بالتزايد والتعاظم. إذ أكّدت إحدى أحدث الإحصائيات الصادرة عن هيئة حقوق الإنسان أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة العنف الأسري في المملكة السعودية إذ بلغت نحو 45%، مما أدّى إلى دقّ ناقوس الخطر من قبل بعض أهل الاختصاص والجمعيات الأسرية وأُطلقت الدعوات للقيام بحملة وطنية للتوعية بهذا الأمر . بدأت الكثير من الأصوات داخل الأسر، أصوات النساء تحديداً، بالتصريح علناً عن المعاناة التي يعشنها، لما تخلّفه هذه الظاهرة من سلبيات تهدّد الأسرة وسلامة البنية الاجتماعية برمّتها. ولجأت بعض النساء إلى الفضاء الإلكتروني للتعبير عن رفضهن للعنف الممارَس ضدهن وللمطالبة بحقوقهن، وتلقّفت وسائل الإعلام والمنظمات النسوية هذه الحملات الغاضبة محاولةً تشكيل ضغطٍ ما على الحكومة السعودية وصنّاع القرار فيها. وأثمرت تلك الجهود عن إصدار عدّة قوانين للحدّ من العنف تجاه المرأة وتجريمه. وعلى الرغم من هذا التحوّل غير المسبوق، لم تكن هذه القوانين كافية للقضاء على العنف المتجّذر في المجتمع أو حتى لتقليص نسب هذه الظاهرة، مما عرض الحكومة السعودية للعديد من الانتقادات الداخلية والخارجية.
بالرغم من وجود مبادرات من قبل الدولة السعودية للاستجابة للضغوط الدولية والضغوط الداخلية فيما يتعلق بالحقوق والمساواة والحدّ من العنف ضد النساء فإن هذه المبادرات والقوانين لم تكن مجدية في السيطرة على هذه الظاهرة. إذ إن قانون الأحوال الشخصية في المملكة العربية السعودية، الذي صدر عام 2022، والذي تصفه السلطات بأنه "إصلاح رئيسي"، يرسّخ نظام ولاية الرجل ويقنّن التمييز ضد المرأة في معظم جوانب الحياة الأسرية.
بينما يُدخل القانون بعض الإصلاحات الإيجابية، مثل تحديد سنّ أدنى للزواج، فإنه يرسّخ أيضًا بعض الممارسات المتأصلة في نظام ولاية الرجل على المرأة، ويفشل في حماية النساء من العنف الأسري، ويُرسخ نظامًا قائمًا على التمييز على أساس الجنس في الزواج والطلاق والحضانة والميراث.
إنّ هدف هذا البحث هو دراسة وتحليل قانون الأحوال الشخصية في المملكة العربية السعودية، الذي صدر في 2022 والقرارات المستمدّة منه والتي تمّ إقرارها فيما يتعلق بظاهرة العنف الأسري ضد المرأة والتوقّف عند النقاط التي لم ينجح القانون في تحقيقها وأثر ذلك على حياة النساء اليوم في المملكة السعودية.
العنف الأسري ضد المرأة وأشكاله المتعددة
يُعرَّف العنف الأسري ضد المرأة باعتباره أي سلوك عنيف يقوم به الرجل لإيذاء المرأة مادياً أو معنوياً أو حرمانها من بعض أو كل حقوقها. ويتمّ اقتراف هذا العنف ضد المرأة بجميع حالاتها الاجتماعية سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة فهو يشمل السلوك العنيف الموجّه ضد المرأة، سواء كانت زوجة أو أم أو أخت أو ابنة، ويتسم بممارسة التمييز أو الاضطهاد أو القهر . كما تعرّف هيئة الأمم المتحدة للمرأة العنف ضد النساء بأنه "أي اعتداء ضد المرأة مبنيّ على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة" .
تتعدد أشكال العنف الممارَس ضد المرأة، وقد تمّ تصنيفها من قبل بدوي (2017) إلى سبعة أنواع. أولاً، العنف الجسدي الذي يعدّ من أبرز مظاهر العنف وأكثرها ضرراً حيث يتمّ استخدام القوة الجسدية مثل الضرب واستخدام أدوات حادّة وأجسام صلبة للتهديد وإحداث الضرر والألم. ثانياً، العنف النفسي والذي يعدّ من أكثر أنواع العنف الأسري غموضاً وصعوبة بسبب عدم القدرة على إخضاعه إلى القياس والوصول الى حقائق واضحة حوله، ومن الأمثلة على هذا النوع من العنف المعنوي، الرفض، الاحتقار، التجاهل، الترهيب، الجمود العاطفي، سوء الظنّ واستخدام الألفاظ البذيئة. ثالثاً، العنف الجنسي الذي يتمثّل بالتحرش الجنسي بالمرأة والاغتصاب، وإجبارها على ممارسة أي فعل جنسي بالإكراه. رابعاً، العنف الاقتصادي والمتمثّل بحرمان الزوجة من التصرّف بالموارد الاقتصادية وحرمانها من الإرث ومن التصرّف بممتلكاتها والإنفاق على حاجاتها الأساسية، ومنعها من الحصول على عمل ويتمثّل أيضا هذا النوع من العنف بالبخل والحرمان من المصروف وحرمانها من التصرّف براتبها. خامساً العنف الصحي، الذي يتمثّل في حرمان المرأة من الظروف والرعاية الصحية المناسبة لها وعدم مراعاة الصحة الانجابية وكذلك إجبارها على الحمل المتعدّد أو الاجهاض القسري. سادساً العنف الاجتماعي ويتمثّل هذا النوع في عزل المرأة عن المجتمع ومنعها من التواصل مع الآخرين والتدخل في شؤونها الخاصة، كحرمانها من الدراسة وزيارة الأقارب وممارسة أي دور اجتماعي. سابعا العنف اللفظي ويشمل السخرية، التوبيخ، التهديد بالطلاق والزواج من اخرى.
وفيما يخصّ السياق السعودي اتضح في دراسة أجراها المحيميد (2010) أن 51.4% من النساء السعوديات يتعرّضن للعنف الأسري بأنواعه المختلفة وقد أشار المحيميد في دراسته إلى أنه لا توجد هناك إحصائيات رسمية في المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالعنف ضد النساء، ولكن تؤكد العديد من الدراسات المتعلقة بالعنف الأسري من خلال ما تمّ رصده وتسجيله من قبل المؤسسات الخيرية ومنظمات حقوق المرأة والمستشفيات ووسائل الإعلام وهيئات حقوق الانسان أنّ الأرقام والنسب تختلف بين المصادر فيما يتعلق بالعنف ضد المرأة.
كما أقرّت دراسة اخرى أنّ ظاهرة المعنّفات في السعودية أكبر بكثير مما هو ظاهر على السطح وأن معدل العنف ضد المرأة في السعودية متوسط مقارنة بالدول العربية، حيث تصل نسبة تعرّض المرأة السعودية للعنف إلى 40% وتنحصر بين العنف الجسدي والسلطة والتحكّم والعنف الاقتصادي والعنف النفسي وأشارت إحدى الدراسات أيضاً إلى أن مؤشر العنف ضد المرأة في المملكة وصل الى 87.6% عام 2013. . بناءً على هذه الدراسات والإحصائيات المختلفة fقامت "مؤسسة الملك خالد" في العام نفسه بإطلاق حملة إعلامية للتوعية حول مشكلة العنف الأسري في السعودية، تحت عنوان "وما خفي كان أعظم. معاً لمحاربة العنف ضد المرأة" وهي أول حملة سعودية رسمية توعوية تتناول العنف ضد المرأة.
كما توضح آخر الإحصائيات المحلية أن حالات العنف ضد المرأة مازالت مستمرة، حيث أشارت تقديرات برنامج الأمان الوطني من العنف الأسري لعام 2017 أن ما نسبته 35% من النساء السعوديات قد تعرّضن بالفعل لنوعٍ واحدٍ على الأقلّ من العنف الأسري، كما كشفت نتائج الاستطلاع في السياق ذاته أن "العنف النفسي" هو أكثر أنواع العنف انتشاراً ضد المرأة في المجتمع وبنسبة بلغت 64%، وأكد رئيس هيئة حقوق الإنسان أن عدد حالات العنف التي وصلت إلى المحاكم السعودية بلغ 59 حالة من أصل 1059 حالة .
في العام 2009، أثارت قضية سمر بدوي ضجّة كبيرة داخل المجتمع السعودي. إذ بعد خلاف حادّ دار بين الأب وابنته، استغاثت سمر بالقضاء السعودي متهمة والدها بإيذائها جسدياً طوال 15 عاماً ومحاولة تزويجها بالإكراه، بينما ردّ الأب برفع دعاوى قضائية اتّهم فيها ابنته بالعقوق. وقد احتُجزت بدوي في أبريل/نيسان 2010، وأفرج عنها في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه بعد انطلاق حملات تضامن حقوقية محلية ودولية. وبعد الإفراج عن سمر، انتقلت الولاية عليها من والدها إلى عمّها.
وفي مارس من عام 2014 اضطرت مواطنة أخرى - وعلى مدار فترات عديدة- إلى دفع مبالغ مالية لزوجها، لكي يتوقف عن ضربها وإيذائها هي وأطفالها تحت سن الخمس سنوات، حتى وصلت المبالغ المدفوعة لقرابة 300 ألف ريال سعودي. مما دفع الزوجة للّجوء إلى الجهات المعنية لفسخ عقد النكاح، بعدما حبسها زوجها مع أولادهما في المنزل، ووضع إسمنتاً على بابه طيلة خمسة أشهر، ولم تخرج منه إلا بعدما حضرت الشرطة التي فتحت تحقيقاً في الموضوع .
وفي هاتين القضيتين يظهر العامل المشترك للعنف الممارَس على النساء سواء الجسدي أو المعنوي أو المادي ويتمثّل بنظام ولاية الرجل على المرأة المكرَّس في المملكة السعودية.
نظام ولاية الرجل على المرأة ترسيخ للعنف ضدّها
إن نظام ولاية الرجل على المرأة هو سلسلة تشريعات لا تأخذ صفة القانون وجرى العمل بها في السعودية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي. حدّت تلك التشريعات من حقوق المرأة وحرياتها إذ اعتبرت أنّ المرأة قاصر وتحتاج إلى ولي لإدارة شؤونها. بحسب نظام ولاية الرجل على المرأة، يتعيّن على كل امرأة سعودية أن يكون عليها وصيّ من الرجال، وهو عادةً الأب أو الزوج، وأحياناً العم أو الشقيق أو حتى الابن. وتكون موافقة هذا الولي مطلوبة في كافة جوانب حياة المرأة من العمل أو العلاج أو الدراسة أو الزواج أو القضاء أو الحصول على جواز سفر أو السفر إلى الخارج...
وعلى خلفية قصص مروّعة طالت النساء من مختلف المناطق السعودية وبعضها خرج إلى العلن، بدأت حملة إلكترونية عام 2016 عبر موقع "إكس" (تويتر سابقاً) للمطالبة بإسقاط ولاية الرجل على المرأة تحت وسم "سعوديات_نطالب_بإسقاط_الولاية"؛ كما قامت آلاف النساء بتوقيع عريضة ضمّت 14 ألفاً و700 اسم بينهن الكثير من الناشطات ووجّهنها (آنذاك) إلى ولي ولي العهد محمد بن سلمان بن عبد العزيز. وحملت العريضة مطالبة بإسقاط نظام ولاية الرجل على المرأة فيما يتعلّق بالسفر والعمل والدراسة، وطالبت بمعاملة النساء البالغات كمواطنات كاملات، وتحديد سنّ معيّن تصبح معه المرأة مسؤولة عن قراراتها. وسرعان ما ووجهت تلك المطالب بحملة رفض، خاصة من قبل مفتي السعودية، باعتبارها "دعوات ضد الشريعة". وقد كان لهذه الحملات ضد قانون الولاية صدى كبير حفّز الناشطات والمعنّفات من مشاركة تجاربهم مع المجتمع. وبرزت من بين المدافعات عن حق المرأة في ولاية نفسها، الناشطة مريم العتيبي التي واجهت السجن بعدما رفع والدها ضدها دعوى عدم الطاعة عام 2017، بسبب قيادتها حملة "سعوديات نطالب بإسقاط الولاية" على مواقع التواصل الاجتماعي. فما كان من مريم إلا أن فرّت من منزل أسرتها بعد تعرّضها للعنف على يد أبيها وأخيها، وأمضت بعدها ثلاثة أشهر في السجن.
بين قصة سمر بدوي في العام 2009 وقصة مريم العتيبي في العام 2016، لم نلحظ تغيرًا ملموسًا وحقيقياً من قبل الحكومة السعودية في اتخاذ إجراءات أو إصدار قوانين لحماية المرأة من العنف. فرغم تشابه معانات النساء من عنف الولي الذي استغلّ مكانته التي يمنحها له القانون، فإن المرأة المعنَّفة إذا ما قررت مواجهة معنّفها بكسر صمتها وطرق الأبواب التي يفترض أن تكون مفتوحة لتنقذها تُفاجأ بعقبات عديدة تعيق مسار خلاصها. فحين تتقدّم المعنّفة بشكواها لدى قسم الشرطة مثلاً فهي تحتاج إلى "وليّها"، الذي في معظم الأحيان، وكما ورد في حالات كثيرة علنية يكون هو المعنّف نفسه الذي تريد رفع الشكوى ضده، وإذا ما قُبلت شكواها بدون حضور الولي عليها، فيمكن له رفع قضية عقوق ضدها، كما حدث في حالة سمر بدوي، حيث تمّ احتجازها في السجن 7 أشهر بتهمة العقوق.
ومع استمرار الحشد من أجل انتزاع حقوق المرأة والحدّ من العنف تجاهها، استجابت المملكة العربية السعودية للحملات المكثّفة على مواقع التواصل الاجتماعي والتي قوبلت بدعم كبير من القنوات الاعلامية الرسمية المختلفة بالاضافة إلى المؤسسات والمنظمات الحقوقية المختلفة والذي أثمر عن طرح "نظام الحماية من الإيذاء" للنقاش لأول مرة في مجلس الشورى في ديسمبر/كانون الأول 2012، في خطوة جادة لمواجهة تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة. ثم أقرّ مجلس الوزراء في أغسطس/آب 2013 "نظام الحماية من الإيذاء في السعودية" وهو مرادف لقانون في السياق السعودي ويهدف إلى ضمان توفير الحماية للنساء من الإيذاء. هذا القانون هو نظام حكومي تشرف عليه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ويهدف إلى توعية المجتمع فيما يتعلق بالإيذاء، ووضع القوانين الرادعة له.
وفي خطوة لاحقة أعلن وزير الشؤون الاجتماعية قراراً وزارياً بالموافقة على القواعد التنفيذية للائحة "نظام الحماية من الإيذاء" في مارس/آذار عام 2014. وقد تمّ تعريف "الإيذاء في نطاق الأسرة بأنه" كل شكل من أشكال الاستغلال، أو إساءة المعاملة الجسدية، أو النفسية، أو الجنسية، أو التهديد به، يرتكبه شخص تجاه شخص آخر، بما له عليه من ولاية، أو سلطة أو مسؤولية، أو بسبب ما يربطهما من علاقة أسرية، أو علاقة إعالة، أو كفالة، أو وصاية أو تبعية معيشية". ويفرض القانون عقوبة للإيذاء الأسري تتراوح بين الحبس شهراً وعاماً، و/أو غرامة بين 5000 ريال (1333 دولاراً) و50 ألف ريال (13330 دولاراً) ما لم تنصّ أحكام الشريعة على عقوبة أغلظ ويمكن للقضاة مضاعفة العقوبات المقرّرة في حال تكرار المخالفين لأعمال الإيذاء .
عوائق ترافق نظام الحماية من الإيذاء
وقد قوبل نظام الحماية من الإيذاء بموجات من النقد سواء من مؤسسات الدولة أو من المنظمات الحقوقية الدولية. فعلى سبيل المثال، طرحت خمس جهات حكومية سعودية 35 عائقاً يجب مواجهتها في حال تطبيق نظام الحماية من الإيذاء، و شددت وزارة الشؤون الاجتماعية على عائق تأخّر البتّ في القضايا الأسرية لحماية المتضررين، وذكّرت بخطورة التهاون الأمني في بعض الحالات، وعدم احترام دور الحماية الاجتماعية. أما على الصعيد الدولي، فقد رأت "منظمة العفو الدولية" أن القانون ولوائحه التنفيذية ينصّان بوضوح على إمكانية إدانة ولي الأمر بالإيذاء، لكن تعريف مفهوم الإيذاء تغاضى عن بعض أشكال الضرر الأخرى، وذكر فقط الإيذاء "الذي يتجاوز حدود ما له من ولاية"، وانتقدت المنظمة هذا التعريف الذي لا يحدد بوضوح الأعمال التي تُعدّ مقبولة في إطار ولاية الرجل، وتلك التي تتجاوزها. كما أردفت أن القانون لا ينصّ صراحة على الانتهاكات الاقتصادية كجزء من العنف الأسري، والتي تمّ ضمّها ضمن المعايير الدولية في تعريف مفهوم العنف الأسري .
وتركّزت الصعوبات التي واجهتها وزارة العدل في تطبيق نظام الحماية من الإيذاء، في عدم دراسة النظام من جانب القضاة وفي عدم إلمام القضاة بالنظام وتطورات تعريفه القانوني، وفي الحاجة لتنظيم حلقات نقاش ودورات حول النظام، ومفهوم الإيذاء بشكل اجرائي بحيث يمكن للقضاة الاقتداء به. حيث ظلّ تعريف المفهوم فضفاضاً (امتناع شخص أو تقصيره في الوفاء بواجباته والتزاماته)، ولم يتمّ تحديد الواجبات والالتزامات بشكل دقيق، بما يسهل من إصدار أحكام واحدة في القضايا المشابهة بما يحقق مبدأ السابقة الفقهية المفيدة للاسترشاد للحكم في الحالات المشابهة.
كما تعدّدت أوجه انتقاد القانون من منطلق أن الأنظمة القضائية لوزارة العدل تكتفي أمام قضايا العنف والولاية بدليل إجرائي موحّد، بالرغم من أن نظام الحماية من الإيذاء ينصّ في مادته الثامنة أنه "إذا ظهر لوحدة الحماية من البلاغ خطورة فعليها إبلاغ الشرطة وغيرها من الجهات الأمنية والطلب منها إتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحالة بما يتماشى مع خطورتها" وهذا ما تمّ تجاهله. أما يشير القانون إلى "أنه في حالات الإيذاء غير الخطير- لم يتمّ توضيح ماهيته - يتعيّن أن تبقى الحالة مع عائلتها مع أخذ تعهّد على ربّ الأسرة، أو من يقوم مقامه" . وسبق أن حدث مثل تلك الحالات في عام 2008 وتكررت فيما بعد، حيث أخذت الوزارة تعهّداً على ذويّ إحدى النساء التي هربت من أسرتها إلى دار الحماية، وقد تعهدوا بعدم إيذائها مجددًا وأعادوها إلى المنزل، ليكرروا تعنيفها وإيذاءها مجدداً رغم التعهّد .
وفي حادثة أخرى، تمكّن مواطن من استغلال ولايته على شقيقاته الثلاث، بعد وفاة والده ومنع الأولى من مزاولة عملها بعد أن قضت 20 عاماً في مهنة التعليم وهي في العقد الرابع من عمرها، بينما منع الأخريات من الدراسة في الجامعة، وضربهن وحبسهن داخل المنزل وقام بمراقبة المنزل بالكاميرات من غرفة معزولة، كما هددهن بالقتل مما دفعهن إلى الإبلاغ عنه للسلطات. وبعد شهر من تقديم بلاغ للشرطة، توجه رجال الأمن إلى المنزل وطرقوا الباب ولكن بلا فائدة، مع العلم أن ممثلاً عن الشؤون الاجتماعية رافق الدوريات مرة واحدة فقط، ولم يروا منهم أي تجاوب .
الحملات الإلكترونية بين النجاح والقمع المستمرّ
وقد سمحت وسائل التواصل الاجتماعي بزيادة فعالية الحملات الاعلامية والاجتماعية والتي كان من الصعب تحقيقها من خلال وسائل الإعلام التقليدية التابعة للنظام والناطقة باسمه. إذ بين الفينة والأخرى تركّز شبكات التواصل الاجتماعي على قضايا العنف ضد المرأة، وكأنها أصبحت أشبه بالظاهرة الصامتة التي تنخر في المجتمع، بسبب وجود قانون هزيل وتطبيقه الضعيف بشكل يحول دون تلبية مظالم النساء المعنَّفات. وبات النشطاء وخاصة من النساء عاجزين عن إخراج ضحايا العنف أو انقاذهم حتى من خلال التغريدات الفردية ولذلك تمّ اللجوء إلى استراتيجية اخرى ذات تاثير أقوى وهي إطلاق الهاشتاج/الوسم حيث أنه بمجرد إطلاق وسم #لا_أخشى_أن_أقول مثلاً أو #ما_تخليش_القصة_تموت، انفجر الفضاء الإلكتروني السعودي بالعديد من حالات العنف وقصص الزواج القسري والتمييز بين الجنسين . ويعد موقع "إكس" (تويتر سابقاً) من أهم المنابر المستخدمة في نشر الحملات الاجتماعية وخلق متابعين لها، خاصة الحملات التي تتطلب تفاعل الجمهور بشكل سريع، نظراً للطبيعة التفاعلية للمنصة إضافة إلى أنه يتمّ عبرها مناقشة موضوعات وقضايا يهتم بها المحيط الاجتماعي أو العالمي .
وفي عام 2021 أطلق هاشتاغ #انقذو_رين على موقع "إكس" (تويتر سابقاً) في السعودية، عقب انتشار مزاعم بشأن تعنيف فتاة حاولت أسرتها إجبارها على الزواج. ودعا ناشطون على وسائل التواصل، من خلال التفاعل مع قصة رين، إلى وقف العنف ضد النساء وحثّوا الفتيات على رفع أصواتهن وعدم السكوت على أي إساءة يتعرّضن لها. وقالت مغردة تحت اسم "راء" إنها تعرضت "لأسوأ أنواع التعذيب والتحرش والإهانة خلال 10 سنوات"، على أيدي أهلها. وقال حساب يزعم بأنه يعود للفتاة المعنّفة "أنا ر.ع ذات العشرين ربيعاً صبرت على الضرب التنمّر والسبّ المتكرر عشر سنوات تعرّضت فيها لأشد أنواع التعذيب والتحرش والإهانة من أب وأم لا يفقهون في التعامل إلا بالقسوة". وأضافت "أفكر بالانتحار وأعتبره الحل الأمثل لأني أجبرت على الموافقة بزوج يكبرني بستّ سنوات".
وتفاعلاً مع تلك الحملات، أعلنت عدة جمعيات مدنية سعودية دعمها لقضايا حقوق المرأة ودعت إلى التوعية للحدّ من العنف تجاهها. وكانت منصات التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية حاسمة في تعزيز التعبئة الاجتماعية في المملكة، ومع ذلك يمارس النظام أساليب الرقابة والقمع على المحتوى المنشور على تلك المنصات ويتعرّض الناشطون والناشطات إلى الملاحقة والتضييق عليهم وصولاً إلى سجنهم.
رغم سعي المملكة العربية السعودية لترويج صورة الحداثة والتقدّم والانفتاح وتصديرها إلى العالم الخارجي، إلا أن العديد من تغييراتها ما زالت سطحية لا سيما فيما يتعلق بالمشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة وحركة حقوق المرأة والعنف ضدها، التي لا تزال محور صراعات عديدة على أرض الواقع وعلى شبكات التواصل. وقد شكّلت الاعتقالات والسجن وممارسات الرقابة والتهديدات الإلكترونية للناشطات والمشاركات في حملة مناهضة الوصاية عام 2016 وحملة حق المرأة بالقيادة عام 2018 تحديًا خطيرًا لاستراتيجية النظام "الجديدة" وصورته .
ومن خلال الدراسات المتعلقة بظاهرة العنف الأسري في المملكة العربية السعودية والحملات التي شهدها المجال الالكتروني ضد قانون ولاية الرجل على المرأة، والتقرير الذي صدر من منظمة "هيومن رايتس ووتش" عام 2016 ، والذي كشف عن أوضاع المرأة السعودية ومعاناتها بسبب قانون الولاية والأذى الواقع عليها بسببه، أولت وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الخيرية والنسائية السعودية، ووسائل الإعلام المحلية اهتمامها لمناقشة هذه الظاهرة وزيادة الوعي حولها، ما أدّى إلى إنشاء مراكز حماية اجتماعية، بغرض التعامل مع ضحايا الإيذاء والعنف الأسري من النساء، وكذلك تقديم الخدمات الإرشادية للضحايا والمساعدة في حلّ مشاكلهم.
"رؤية 2030" تطويرات غير مكتملة لتمكين المرأة
وتعدّ المملكة العربية السعودية الدولة الأقل دفاعاً عن حريات المرأة من بين كل دول الخليج العربي. فخلال عقود من الزمن مورست على النساء في المملكة أشدّ أنواع القمع وسلبت منهن حقوقهن الأساسية كما فُرضت عليهن قيوداً كثيرة على أجسادهن وحركتهن وخياراتهن وطريقة اللبس والأماكن المسموح لهن بارتيادها إذ لم يكن بإمكان المرأة السعودية أن تخرج من المنزل أو تتحدث للغرباء دون وجود "محرم".
وبعد إطلاق "رؤية 2030" في عام 2016، باشرت المملكة العربية السعودية العمل على تطبيق مبادرات تمكين المرأة في المملكة، وأصدرت العديد من القرارات ذات البعد الإنساني والاجتماعي والاقتصادي لحماية المرأة، ومن بين 60 قراراً جديداً خاصاً بحقوق الإنسان داخل المملكة، 22 منها تعلّقت بحقوق المرأة. ترافق ذلك مع العمل على تطوير التشريعات وإنشاء الجهات المختصة، وصدور العديد من الأوامر والقرارات منها النظام الصادر للحماية من الإيذاء الذي يتناول العنف بكافة أشكاله، ونظام مكافحة التحرش، وإنشاء مجلس شؤون الأسرة، وتخصيص مراكز لتلقي بلاغات العنف الأسري .
وكان قد انطلق في السنوات الأخيرة حراك إنساني وقانوني وإعلامي توعوي في المملكة ومن أبرز ملامحه المحور القانوني: حيث سنّت المملكة أنظمة قانونية مرتبطة بالأسرة وعلى الأخص بالمرأة والطفل. وعلى المحور التنظيمي: أنشأت حكومة المملكة مجموعة من المؤسسات العامة المتخصصة في التنمية الاجتماعية مثل وزارة الشؤون الاجتماعية سابقاً ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والعديد من البرامج التنموية وكذلك الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ومجلس شؤون الأسرة. ويشار إلى أن المملكة السعودية عضو موقّع على معظم الاتفاقيات الدولية المناهضة للعنف ضد المرأة. أما المحور الثالث فيتضمن السماح للمؤسسات المدنية بالعمل والتفاعل مع مطالبات الحشد الاجتماعي المتلعقة بالتنمية الأسرية من أجل رفع الوعي وتغيير السلوك نحو العنف الممارس ضد المرأة .
ونسبت بعض الناشطات الفضل في هذه القرارات إلى الدور النسوي وفعالية وسائل التواصل في الحشد والتنظيم والضغط وليس لخطط الإصلاح الأخيرة المتمثلة "برؤية 2030" أو لتنصيب ولي العهد محمد بن سلمان الذي يقدّم نفسه كمصلح تقدّمي على المسرح الداخلي والدولي، ويرسم نفسه كمناصر لحقوق المرأة في السعودية وداعم تمكينها .
ومن أبرز هذه التحوّلات بعض القوانين والممارسات المرتبطة بقانون الولاية والتي مكّنت المرأة البالغة من العمر 21 عاماً أن تتقدّم لاستخراج جواز سفر وحجز رحلة طيران والسفر من دون إذن، على أن يكون التصريح للحاضنة والقصّر المتوفى وليّهم من الذكور والإناث. كما أصبحت المرأة السعودية قادرة على تسجيل المواليد والوفيات، ولم يعد محل إقامتها هو محل إقامة زوجها، بل تمكنت من طلب الحصول على سجل الأسرة من إدارة الأحوال المدنية، وحقها بالتبعية لأن تكون "رب الأسرة" .
ووفقا للقوانين السعودية الحالية والمتعلقة بحقوق المرأة وحمايتها من أنواع العنف الأسري المختلفة وخاصة المتعلقة والمستمدة من نظام الولاية استُثني من هذا النظام "قانونياً" السفر والدراسة، ولكن ما زالت الوصاية على الزواج والطلاق وفتح حساب مصرفي وبدء مشروع تجاري مرهونة بموافقة الولي عن المرأة. كما تمثل قاعدة الفصل الجنسي حاجزاً آخر لعمل السيدات ولدراستهن مما يضطرهن للعمل فقط في مجالات عمل مخصصة للنساء. وما زال على الولي مرافقة المرأة إلى الخارج في إطار حصولها على منحة جامعية، أو استلامها عند مغادرة ملجأ خاص بالعنف الأسري أو المحاكم للتثبت من هويتها؛ بالإضافة إلى أن إطلاق سراح امرأة مسجونة لا يتمّ إلا عند موافقة ولي الأمر.
وتتنقل الولاية على المرأة لتبدأ بيد الأب ثم الزوج، وإذا توفي الولي أو تطلقت المرأة تذهب الولاية ليد أخيها ثم ولدها، كما يصعب على المرأة تغيير ولي أمرها قانونياً إذا تعرّضت لضرر، ويصعب عليها تقديم شكوى ضده إلى الشرطة لكونها بحاجة إلى ولي أمرها ليقدّم البلاغ عنها .
ويشار إلى أن الإصلاحات التي يسوّق لها النظام السعودي والتي تشوبها الكثير من الثغرات لم تؤثر على معدّلات العنف الممارس ضد المرأة، فإن أحدث الاحصائيات الصادرة عن هيئة حقوق الإنسان السعودية تشير إلى ارتفاع نسبة العنف الأسري ضد المرأة في السنوات الأخيرة .
وتماشيا مع هذا السياق، دعت ثماني منظمات حقوقية، من بينها "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة "العفو الدولية" السلطات السعودية الى اتخاذ خطوات إضافية لإنهاء التمييز ضد المرأة، وتفكيك منظومة ولاية الرجل بالكامل، كما انتقدت نظام الأحوال الشخصية الجديد، واعتبرته يدوّن رسمياً بعض مظاهر ولاية الرجل ويرسّخ نظام التمييز القائم على النوع الاجتماعي في معظم جوانب الحياة الأسرية، بما يشمل الزواج، والطلاق، واتخاذ القرارات المتصلة بالأطفال. كما ركزت هذه المنظمات على ثغرات القانون الجديد وكونه لا يحمي المرأة بشكل كافٍ من العنف الأسري، و طالبت السلطات السعودية السماح للناشطات بممارسة حقوقهن في المشاركة بالدفاع عن حقوق المرأة دون خوف من المضايقة أو الاعتقال .
ورغم كل الجهود المبذولة، يجب أن لا نغفل عن خطورة التحدّيات التي تقف في وجه تطبيق هذه المبادرات في سياق المملكة العربية السعودية. حيث ممكن تلخيص الجذور التاريخية لفلسفة الحكم في قضايا المرأة في الأعراف القبلية الأبوية، والبعد الديني السلفي للدولة، وأخيراً الطفرة المادية المصاحبة لبدايات إنشاء الدولة و مؤسساتها. علينا أن ندرك أن أي قانون سيصدر وإن كانت مواده المدرجة أنيقة، فإنه سيصعب تنفيذه في واقع مجتمعي معقّد، وفي ظل أنظمة جائرة تجعل الرجل متحكّماً ومسيطراً على حياة النساء وعلى أبسط أمورهن. فبالنسبة إلى المرأة السعودية، تُعدّ حرية الاختيار والحركة من الكماليات، حيث يجب أن تتطابق قراراتها مع قرارات ولي أمرها، ووحدها المرأة التي تعيش مع ولي أمر متفهّم يمكنها التحكّم ببعض جوانب حياتها أما البقية فعليهنّ أن يتعايشن مع القيود التي يفرضها عليهن أولياء أمورهن .
لذلك فإن مختلف الحملات المحلية وتوصيات المنظمات الدولية ما زالت تطالب بضرورة إلغاء صك الولاية على المرأة وتعديل نظام الولاية الحالي. في عام 2023، حثّت منظمة "هيومن رايتس ووتش" وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية على تعديل المادة الأولى لنظام الحماية من الإيذاء. كما طالبت بضرورة تعديل مواد القانون التي تعطي أولوية للمصالحة العائلية على حساب حماية المرأة من العنف، أو القوانين التي توفر الملجأ فقط للحالات التي تعتبرها الوزارة خطيرة . وانتقدت المنظمة أيضاً النظام القضائي و القانوني باعتباره ظالم ويضع المعنّفة أمام خيارات ضيّقة بعد هروبها من معنّفها إلى دار الحماية لتجد نفسها مجبرة على اختيار واحد من بين ثلاثة خيارات وجميعها في غاية الظلم والجور وهي: إما العودة إلى معنّفها، أو تزويجها للخروج من الدار، أو البقاء داخله في مواجهة بيئة غير صالحة للحياة الآدمية.
التحدّيات العميقة أمام معضلة المساواة بين الجنسين
لعبت عوامل عديدة مثل الثقافة والدين والنظام الأبوي السلطوي والأعراف القبلية وقوانين الدولة المعتمدة دورًا هامًا في تحديد أنماط حياة المرأة ومواقفها وسلوكياتها وحقوقها في المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، فإن الحكم على هذه العناصر معقّد نظرًا لتشابك المعايير الثقافية في المملكة مع الشريعة الإسلامية، ممّا يصعّب أحيانًا الفصل بينهما، كما يتضح من نظام ولاية الرجل. علاوة على ذلك، شكّلت السياقات الاقتصادية والسياسية التاريخية والمعاصرة تحدّيات كبيرة أمام المشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة السعودية.
وقد ظهر مؤخراً جيل نسائي واعٍ يرفض الدور الهامشي المفروض عليهنّ عن طريق التمرّد عليه بالحديث عن المعاناة التي يعيشونها في كافة شؤون حياتهنّ وإطلاق حملات تطالب بحقوقهن و نبذ العنف ضدهن بكافة أشكاله، ويسعين إلى إحداث حالة من القلق في المجتمع ليلفتن نظر السلطة بهدف تحقيق التغيير . ورغم تنفيذ بعض الإصلاحات المتعلقة بحقوق المرأة إلا أن انتقاد الحكومة السلطوية في المملكة العربية السعودية أخذ منحنى جديداً فيما يتعلق بحقوق المرأة والعنف الرسمي على الصعيد العام والخاص الممارس ضدها، والمتمثل بالقمع والسجن والمنع من السفر والتعذيب الذي يطال الناشطات في مجال حقوق المرأة في السعودية. وعليه ينبغي أن تكون السلطة أكثر شفافية وأقل سلطوية في التعامل مع القضايا الحقوقية في ظل تغييب أي دور للمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية ومع اعتقال وتهديد المدافعين والمدافعات عن القضايا الحقوقية وخاصة قضايا المرأة.
كما ينبغي أن تقرّ الحكومة بوجود قوانين تمييزية وأن تسعى لإلغائها لا تجميلها كما يجب عليها أن تقف في صفّ الضحية لا جلّادها، وأن تمنحها الأمان لا الخذلان، فالسلطة أقرتّ مبدئيا بذلك من خلال انضمامها إلى "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة" (سيداو) عام 2000 رغم تحفظاتها، وهي مُلزمة بإلغاء التمييز ضدّ المرأة ولكن السلطة، كعادتها، لا تلتزم بإتفاقيات من شأنها تغيير الوضع الحالي للأفضل. والسلطة وحدها هي من وضعت كل هذه القوانين وفرضتها على المجتمع كقيود .
وقد أشارت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى عدم وفاء الحكومة السعودية بوعودها بتعزيز بيئة تتمتع فيها المرأة بحقوق متساوية مع الرجل وبنبذ العنف تجاهها وطالبت الحكومة بضرورة التعديل الفوري للأحكام التمييزية في نظام الأحوال الشخصية الجديد وطالبت بالإلغاء الكامل لنظام ولاية الرجل ومنح النساء حقوقاً ومسؤوليات متساوية في الزواج، والطلاق، والقرارات المتعلقة بأطفالهن. وكانت "منظمة العفو الدولية" أكثر تفصيلاً في انتقاداتها ومطالباتها حيث أقرّت بأن القانون الجديد للأحوال الشخصية يُدخل بعض الإصلاحات الإيجابية، مثل تحديد سن أدنى للزواج، ولكنه يقنن أيضًا بعض الممارسات المتأصلة في نظام وصاية الرجل، ويُخفق في توفير الحماية الكافية للنساء من العنف الأسري، ويُرسّخ نظامًا للتمييز القائم على النوع الاجتماعي في أمور الزواج، والطلاق، والحضانة، والميراث . وفي نطاق آخر أشارت المنظمة إلى أن نظام الحماية من العنف ليس كافياً لحماية النساء من العنف الأسري، بل عوضًا عن ذلك، فإن نظام الحماية و القانون الجديد للأحوال الشخصية يرسخان الأدوار الأبوية النمطية للجنسين. كما أنه يجعل الدعم المالي للمرأة من زوجها أثناء الزواج مشروطًا بأن "تمكّن الزوجة زوجها منها". تُعرّض هذه الأحكام النساء لخطر الاستغلال وسوء المعاملة، بما في ذلك الاغتصاب الزوجي، الذي لا يجرمه القانون السعودي.
العمل الإصلاحي الجدّي هو الحلّ
مازالت هناك الكثير من العوائق أمام نيل المرأة السعودية حقوقها وحريتها وما زال الطريق طويلاً من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين والقضاء على العنف الأسري تجاه المرأة بكافة أشكاله. لذا، على النظام السعودي أن لا يستغلّ قضايا المرأة من أجل تلميع صورته في المحافل الدولية دون العمل الإصلاحي الجدّي على كافة المستويات. ويتطلّب هذا الأمر تغييراً جذرياً في المفاهيم والمعتقدات والتحرّر من السلطة الأبوية الأسرية والمجتمعية والسياسية. بالإضافة إلى تحفيز التعاون بين المؤسسات المختلفة والسعي للحصول على دعم المتخصصين والأكاديميين لإعداد القوانين المناسبة والحملات التوعوية الناجحة لمناهضة العنف ضد المرأة وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة لما تتمتع به من جانب إبداعي وتكتيكي وتفاعلي.
لا شك أن منصات التواصل الاجتماعي قد هيأت بيئةً مواتيةً لمشاركة المرأة السعودية في الحوار السياسي والاجتماعي. ويُمكن استغلال افتقار السياق السعودي إلى وسائل إعلام شفافة وحرة تدعم المرأة وحركات حقوقها، والمجتمع الذكوري الذي يمنع المرأة من المشاركة في المجال العام، والبنية الاجتماعية والأسرية المقيّدة، لتبرير أن منصات التواصل الاجتماعي كانت داعمةً كبيرةً لنشاط المرأة وحركات حقوقها. إلا أن للإعلام الرقمي قيودًا ومخاطر على الحركات الاجتماعية والنسوية والمشاركة السياسية بشكل عام ويحدّ من نشاط المرأة على الإنترنت عددٌ من المتغيرات، منها التصميم الاجتماعي التقني للمنصات الرقمية (مثل الخصوصية وحماية البيانات)، والبيئة السياسية التقييدية، والتمييز المجتمعي المستمر الذي تعمل في ظله حركة حقوق المرأة.
ومن أجل تحقيق تقدّم حقيقي في هذه القضايا الاجتماعية الهامّة، يجب على السلطات السعودية الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك بتعديل قانون الأحوال الشخصية بشكل عاجل وإلغاء الأحكام التمييزية ضد المرأة، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بنظام ولاية الرجل. كما يجب عليها ضمان تمتّع المرأة بحقوق ومسؤوليات متساوية فيما يتعلق بالزواج والطلاق وحضانة الأطفال والوصاية عليهم والميراث.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.