الخارطة النقابية في الجزائر في زمن الحراك: واقع وتحديات مستقبلية

عرفت الجزائر تجربة نقابية ذات عمق تاريخي طويل. بانطلاق الحراك الشعبي في بداية 2019، شاركت النقابات المستقلة في مسيراته واعتنقت مطالبه لتغيير النظام، غير أنها لم تنجح إلا نسبيا في تجنيد قواعدها كقوة دفع لإنجاحه وتقويته. تستكشف هذه الورقة التطور التاريخي للنقابات في الجزائر وتُبيِّن ما حال دون مشاركتها الكاملة في الحراك الشعبي، كما تدفع بضرورة تجديد الثقافة النقابية السائدة حتى تتخطى النقابات مطالبها الفئوية المحدودة لتلعب دورا في الانتقال الديمقراطي.

جزائريون يتظاهرون خلال مسيرات الحراك الجزائري المطالبة بتغيير النظام الجزائر العاصمة، شباط/فبراير 2020.EPA-EFE/محمد مسارة

عرفت الجزائر تجربة نقابية ذات عمق تاريخي طويل، تطورت مع الوقت وتميزت بحضور الدولة كرب عمل في اغلب مراحلها خاصة عندما يتعلق الامر بمرحلة ما بعد استقلال البلاد عام 1962. تقربت فيها التجربة المركزية التي عاشتها النقابات من الفضاء السياسي الرسمي وفاعليه الفرديين والجماعيين ومؤسساته كالحزب والدولة. بانطلاق الحراك الشعبي في بداية 2019، دعمت النقابات الجزائرية الحراك من خلال المشاركة في تنظيم وتنسيق فعالياته ومشاركة الشخصيات النقابية المعروفة في مسيراته والكثير من فعالياته الأخرى. فرغم هذا الانفتاح على الحراك واعتناق مطالبه لتغيير النظام الجزائري القائم، لم تنجح النقابات إلا نسبيا في تجنيد قواعدها كقوة دفع لإنجاح وتقوية الحراك وتبني مطالبه بشكل واضح، مطالب إن تم تحقيقها مستقبلا ستسهم بدورها في ترسيخ العمل النقابي واستقلاليته. تستكشف هذه الورقة التطور التاريخي للنقابات في الجزائر مبيِّنةً نقط ضعفها وقوتها والأمور التي حالت دون مشاركتها الكاملة في الحراك الشعبي، وتدفع بضرورة تجديد الثقافة النقابية السائدة حتى تتمكن النقابات من أن تلعب دورا اجتماعيا وجمعويا يتعدى مطالبها الفئوية المحدودة نحو تجنيد أكبر للفئات الوسطى التي تملك هذه النقابات المستقلة حضورا كبيرا داخلها يمكن أن يساعد على إدخال تغييرات مهمة على أداء النظام السياسي كأحد مطالب الحراك الشعبي.

  مقدمة تاريخية:

تعرّف العمال الجزائريون على العمل النقابي في المهجر بعد هجرتهم المبكرة إلى فرنسا التي ارتفعت وتيرتها قُبيل الحرب العالمية الأولى، زيادة على تلك التجربة التي سمحت بها الحالة الاستعمارية الاستيطانية في الجزائر ذاتها داخل قطاعات متنوعة (نقل، صحة، صناعات تحويلية ومنجمية). تمت التجربة النقابية في الغالب الأعم داخل الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) ذات التوجه اليساري، كانت هي المدرسة الأساسية لهذه التجربة النقابية التي قام بها الفلاحون-العمال بفرنسا داخل قطاعات يغلب عليها الطابع الصناعي كالميكانيك والمناجم مما منح التجربة النقابية الجزائرية بعدا عماليا واضحا. تجربة أفرزت مع الوقت نخبة نقابية سمحت بالتفكير لاحقا للحركة الوطنية في تكوين نقابة مستقلة خاصة بالعمال الجزائريين، على غرار ما قام به العمال المغاربة والتونسيون.

القرب الكبير لهذه التجربة النقابية من الوطنية السياسية، أحزابها وعقيدتها، هو الذي يفسر لنا كيف تأثرت هذه التجربة النقابية سلبا بأزمة الحركة الوطنية 1946 التي كانت تحضر خلال هذه المرحلة للإعلان عن نقابة لتمثيل العمال الجزائريين تحت قيادة النقابي عيسات ايدير. ليتأخر الإعلان عنها إلى غاية 1956 الذي ظهرت فيه ثلاث نقابات1تم الإعلان عن تكوين نقابتين في شباط/ فبراير 1956 من قبل التيارات السياسية الوطنية الحاضرة على الساحة العمالية UGSA – الاتحاد العام للنقابات الجزائرية – التي تكونت بعد دمج الفروع النقابية التي كانت تشتغل في الجزائر داخل هياكل cgt   منذ نهاية سنة 1955. ليتم الإعلان لاحقا على نقابة USTA – اتحاد نقابات العمال الجزائريين وأخيرا UGTA – الاتحاد العام للعمال الجزائريين – التي كانت آخر نقابة وطنية تم الإعلان عنها في 24 من نفس الشهر. عبرت عن ثلاثة توجهات سياسية كانت حاضرة على الساحة الوطنية السياسية في المهجر وداخل الجزائر /شيوعيين /مصاليين / جبهويين. اعتمدت في حقيقة الأمر على نفس القاعدة العمالية في الجزائر والمهجر بفرنسا.

لم تستمر من هذه النقابات سوى الإتحاد العام للعمال الجزائريين الذي تبنى مطلب الاستقلال الوطني بشكل واضح تحت قيادة جبهة التحرير، لينجز بعد الاستقلال تجربة نقابية أحادية شبيهة لما شاع في الكثير من دول العالم الثالث لغاية 1988، اعتمدت على القطاع الصناعي العام ودور الدولة الاقتصادي في ظل حكم الحزب الواحد.

كان لابد من انتظار سنة 1989 – تاريخ اعتراف دستور 23 شباط/فبراير بحرية تكوين نقابات مستقلة والحق في الاضراب وتكوين الأحزاب السياسية – لكي تظهر عدد من النقابات المستقلة في قطاع الخدمات كالصحة والتعليم والإدارة العمومية وقليل من النقابات المستقلة في القطاع الصناعي، الذي ظل كقطاع تحت سيطرة نقابة الاتحاد العام رغم الضعف الكبير الذي اعتراها في وضع اقتصادي وسياسي وأمني مأزوم ميّز مرحلة الدخول إلى التعددية النقابية في بداية التسعينيات.  سادت آنذاك النقاشات السياسية الثقافوية والدينية، عبّر عنها بروز قوي لتيارات الإسلام السياسي كفاعل قوي لم يتمكن (رغم ذلك) من الحصول على حضور نقابي مهم بعد المصير الذي لاقته تجربته النقابية – النقابة الإسلامية للعمل (SIT) – التي أعلنت عنها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وهي تكرر تجربة القرب بين السياسي والنقابي في الجزائر.2 تم حل هذه النقابة في 1992 بعد الإعلان عن حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ودخول الجزائر مرحلة اضطراب سياسي أمني دامت أكثر من عقد كامل. وكان هذا نفس المصير الذي لاقته تجربة حركة إحسان التابعة للتيار الإخواني والتي اختفت من الساحة النقابية بعد تجربة محتشمة جدا.

 أهم ملامح الخارطة النقابية الجديدة.

ظهور وتطور النقابات المستقلة

صادف تكوين النقابات المستقلة 3 أعلن عن تكوين هذه النقابات التي وصلها عددها حوالي 60 نقابة موظفو القطاع العمومي وقليل من عمال القطاع الصناعي الذين استمروا داخل هياكل الاتحاد العام للعمال الجزائريين. في تسعينيات القرن الماضي أوضاع أمنية سياسية ومالية صعبة عطلتها كفاعل جماعي حتى بداية الألفية الجديدة، ولحين تحسن الوضع المالي والأمني للبلد. نقابات اعتمدت في الغالب وعند بداية ظهورها على قراءات قطاعية للوضع الاقتصادي والمالي وحتى لميزان القوى الاجتماعي-السياسي مما جعلها تلجأ في بعض الأحيان إلى إضرابات طويلة في وقت كان فيه عالم الشغل على المستوى الوطني يمر بمرحلة هدوء كبيرة. هذا ما حصل بالفعل في منتصف التسعينيات مع نقابة أساتذة التعليم العالي التي كانت من أولى النقابات المستقلة التي تم الاعتراف بها. يمكن تفسير هذا الوضع بالغبن الذي كان يشعر به الموظفون وكل الفئات المؤهلة داخل الإتحاد العام للعمال الجزائريين، الذي كان يركز على استراتيجية عمالية ouvriériste)) 4 تبنت التجربة النقابية في الجرائر تاريخيا المطالب الاقتصادية الجماعية على شكل زيادة في الأجور لكل الفئات العمالية التي يسهل التفاوض حولها مع الدولة كرب عمل مركزي بفكرها السياسي المساواتي الذي يفضل التعامل مع العمال كجماعة منسجمة. ترسخت لديه بفعل تاريخه وثقافته النقابية. أدى هذا إلى تكوين نقابات كثيرة (تصل العشرات) داخل نفس القطاعات لتمثيل فئات مهنية تشتغل داخل نفس مكان العمل، كما حصل في قطاعي الصحة والتربية. اعتمدت هذه النقابات في الغالب الأعم على نفس الإطارات التي كانت حاضرة في إطار الأحادية النقابية وعقيدتها الوطنية المسيّسة كخلفية لم تعرف تجديدا كبيرا منذ إعلان تكوينها.

انطلقت هذه النقابات في بداية عملها وقبل الاعتراف القانوني بها في حالات أخرى إلى الإعلان عن إضرابات مطلبية – كانت طويلة ومتكررة في بعض الأحيان كما حصل في قطاع التربية – حول مطالب فئوية غالباً ما كانت تتعلق بالأجور بمجرد إحساسها بتحسن الوضع المالي لرب العمل (الدولة الوطنية). نجحت الإضرابات في الحفاظ على سلميّتها كما كان الحال دائما مع الحركة النقابية الجزائرية، وتطورت إلى إضرابات جماعية مهدت لاحقا لتكوين الكونفدرالية الوطنية للنقابات المستقلة – تم الإعلان عنها في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 – التي ضمت 13 نقابة جديدة من تلك التي ظهرت بعد الاعتراف بالتعددية النقابية والأكثر حضورا على الساحة النقابية.

وجدت هذه التجربة النقابية الجديدة الكثير من الرفض من قبل السلطات التي تعاملت معها بعداء واضح لعدة سنوات ورفضت الاعتراف بها قانونيا في البداية أو التعامل معها كشريك اجتماعي على مستوى التفاوض الوطني لاحقا، لتقبل بها سنوات بعد ذلك كشريك داخل القطاعات التي تنشط فيها فقط، على مستوى الوزارات كالصحة والتربية. يجد هذا العداء تفسيره في موقف النخب السياسية والحكومية التي حصلت على تنشئة بعيدة عن عالم الشغل والنقابة، في أجواء سياسية سيطرت عليها أطروحات نيوليبرالية داخل نظام سياسي رافض لأي استقلالية للفاعلين الاجتماعين الجماعيين حتى وهو يقبل بهم من الناحية القانونية النصية. كما جرت العادة، نفّرت التجربة النقابية الأحادية الكثير من الشباب من العمل النقابي حتى بعد الإعلان عن التعددية ورغم البوادر التي برزت بعد المواقف الجديدة التي قامت بها النقابات المستقلة وحتى النقابات المهنية، كما كان الحال مع نقابات المحامين وحتى القضاة (جزئيا) الذين قدموا صورة إيجابية جديدة5 قام المحامون وبدرجة أقل القضاة بالكثير من الحركات الاحتجاجية من تنظيم نقاباتهم المهنية الوطنية والجهوية للمطالبة بشروط عمل أحسن واستقلالية العدالة والدفاع عن الحريات وصلت إلى حد القيام بمسيرات وإضرابات شلت المحاكم كما حصل في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019. عن العمل النقابي المطلبي والمستقل عن السياسي الرسمي. يمكن لمثل هذه المواقف   – إذا دعّمت كاتجاه غالب – أن تساهم مستقبلا في إعادة الاعتبار للممارسة النقابية والفئات المرتبطة بها كجزء من الإصلاحات السياسية التي طالب بها الحراك.

يمكن ان نذكر من نقاط القوة التي تملكها هذه النقابات المستقلة والتي يجب تدعيمها:

  • شرعية تمثيل قطاعي وفئوي أكيدة.
  • حسٌ مطلبي حاد حقق الكثير من المكاسب المادية – زيادة الأجور – بعد الإضرابات المعلن عنها من قبل النقابات المستقلة. قد لا يتكرر في المستقبل القريب نتيجة للوضع الاقتصادي والمالي للبلد.
  • قيادات نقابية ممثلة وصاحبة حضور إعلامي وطني كبير.
  • حياة ديموقراطية وجماعية في التسيير وفي اتخاذ القرار سمحت بالتداول على مراكز القيادة داخل النقابات بمناسبة المؤتمرات الوطنية.
  • تنوع فكري وسياسي في القمة والقاعدة.
  •  الاستفادة – حتى الآن – من قبول اجتماعي وتفهم للمطالب على مستوى الرأي العام حتى عند الإضرابات الحساسة كالتربية والصحة والنقل التي تؤثر سلبا على سير الحياة اليومية.
  • المساهمة في تحسين الوضع الاقتصادي-الاجتماعي للمنخرطين بعد الإضرابات والاحتجاجات التي قامت بها طول هذه السنوات في وضع اقتصادي وطني ومالي جيد نتيجة ارتفاع أسعار البترول.

 

ويقابل هذا نقاط ضعف كثيرة سيكون من المفيد الحد منها وتصويبها بالتدريج:

  • سيطرة القراءة الفئوية لموازين القوى، التي لا تأخذ دائما بعين الاعتبار حقيقة أن عالم الشغل بصفة عامة في الجزائر والعالم يعيش حالة دفاعية6المقصود بالحالة الدفاعية ان الحركة العمالية ككل بما فيها الحركة النقابية كانت تعيش حالة ضعف فقدت خلالها تحالفاتها السياسية مع القوى السياسية الداعمة لها في جو سياسي عرف بروز نخب سياسية معادية لها على المستوى السياسي الرسمي الذي انطلق في تطبيق سياسية خصخصة وتغييرات هيكلية للقطاع العام الذي عرف عمليات تسريح كبيرة للعمال وتجميد للسياسية الاجتماعية بما فيها توقيف الزيادة في الأجور. على المستوى الماكرو لا تسمح له بتفعيل استراتيجياته مطلبية حتى ولو كان جزء منه الذي تمثله النقابات المستقلة – الوظيف العمومي– يملك شروط الدفاع عن نفسه والحصول على مكاسب مالية وتحسين حالته الاقتصادية.
  • الاعتماد على العقيدة النقابية القديمة المسيّسة ذات المنبت السياسي الوطني وقلة التجديد الفكري.
  • ضعف كبير لحضور المرأة على رأس قيادات هذه النقابات داخل قطاعات مهنية تتميز بحضور كبير للمرأة كيد عاملة مؤهلة في الغالب.
  • ضعف العمل المشترك والتنسيق بين النقابات المستقلة خاصة على المستوى القاعدي والولائي
  • ضعف الاهتمام بالتكوين داخل النقابات وتوثيق التجارب بما فيها تلك التي عاشتها هذه النقابات منذ نشأتها في بداية التسعينيات.
  • قلة الإمكانيات المادية والبشرية من مقرات وأطر مسيرة داخل الهياكل النقابية.
  • ضعف العلاقات الدولية – بما فيها العربية والافريقية – لهذه النقابات مما يعيق تعرّفها على تجارب نقابية جيدة.
  • ضعف الانفتاح عموما على التحولات التي يعرفها عالم الشغل والنقابات في العالم.
  • نزعة إلى الانشقاق والصراعات الذاتية والشللية بين النخب النقابية على رأس هذه النقابات التي عرفت عديد الانشقاقات في سنواتها الأولى مما أثر سلبا على العلاقات بين الافراد والنقابات ذاتها لاحقا.

 

النقابة الرسمية

مقابل هذه النقابات المستقلة استمرت المركزية النقابية التي تكونت قبل ظهور الدولة الوطنية ذاتها في أداء أدوارها التقليدية كنقابة رسمية بوظائف يغلب عليها الطابع السياسي (التجنيد لصالح مشاريع السلطة) وهي تعيش حالة تنافس كبيرة من قبل النقابات المستقلة داخل عديد القطاعات كما هو حاصل في قطاع الوظيف العمومي. يمكن أن تتوسع هذه المنافسة لاحقا إلى القطاع الصناعي، كما بدأت تلوح بعض مؤشرات ما يحصل في قطاع الكهرباء، الذي انطلقت فيه تحارب نقابية مستقلة محتشمة حتى الآن والتي يمكن أن تتطور إذا استمر تذمر العمال من العمل النقابي الرسمي ونخبه المتهمة بسوء التسيير والفساد وازدياد حدة حالة الفوضى التي يعيشها النظام السياسي الراعي الرسمي لهذه التجربة النقابية المرتبطة عضويا بمؤسسات الدولة–الحزب.

استمرت النقابة الرسمية في الحضور داخل القطاع الصناعي العمومي، رغم ما اعترى هذا القطاع من تقلص على مستوى التوظيف7أكثر من 61 بالمئة من اليد العاملة تشتغل في القطاع الخاص على المستوى الوطني والدولي الذي سيتطور أكثر مستقبلا نتيجة الخيارات الاقتصادية الليبرالية الحاضرة بين النخب السياسية الحزبية والإدارية الفاعلة باستثناءات قليلة. نتيجة سياسات الخصخصة التي شهدها والصعوبات التي عرفها بداية من تسعينيات القرن الماضي نتيجة تسييره الإداري الريعي التي تفاقمت بعد تقلص مداخيل النفط منذ منتصف ثمانيات القرن الماضي. أدى هذا إلى توسيع مكانة القطاع الخاص الذي فشلت النقابة الرسمية في الحضور داخله. فشل يمكن رده إلى ثقافتها النقابية التي تعوّدت على النشاط داخل القطاع العمومي المملوك من قبل الدولة تحديدا ولموقف أرباب العمل الخواص المعادي لأي عمل نقابي داخل "قطاعهم" الذي يتميز بصغر وحداته الإنتاجية – عدد عمال قليل – وسيطرة منطق الاقتصاد غير الرسمي (انعدام/ضعف الحماية الاجتماعية، عدم ديمومة عقد العمل). على العكس، استمرت النقابة الرسمية في النشاط بقوة نسبية داخل القطاعات الصناعية التي بقت بعيدة عن الأزمة المالية كقطاع النفط والغاز والكهرباء والبنوك المملوكة للدولة، وهي القطاعات التي يملك عمالها حماية اجتماعية وقانونية مكرسة، بعد ان فقدت قطاعات الوظيف العمومي والإدارة العمومية التي أصبحت تحت سيطرة النقابات المستقلة. أصبحت بذلك الجزائر تعيش ساحة نقابية بعدة ديناميكيات مختلفة. نذكر بها كخلاصة جزئية:

  • استمرار النقابة الرسمية في أداء أدوارها داخل جزء من القطاع العمومي الصناعي تحديدا، دون أن تتمكن من التكيف مع المحيط الاجتماعي والسياسي الجديد، ما زاد في تعميق أزمة تسييرها البيروقراطي غير الديموقراطي وشل هياكل تسييرها الوطنية والمحلية لمدة طويلة كالاتحادات الولائية والإقليمية والفيدراليات القطاعية، نتيجة شكلية الانتخابات التي استُبدلت بالتعيين والتزكية وانكماش قاعدتها العمالية وشبهات الفساد وسوء التسيير الذي لاحقت قيادتها كجزء من النخبة الرسمية الحاكمة. استمر هذا الوضع لغاية انطلاق الحراك الشعبي الذي فرض على الأمين العام – عبد المجيد سيدي السعيد – مغادرة موقعه على رأس النقابة، بعد 22 سنة (1997-2019)، رجل كان معروفا بقربه الكبير من الرئيس بوتفليقة وأحزاب المولاة الداعمة له،8 أغلبية القيادات الوطنية لهذه الأحزاب تم سجنها بتهم فساد بعد ابعاد فشل بوتفليقة في الترشح للعهدة الخامسة في نيسان/أبريل 2019. مما أفقده موقعه على رأس النقابة بعد دخولها في حالة اضطراب واستقالة بوتفليقة.
  • غياب شبه كلي لأي حضور نقابي داخل القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي منه على وجه التحديد الذي أصبح مسيطرا وطنيا عن طريق مؤسسات صغيرة مملوكة للقطاع الخاص، مما يعني عمليا فقدان الحماية النقابية والاجتماعية لأغلبية اليد العاملة الشابة – بما فيها النساء – التي التحقت بالعمل في القطاع الخاص وغير الرسمي في السنوات الأخيرة.
  • سيطرة النقابات المستقلة على قطاع الوظيف العمومي والإدارة العمومية، مما منح موظفيه وضعاً متميزا على مستوى الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية، وعماله والنقابات المتحدثة باسمهم قدرة على التفاوض أمام رب العمل – الدولة الوطنية – التي تحسنت إمكانياتها المالية بعد الزيادة في أسعار البترول (عكس الوضع الحالي الذي ينذر بصعوبات أكبر على المدى القريب والمتوسط خاصة بعد التدهور الكبير في أسعار البترول نتيجة تفشي وباء الكورونا 2020).

النقابات والحراك السياسي في الجزائر

بعد التحسن في الحالة المالية للبلاد وهدوء الوضع الأمني والاستقرار السياسي الذي عرفته الجزائر في نهاية العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة 1999/2002، تحولت النقابات المستقلة إلى الفاعل الاجتماعي المركزي في تحريك الساحة الاجتماعية. وهو نفس الدور – ولو بشكل أقل – الذي قامت به بعض الفروع النقابية والاتحادات الولائية التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين في بعض الولايات المعروفة بحيويتها السياسية كولايات العاصمة وتيزي وزو وبجاية بمنطقة القبائل التي تتأثر فيها هياكل الاتحاد العام في الغالب بمنطق محلي مختلف عن المنطق السائد وطنيا.

انصب الحراك العمالي المطلبي  المستقل خلال هذه الفترة التي انطلقت من بداية الالفية الجديدة  في  الأساس على المطالب الاقتصادية والاجتماعية –  الأجور وملحقاتها أساسا – ، دون تناول مطالب سياسية باستثناء بعض القضايا المتعلقة بالمشاركة في الحوار الاجتماعي والنقاش الاجتماعي والسياسي العام الذي كانت ترتفع وتيرته بمناسبة الانتخابات السياسية – تشريعيات 2012/2017 ورئاسيات/2009/2014 – علما بأن الحكومات المتعاقبة قد رفضت أن تشرك النقابات المستقلة في الحوار الاجتماعي المركزي – الثلاثية بين النقابات والحكومة وأرباب العمل التي بقي التمثيل فيها  من احتكار الاتحاد العام من الجانب العمالي، في حين كان تعدديا على مستوى نقابات أرباب العمل الذين مثلوا بأكثر من كونفدرالية، مما عمق من الشعور بالغبن لدى النقابات المستقلة.

عرفت هذه الفترة كذلك بروز المعارضة السياسية كقوة موحدة من خلال "تنسيقية الانتقال الديموقراطي" التي كانت وراءها مجموعة من أحزاب المعارضة – حوالي 13 حزب سياسي – من مختلف الأطياف السياسية وشخصيات وطنية، بما فيها بعض الوجوه النقابية الممثلة للنقابات المستقلة. التنسيقية التي تمكنت من الاتفاق على "وثيقة مزفران" في حزيران/يونيو 2014 التي قدمت تصورا للدخول في مرحلة انتقال سياسي توافقي بمشاركة السلطة. إلا أن هذا المشروع لم يصمد أمام محطات الانتخابات الرئاسية 2014 والتشريعية 2017 بعد الإخفاق في الوصول إلى اتفاق جماعي من محطة الانتخابات وشروط المشاركة من عدمه فيها، بسبب بروز حسابات سياسية مختلفة لدى بعض الأحزاب المشاركة في المبادرة. كما كانت عادة هذه المدة، رفضت السلطات العمومية هذه المبادرة رغم ما كان متوفر من أجواء سياسية واقتصادية كان يمكن أن تساعد على الذهاب في اتجاه التوافق السياسي.9 عرفت الجزائر خلال هذه الفترة وضعا ماليا جيدا سمح للمواطنين بالتوجه نحو المطالب الاقتصادية-الاجتماعية الأكثر قابلية للتحقيق خلال هذه الفترة والابتعاد عن الطرح الثقافوي والأيديولوجي الذي يصعب من شروط التفاوض السياسي. على العكس، استغلت السلطة هذه الأجواء في شراء سلم اجتماعي هش لم يصمد طويلا، كما بين ذلك اندلاع الحراك الشعبي لاحقا في 2019، اعتمادا على الريع البترولي بدل الدخول في توافقات سياسية لإصلاح النظام السياسي كما طالبت المعارضة السياسية.

نقاشات سياسية عرفتها هذه المرحلة لم تتوقف من جهة أخرى داخل البرلمان الذي تمكن بعض النقابيين الممثلين للنقابات المستقلة من الوصول إليه كممثلين لبعض من القوى السياسية من مختلف العائلات السياسية ليتحولوا إلى وجوه سياسية وإعلامية معروفة لدى الرأي العام بعد السماح بتكوين قنوات تلفزيونية كإحدى تداعيات الربيع العربي في الجزائر التي تكيفت معه السلطة بالإعلان عن إصلاحات للإطار القانوني للعمل الجمعوي والقبول بأحزاب سياسية جديدة كانت تنتظر الاعتراف بها منذ سنوات مع وعود بإصلاح الدستور الذي تأخر إلى غاية 2016.

عرف دور النقابات المستقلة صعودا واضحا مع بداية الحراك الشعبي في 2019 الذي غيّر جذريا في ملامح الساحة السياسية الوطنية ببروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة داخل المدن الكبرى والمتوسطة التي يعيش فيها أغلبية الجزائريين (حوالي 67 بالمئة من مجموع السكان)، فئات كان معروفا عنها قبل هذا التاريخ العزوف عن الاهتمام بقضايا الشأن العام. وقد حفز هذا الحركة النقابية من خلال الكونفدرالية الوطنية للنقابات المستقلة للمشاركة كقيادات نقابية في الكثير من الفاعليات التي نظمت مع تنسيقيات شعبية بمشاركة جمعيات عديدة وفعاليات شبانية وشخصيات سياسية واجتماعية وطنية ظهرت للسطح  بمناسبة الحراك الشعبي وكانت من الفاعلين الأساسيين داخله  في عدة مبادرات كلقاء 15 مارس/آذار و6 يونيو/حزيران و26 آب/أغسطس2019 الذي شاركت فيه كذلك قيادات حزبية من كل الطيف السياسي  كتجربة جديدة في الحياة السياسية الجزائرية  المعروف عنها تقليديا  ابتعاد الشباب والمرأة عن العمل الحزبي. ناقشت هذه اللقاءات المطالب المطروحة من قبل الحراك وكيفية تفعيل دوره في التغيير السياسي التوافقي خلال مرحلة قبيل الإعلان عن تاريخ الانتخابات الرئاسية التي عُقدت لاحقا في 12 كانون الأول/ديسمبر 2019. واستمرت هذه المبادرات التي كانت تهدف إلى الدعوة لتنظيم ندوة وطنية لتنسيقيات للحراك بمناسبة الذكرى الأولى له في 22 شباط/فبراير 2020 تم رفض الترخيص لها من قبل السلطات في الأخير، أياما قبل تعليق المسيرات بسبب انتشار وباء الكورونا الذي بادرت به قوى من داخل الحراك.

زيادة على المشاركة في المسيرات الأسبوعية من قبل قياداتها وقواعدها على المستوى الوطني، دعت الكونفدرالية الوطنية للنقابات المستقلة إلى إضراب عام يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019 لدعم الحراك الشعبي ووقف اعتقالات نشطاء الحراك قبيل الإعلان عن الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في كانون الأول/ديسمبر 2019. ولكن هذا الاضراب لم يجد صدى كبيرا لا في العاصمة ولا في الولايات الأخرى، باستثناء ولايات منطقة القبائل المعروفة بحيوتها السياسية وتأطيرها الحزبي النقابي والجمعوي القوي تقليديا. أظهر عدم نجاح هذا الاضراب العام ضعف تجنيد هذه النقابات التي لا تملك عمقا عماليا قويا داخل التجمعات الصناعية الكبيرة التي كان يمكن أن تجندها في مثل هذه الفترة التي تعوّد أن يخرج فيها الكثير من الجزائريين إلى الشارع من أجل مطالب سياسية نوعية لم تكن سائدة لديهم قبل اندلاع الحراك.

بيَّن الاضراب العام من جهة أخرى ضعف قاعدة هذه النقابات المعتمدة على الموظفين الموزعين على أماكن عمل كثيرة ومتفرقة –عكس عمال الصناعة – وبأعداد قليلة وبثقافتهم النقابية المحدودة التي لم تقطع كليا مع رب العمل (الدولة الوطنية) التي تعودوا تقليديا على القرب منها أيديولوجيا وسياسيا. هم الموظفون الذين كانوا منذ عهد قريب اليد السياسية لهذه الدولة ولمدة طويلة، كما كان الحال سائدا خلال تجربة الأحادية السياسية، التي تم الترويج فيها للانتخابات السياسية التي تدعو لها السلطة ولكل الخطاب الرسمي، كما شاع عن هذه الفئات البرجوازية الصغيرة في الكثير من التجارب السياسية القريبة، كالتجربة الناصرية والبعثية وغيرها من التجارب العربية المشابهة التي كون المعلم والأستاذ والموظف الصغير أهم قواعدها الاجتماعية الأساسية والمدافع10 ناصر حابي، الجزائر: الدولة والنخب، دار الشهاب للنشر، الجزائر 2008. عنها، قبل أن تتخلى عنه الدولة الوطنية لصالح فئات اجتماعية جديدة أفرزتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت وراءها سياسات نفس الدولة الوطنية في العقود الأخيرة. على غرار تلك الفئات المرتبطة بالقطاع الخاص التي زاحمت بإمكانياتها المالية والإعلامية الضخمة – قنوات تلفزيونية وجرائد – هذه الفئات البرجوازية الصغيرة التي اتجهت بالعكس نحو أحزاب المعارضة والعمل النقابي المطلبي الجديد عليها بكل أدواته كالإضراب والمسيرات الشعبية.

وهو ما ظهر لاحقا عندما تعرضت قيادات هذه النقابات المستقلة إلى ضغوط رسمية ومن داخل النقابات ذاتها تكون قد مورست عليها للتخفيف من حضورها داخل فعاليات الحراك بالاشتراك مع تنظيمات جمعوية وشبانيه مستقلة، الأمر الذي جعل بعض هذه القيادات النقابية تبتعد عن التنسيق معها مؤقتا لغاية توقيف المسيرات الشعبية تحت ضغط انتشار الكورونا في منتصف شهر مارس/آذار 2020. في المقابل التحقت بعض القيادات النقابية الأخرى كأفراد بمشاريع تكوين كيانات سياسية جديدة اعتمادا على بعض فعاليات الحراك، توقفت هي الأخرى بعد ظهور وباء الكورونا وتعليق المسيرات.

علما بأن عملية اتخاذ القرار داخل هذه النقابات المستقلة قد ظهر عليها الكثير من التثاقل خلال هذه السنة 2019/2020 لم يسمح للقيادات النقابية الوطنية الحاضرة داخل فعاليات الحراك بالتكيف السريع مع الاحداث بسبب البيروقراطية التي تميز النقابات واتخاذ القرار داخلها وحساسية ما يفرزه التنوع السياسي والفكري لهذه النقابات على مستوى القمة والقاعدة. يُصعِّب هذا كله من اتخاذ قرارات خاصة عندما يتعلق الأمر بمطالب سياسية جديدة في هذا الظرف السياسي الحساس ليس هناك اتفاق حولها داخل النقابات ذاتها بين قياداتها وقواعدها.

كما أظهر الفشل النسبي للإضراب العام عدم مجاراة القاعدة النقابية دائما لمثل هذه الحركات الاحتجاجية الجديدة بمطالبها السياسية النوعية في هذا الظرف الثوري، في عز الحراك الشعبي بمطالبه السياسية الواضحة بتغيير جذري للنظام السياسي.  نفس موقف النقابات تقريبا عبر عنه المواطنون بما فيهم المشاركون في المسيرات الذين لم يتبنوا بشكل واضح مطلب الإضراب العام الذي نادت به مجموعات حزبية وشبانيه داخل الحراك لم يتحقق إلا في منطقة القبائل، تماما كما حدث مع مشروع مقاطعة الانتخابات الرئاسية يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 الذي لم ينجز بشكل كامل إلا في هذه المنطقة المعروف عنها قوة التأطير الحزبي والجمعوي والنقابي ذات التقاليد القديمة في معارضة السلطة المركزية. علما بأن هذا الاختلاف في مستويات التجنيد الشعبي بين منطقة القبائل وبعض المدن الكبرى كالعاصمة مع باقي مناطق الجزائر الأخرى قد تسبب في بعض الأحيان في قراءات سياسية مغلوطة أثرت سلبا في بعض المحطات على مستويات التجانس السياسي داخل الحراك وتسببت في سوء تفاهم بين مكوناته الشعبية وقياداته المختلفة.

 خلاصة

عرفت الجزائر تجربة نقابية ذات عمق تاريخي طويل. تطورت مع الوقت وتميزت بحضور الدولة كرب عمل في أغلب مراحلها، كما هو سائد مع تجربة النقابات المستقلة الجديدة التي سبقتها تجربة العمل النقابي الرسمي التي دشنتها الجزائر كالكثير من دول العالم الثالث.

يتم هذا في وقت تراجع فيه حضور الدولة كرب عامل لصالح القطاع الخاص الوطني والدولي. إلا أن الثقافة النقابية المتكيفة مع هذه المتغيرات الجديدة لم تظهر حتى مع بروز النقابات المستقلة التي لم تجدد عقيدتها النقابية بالقدر المطلوب، لتبقى بعيدة عن التحولات التي يعيشها عالم الشغل والنقابات في العالم. المطلوب منها الانفتاح عليه والتعرف عليه أكثر وهو في حالة تغيير. تكيف لم يحدث داخل النقابات نفسها التي بقت المرأة بعيدة عن قيادتها، رغم حضورها الكبير كيد عاملة في القطاعات التي تنشط فيها النقابات المستقلة كالتربية والصحة والإدارة العمومية مما يمنح هذا البعد أهمية كبيرة مستقبلا في أي مشروع لدعم هذه النقابات الكثيرة والمتنوعة التي تبقى في حاجة ماسة إلى الحصول على الدعم لتقوية عملها المؤسساتي وتكريس الديموقراطية داخلها وبناء تحالفات بينها وبين مكونات عالم الشغل الأخرى للقضاء على سلبيات التشرذم الذي بدأت في الخروج منه بعد تكوين الكونفدرالية الوطنية للنقابات المستقلة في انتظار التحولات داخل الاتحاد العام للعمال الجزائريين المرتبطة أساسا بحالة النظام السياسي.

تعدد السرعات التي تسير عليها هذه التجربة النقابية ستكون بكل تأكيد عامل ضعف لعالم الشغل والحركة النقابية إذا لم تتجاوز هذه التجربة عوامل ضعفها كالقراءة الفئوية لموازين القوى والمبالغة في التركيز على المطالب الاقتصادية الفئوية مع ضعف حضور قيم التضامن بين  مكونات عالم الشغل، في وقت تظهر فيه الكثير من المؤشرات الماكرو اقتصادية أن رب العمل (الدولة الوطنية) لن تكون على المدييْن القصير والمتوسط في وضع يسمح لها بتلبية هذه المطالب نظرا للوضع الاقتصادي السيء العام الناتج عن تدهور أسعار البترول وفشل عمليات التحديث والتنويع للاقتصاد الوطني الذي استمر ضمن المنطق الريعي المعروف عنه. والأهم من ذلك التغيير الحاصل في قاعدة الدولة الاجتماعية التي تدل الكثير من المؤشرات أنها بصدد التخلص من قاعدتها التقليدية الشعبية التي تحتل فيها الفئات الوسطى مكانة متميزة للاقتراب أكثر من الفئات الجديدة الذي يمثل أحد وجوهها رب العمل في القطاع الخاص.

نقابات ستبقى في حاجة إلى قراءة أشمل تأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية الوطنية التي يمثل الحراك الشعبي أحد مقوماته الأساسية بالتجنيد الشعبي الذي أفرزه، في الفترة الأخير من خلال تكوين نوع من "الكتلة التاريخية" لإنجاح عملية التغيير السياسي لنظام الحكم التي من دونها لا يمكن تصور تطور ايجابي للعمل النقابي في الجزائر بسبب الارتباط التاريخي بين النقابي والسياسي. كتلة تاريخية تعتمد على تحالفات شعبية واسعة يمكن أن تشارك فيها زيادة على النقابات التي تحظى قياداتها بقبول شعبي الأحزاب السياسية المؤمنة بالتغيير وكل الفاعلين السياسيين من شباب وحركات جمعوية وطلابية عرفت كيف تحافظ على سلميّتها لمدة أكثر من سنة وهي تنادي بمشروع تغيير سياسي توافقي لبناء الدولة الوطنية المدنية كمشروع يعتمد على احترام الحريات الفردية والجماعية واستقلالية العدالة والاعلام وانتخابات شفافة ستساهم من دون شك في انتاج مؤسسات ونخب أكثر شرعية لقيادة التغيير السياسي كمطلب للأغلبية الساحقة للجزائريين.

Footnotes   [ + ]

1. تم الإعلان عن تكوين نقابتين في شباط/ فبراير 1956 من قبل التيارات السياسية الوطنية الحاضرة على الساحة العمالية UGSA – الاتحاد العام للنقابات الجزائرية – التي تكونت بعد دمج الفروع النقابية التي كانت تشتغل في الجزائر داخل هياكل cgt   منذ نهاية سنة 1955. ليتم الإعلان لاحقا على نقابة USTA – اتحاد نقابات العمال الجزائريين وأخيرا UGTA – الاتحاد العام للعمال الجزائريين – التي كانت آخر نقابة وطنية تم الإعلان عنها في 24 من نفس الشهر.
2.  تم حل هذه النقابة في 1992 بعد الإعلان عن حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ودخول الجزائر مرحلة اضطراب سياسي أمني دامت أكثر من عقد كامل.
3.  أعلن عن تكوين هذه النقابات التي وصلها عددها حوالي 60 نقابة موظفو القطاع العمومي وقليل من عمال القطاع الصناعي الذين استمروا داخل هياكل الاتحاد العام للعمال الجزائريين.
4.  تبنت التجربة النقابية في الجرائر تاريخيا المطالب الاقتصادية الجماعية على شكل زيادة في الأجور لكل الفئات العمالية التي يسهل التفاوض حولها مع الدولة كرب عمل مركزي بفكرها السياسي المساواتي الذي يفضل التعامل مع العمال كجماعة منسجمة.
5.  قام المحامون وبدرجة أقل القضاة بالكثير من الحركات الاحتجاجية من تنظيم نقاباتهم المهنية الوطنية والجهوية للمطالبة بشروط عمل أحسن واستقلالية العدالة والدفاع عن الحريات وصلت إلى حد القيام بمسيرات وإضرابات شلت المحاكم كما حصل في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
6. المقصود بالحالة الدفاعية ان الحركة العمالية ككل بما فيها الحركة النقابية كانت تعيش حالة ضعف فقدت خلالها تحالفاتها السياسية مع القوى السياسية الداعمة لها في جو سياسي عرف بروز نخب سياسية معادية لها على المستوى السياسي الرسمي الذي انطلق في تطبيق سياسية خصخصة وتغييرات هيكلية للقطاع العام الذي عرف عمليات تسريح كبيرة للعمال وتجميد للسياسية الاجتماعية بما فيها توقيف الزيادة في الأجور.
7. أكثر من 61 بالمئة من اليد العاملة تشتغل في القطاع الخاص على المستوى الوطني والدولي الذي سيتطور أكثر مستقبلا نتيجة الخيارات الاقتصادية الليبرالية الحاضرة بين النخب السياسية الحزبية والإدارية الفاعلة باستثناءات قليلة.
8.  أغلبية القيادات الوطنية لهذه الأحزاب تم سجنها بتهم فساد بعد ابعاد فشل بوتفليقة في الترشح للعهدة الخامسة في نيسان/أبريل 2019.
9.  عرفت الجزائر خلال هذه الفترة وضعا ماليا جيدا سمح للمواطنين بالتوجه نحو المطالب الاقتصادية-الاجتماعية الأكثر قابلية للتحقيق خلال هذه الفترة والابتعاد عن الطرح الثقافوي والأيديولوجي الذي يصعب من شروط التفاوض السياسي.
10.  ناصر حابي، الجزائر: الدولة والنخب، دار الشهاب للنشر، الجزائر 2008.