الدولة الأمنية واستمرار العجز عن تحقيق الإستقرار

© أون مصر الإخبارية

مرت أربعة أعوام على رحيل مبارك وعام ونصف علي خلع مرسي ومازالت مصر تبحث عن نظام  سياسي يبني على لحظة الثورة لينشىء سلطة ومجتمع مستقرين دون نجاح يذكر

يصدمنا رفع مناطق كاملة من خريطة سيناء وتهجير الأهالي قسرياَ، تفجعنا حوادث قتل عشرات المشجعين عند مدخل إستاد لكرة القدم، تلهينا أحكام المؤبد الجماعية على ٢٣٠ ناشط بعد موجات أحكام الإعدام بالجملة من قبلها، وتخرسنا قسوة حملات الإعلام لتخوين ووصم كل معارض وأي معارض، فنظل حبيسي ردود الفعل المؤقتة دون محاولة توصيف لما يجري في مصر منذ الإعلان عن موعد للإنتخابات البرلمانية إستكمالاً لخارطة الطريق التي طرحتها القوى المدنية بقيادة المؤسسة العسكرية وبتفويض الشعب للمشير وقتئذ والرئيس بعد ذلك: عبد الفتاح السيسي.

ولا تكمن المشكلة في الإنهاك المستمر للرأي العام في أزمات وإحتقانات يومية، ولا حتى في إستنفار الشعب لمحاربة الإرهاب - التي تنشره قوى السلفية الجهادية - بنفسه وبتفويض من النظام السياسي للاخذ بالثأر.ولا تكمن المشكلة بالأساس في إعلان الإخوان إنتهاجهم للعنف كرد فعل لما حدث للجماعة منذ فض إعتصام رابعة، مروراً بالاحكام القضائية والحبس الإحتياطي ومصادرة المنظمات والأموال المرتبطة بالتنظيم وحبس آلاف الشباب المنتمي للجماعة. كما لا تكمن الأزمة أخيراً في تغول الأجهزة الأمنية وإستخدامها العنف المفرط بشكل لم يحدث في مصر قط، حتى في أعتى لحظات حكم مبارك، فكل هذه المعطيات تظل - على بؤسها - أعراض و ليست أسباب لأزمة حكم السيسي.

فالمتابع للشأن المصري لا يمكن له ان يفهم كيف تتخذ الأجهزة الأمنية قرارتها ولا كيف تحدد أولويتها. كيف يتم قتل أحد قيادات حزب يساري وهي حاملة للورد في مسيرة صامتة أو سحل العشرات قبيل مباراة لكرة القدم في لحظة يعلن فيها الجهاديون إقامة إمارة سيناء الإسلامية أويجد تفسيرا للتجاهل المستمر للتسريبات لمحادثات القادة العسكريين الهاتفية ووصولها للرأي العام لإثبات تلاعب المسؤولين العسكريين بأحكام القضاء وبالأداء الإعلامي وبتحديد رسائله للمشاهدين. في هذا المعرض، تثار هنا قراءتان للتفسير لا ثالث لهما تقضي الأولي بشرح ما سبق بإعتباره دليل على إنهيار أجهزة الدولة وتفكك روابطها وإختراق صفوفها مما يجعل منها وحشاً كسيراً يأتي على الأخضر واليابس في محاولة مستميتة للاستمرار في الحكم. في حين تذهب القراءة الثانية إلى شرح كل النزوع للعنف الأمني كتعبير عن ترسيخ "العسكرة و الشمولية" كسمتين جديدتين ورئيسيتين للنظام السياسي المصري بعد إنتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية وما يشاع عنه من إحتقار للسياسة وللسياسيين. وتتأرج باقي القراءات بين هذين التفسيرين وفقاً للأحداث اليومية وحجم الخسائر البشرية والمادية المستمرة وما أكثرها.

وتظل محاولة مقارنة أداء النظام السياسي الحالي ونزوعه لإستخدام العنف بشكل غير مسبوق وميله لسن قوانين إستثنائية بشكل شبه يومي، بما اتسم به حكم الإخوان من تصعيد للعنف وإنفراد بالسلطة وإرتجال في سن القوانين والتشريعات وإستخدام للميليشيات وتمكين الكوادر محل الثقة وإثارة خطاب "استهداف أمن مصر"، غائبة في عظم التفسيرات المثارة رغم التشابه الشديد في جنوح كل منهما الى التحالف مع العناصر الأكثر عنفاً كظهير سياسي وتعميم خطاب المؤامرة كمصدر أساسي لإضفاء الشرعية على الممارسات القمعية والعنيفة واللا قانونية لكل من نظامي حكم محمد مرسي وعبد الفتاح السيسي. كما يستمر تجاهل أوجه الشبه فيما يتعلق بالدعوة غير المدروسة للمشاريع القومية الكبري وبالنزوع المتهور لجذب التمويل السياسي الخارجي وبالإفراط في الوعود الوردية مثل مشاريع النهضة وصندوق تحيا

مصر، وبغض النظر عن مقارنة حجم التجاوزات لهذا النظام أو ذاك، يظل القاسم المشترك للنظامين الذين حاولا الحلول محل نظام مبارك، هو إنعدام الثقة في مجمل أطراف المجتمع السياسي وفي الإطار المؤسسي التعددي الذي تم إنتاجه على الورق والجنوح الى العنف الرمزي والمادي سعيا لإسترداد الهيبة وإحتكار إستخدام العنف المشروع، ناهيك عن الإعتماد بالأساس على حسابات المحاصصة وتقسيم الغنائم مع أجهزة الدولة الموروثة بغية كسب تأييدها ولو مؤقتا.

وتجدر التذكرة هنا بأن كل من وزيري الدفاع والداخلية كانا من إختيار الرئيس السابق محمد مرسي وجاءا ضمن خطة أوسع لتفكيك وإعادة ترسيم القوة النسبية للاجهزة الأمنية، كما تجدر الإشارة الي ان إستخدام كل من النظامين للمؤسسة القضائية من خلال محاولة إلحاقها بالدوائر الأضيق لصنع القرار والتوسع في منحها إمتيازات مؤسسية وحصانة من المساءلة قد إتسم بالتشابه مع تغيير أطراف التحالف وليس مضمونه.

>لقد أمضى النظام السياسي برئاسة مرسي اخر ستة أشهر له في إجترار الحديث عن عمق المؤامرة التي تحيكها الأجهزة و المؤسسات ضده. ولقد كرر النظام الحالي ذات النغمة منذ انتخاب السيسي بإستمراره في الحديث عن ضلوع الإخوان وعناصر داخلية وإقليمية في تفتيت مصر وتحويلها لجزء من مخطط إنشاء الدولة الاسلامية عند كل كبيرة وصغيرة حتي صار الإتهامات بتأمرالإخوان مصدر تندر في المجال العام. فما أشبه الليلة بالبارحة وما أحوجنا لفهم التشابه والتكرار في أداء النظامين الخصمين أكثر من التركيز علي خصومتها، خاصة بعد شهر العسل الطويل الذي حاول المجلس العسكري بصيغته السابقة صنعه لإحتواء الغضب الشعبي ولاستبقاء القدرة علي ضبط المؤسسات والاجهزة في تحالف يحل محل مبارك.

اننا نخطيء حين نتوقف فقط عند قسوة الممارسات الأمنية لحكم السيسي أو نتفرغ لدحض دستورية أو قانونية قراراته وقوانينه، أن فهم الأزمة المصرية لابد وأن يبدأ من رسم هذا الترادف وتجاوز التركيز علي الحرب الصفرية الدائرة إلي السمات الثابتة في كل محاولات الحكم منذ خلع مبارك. ونقصد هنا تحديداً إتسام مجمل الاجهزة الرسمية بالمنطق الطائفي في إقامة التحالفات ونزوع الأجهزة الأمنية للتنكيل بالمواطنين إستردادا لهيبتها واستخدام المواطنين كوقود لإشعال حرب أهلية حتى لو حدث ذلك بإسم الحفاظ على وحدة مصر وسلامتها.

ان التحدي الحقيقي والمسكوت عنه هوعدم إمتلاك النظام السياسي الحالي القدرة - رغم كل ما يحشده من موارد للضبط والقمع وما ينتجه من خطاب حرب مستمر- علي البدء في صنع الاستقرار، والذي تم إنتخابه أساساً لإقامته. ونقصد هنا قدرة الأجهزة الأمنية علي فرض صيغ أمنية مقبولة من قطاعات مختلفة في المجتمع المصري وليس ضمن المساندين فقط. لقد إختار المصريون الضبط الأمني للوصول إلي الإستقرار بمعنييه، الإستقرارالأمني والإستقرار الإقتصادي وحان الوقت لتقييم ما أستطاع الحل الإمني إنجازه على مدار عام ونصف. فهو للأن لم يخفق فقط في صنع الإستقرار بل جعل شقيه بعيدي المنال أكثر من أي وقت مضى  وذلك لتكرار ذات الأخطاء التي أودت بحكم الاخوان منذ عامين.

ان تجاوز النظام السلطوي الذي أقامه مبارك على مدار ثلاثين عاماً لن يحدث بحبس الآلاف ولا بقتل المتظاهرين ولا بسن مئات القوانين المقيدة في غياب سلطة تشريعية قادمة من بيئة تعددية. ان تجاوز نظام مبارك سيتم فقط حين تقلع أطراف الاجهزة والقوى السياسية عن استخدام ممارسات الماضي من قمع وعنف ومحاصصات وإحتواء وبناء فزاعات بغرض البقاء.

عندئذ وعندها فقط  سنبدأ في إستنئاف ما انقطع في 11 فبراير 2011.