مقدمة
تقدم هذه الورقة تحليلًا نقديًا لتصميم سياسات التشغيل في سلطنة عُمان وأدواتها، مستندة إلى الإطار التحليلي الذي طوّره مايكل هاولت وزملاءه لفهم ديناميات تصميم السياسات وتنفيذها وما يلازمهما من تحديات عند مواءمتهما مع السياقات السياسية والمؤسسية. ويستند هذا الإطار التحليلي على أن عملية التصميم لا تنحصر في السياسات المركزية والتطبيق الحرفي لها، بل تتشكل عبر تفاعل مستمر بين مستويات بيروقراطية متعددة، تُمارس كلها دورًا تصميميًا بدرجات متفاوتة. ويطرح هاولت مقاربة ثلاثية المستويات تتيح تشخيص الاختلالات البنيوية في السياسات، بدءًا من الإطار التشريعي وصولًا إلى آليات التنفيذ على أرض الواقع.
وعليه فإن هذه الورقة توظّف النموذج التحليلي بصورة عملية؛ فعلى المستوى الأول- الماكرو (macro-level) تحلّل الإطار القانوني والتنظيمي الذي يشكل بنية سوق العمل العُماني، ومن ذلك قانون العمل ونظام الأمان الوظيفي. أما على المستوى الثاني- الميزو (meso-level)، فتبحث الورقة في كيفية صياغة أهداف السياسات التشغيلية واختيار أدواتها، مثل مبادرة دعم الأجور وبرامج التدريب المقرون بالتشغيل وغيرها من البرامج المحفزة لتوفير الوظائف. وعلى المستوى الثالث- الميكرو (micro-level)، تحلّل الورقة كيفية تفعيل هذه الأدوات فعلياً عبر الممارسين أو الموظفين بما في ذلك من تأويلات والاجتهادات العملية والتي تؤدي أحيانًا إلى إعادة تشكيل فعلي للسياسات عند التنفيذ والتطبيق. ومن خلال تتبع عناصر ضعف الاتساق بين هذه المستويات الثلاث، تسعى الورقة إلى الكشف عن الحلقة المفقودة التي تعيق فعالية سياسات التشغيل في عُمان.
تكتسب هذه المقاربة التحليلية أهميتها في ظل ندرة الدراسات العُمانية التي تتناول سياسات التشغيل بوصفها مجالًا مستقلًا داخل السياسات العامة، إذ تركز غالبية الدراسات على الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالباحثين عن العمل، بينما تتجاوز تصميم السياسات وأدواتها. ويأتي هذا التحليل في سياقٍ تتصدّر فيه قضية الباحثين عن العمل أجندة رؤية عُمان 2040، بعد أن برزت بقوة منذ الحراك الاجتماعي عام 2011 واستمرت في استدعاء اهتمامٍ مجتمعي يتصاعد تارة ويتراجع تارة أخرى. وتُظهر القراءة الأولية وجود فجواتٍ في التنفيذ ومواضع ضعفٍ في التنسيق بين المستويات التشريعية والتنفيذية من خلال قراءة النتائج وآثارها المترتبة عليها، الأمر الذي قد يفسّر استمرار ارتفاع أعداد الباحثين عن العمل على الرغم من المبادرات المتنوعة التي ظهرت خلال السنوات الخمس الأخيرة على وجه التحديد.
وعليه فإنّ هذه المقدّمة تؤطّر مسار الورقة نحو تفكيك صرامة التصميم وملاءمة الأدوات وشروط نفاذها، وصولًا إلى الإجابة عن سؤالها الرئيس: ما الحلقة المفقودة في سياسات التشغيل وأدواتها في عُمان؟ وما الدروس المستفادة لتهيئة مسارات معالجةٍ أكثر اتساقًا مع متطلبات المرحلة القادمة؟
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.