الحركات الاجتماعية والمطالب، السياسات المثيرة للجدل في المنطقة

Arab Reform Initiative - الحركات الاجتماعية والمطالب، السياسات المثيرة للجدل في المنطقة
الصورة: مصريون يحتفلون في ميدان التحرير في القاهرة، مصر، يناير/ كانون الثاني 2016 © Khaled Elfiqi / EPA

المنشورات

الديمقراطية التداولية في تونس بعد الثورة: دراسة لدور اتحاد الشغل
جهاد أهل طرابلس في الثورة السورية من الاخذ بالثأر الى البحث عن المعنى
تأثير الحركات الاجتماعية في الحراك من أجل التغيير السياسي (حالة السودان)
رصد المسار السياسي لخمسة محامين ساندوا الحراك الاجتماعي للعاملات بالمنازل في مصر: محاولة لفهم "صنعة المحامي الحقوقي" في ضوء تحلي
موجة السياسات الاحتجاجية في مصر
الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ودورها في التحولات السياسية في مصر
الحركات الاحتجاجية وصناعة خيارات التغيير
الحراك السياسي والاجتماعي لمنظمات المجتمع المدني في الجمهورية اليمنية

دينا الخواجة - مديرة برنامج دعم البحث العربي ومؤطرة في برنامج دعم البحث العربي

شكري حامد - مؤطر في برنامج دعم البحث العربي

ظلّت دراسة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين غير الرسميين مهمشة ـ بشكل عام ـ كموضوع للدراسات السياسية أو علم الاجتماع أو الاقتصاد السياسي في المنطقة العربية، منذ تبلورها عقب مرحلة التحرّر الوطني في الجامعات ومراكز البحوث العربية في ستينيّات القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

وقد تمركزَ الاستثناء ـ الذي يؤكّد القاعدة في الأدبيات الماركسية ـ في حقول المعرفة هذه، والتي نجحت رغم هامشيتها في سياق العلوم الاجتماعية العربية الأوسع في "نحت" مجموعات بحثية قليلة العدد والتأثير، اهتمت أساساً بالحركات العمالية سيّما النقابية منها، أو بالسوسيولوجيا الريفية كتعبيرات عن الصراع الطبقي في المجتمعات العربية.

واختلف المشهد بشدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ استمرّ إهمال الفاعلين غير الرسميين وأشكال احتجاجهم المؤقتة ـ أو ضبابية التكوين ـ لصالح دراسات التنظيمات الرسمية وجماعات المصالح والمؤسسات، أو ما اصطلح على تسميته آنذاك بمنظمات المجتمع المدني، وذلك بالرغم من ازدهار نظريات الحركات الاجتماعية عموماً سيّما الحركات الاجتماعية الجديدة على مستوى الإنتاج الأكاديمي الغربي.

لذا فقد شهدت عقود الثمانينيّات والتسعينيّات اتّساعاً في الفجوة المعرفية فيما يتعلق بهذا الحقل الفرعي للمعرفة، وانصرافاً عمّا تحمله من مفاهيم وإشكاليات حول أنماط المقاومة الاجتماعية وآليات الحشد.

هنا أيضاً ظهر الفارق واضحاً بين الباحثين العرب الذين تلقّوا معارفهم في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وأقرانهم ممّن حصلوا على درجاتهم العلمية في جامعاتهم الوطنية.

فظهر تقليد جديد يهتم بالحركات الإسلامية وفقراء المدن وأشكال الحراك السياسي غير المنظمة تحت حكم سلطوي في أطروحات ودراسات الباحثين العرب في الجامعات الغربية، مقابل الاهتمام بأسلمة المعرفة أو دراسات التحول الديمقراطي مؤسّسياً وتشريعيّاً في الجامعات العربية الحكومية.

على صعيد آخر، زاد التوتّر بين الأكاديميين الماركسيين العرب وبين أقرانهم الغربيين من دارسي الحركات الاجتماعية الجديدة، والذين اهتموا بالحركات النسوية والفنية والبيئية والمناهضة للعولمة أو المطالبة بحقوق الفقراء في العمران، بعيداً عن التعريفات الطبقية الميكانيكية للصراع الاجتماعي، وضد اعتبار أنّ الحركة الاجتماعية يمكن ابتسارها في مواجهات طبقية أحادية المعنى.

بل على العكس، طرحت نظريات الحركات الاجتماعية الجديدة تعريفاً أكثر تنوّعاً للصراعات الاجتماعية، و أقلّ التزاماً بالرؤية الماركسية التي تتعامل مع الحركات الاجتماعية على أنّها فصول متتالية في سلسلة حركة تاريخ الصراع الطبقي الطويلة.

وبرز تعدّد الهويّات الاجتماعية المحتجّة كأوّل مستويات هذا التوتر بين الاتجاهين البحثيين، كما احتلّ البعد الدولي للحركات الاجتماعية مكاناً هامّاً في السجالات بين نظرية الحركات الاجتماعية الماركسية وبين نظريات الحركات الاجتماعية الجديدة، والتي سلّمت منذ البداية بإمكانية تعدّد أطراف وأشكال ومستويات الصراعات الاجتماعية، بل وبطابعها المؤقت في مواجهة سلطات وطنية أو اقتصادية أو ثقافية أو ما بعد قومية ظالمة.

لذا يسعى برنامج دعم البحث العربي في هذا الإطار لسد هذه الفجوة المعرفية والأيديولوجية، وتدريب جيل جديد من الباحثين العرب على رصد وتحليل الأشكال المختلفة للاحتجاج في مجتمعاتنا العربية سواء الطلابيّة منها أو الإثنية، النسوية منها أو الناشطة في الفضاء الافتراضي. وذلك لتوفير فهم أعمق لمسارات الغضب والاحتجاج التي سادت المجتمعات العربية منذ مطلع الألفية الجديدة دون التفات أكاديمي جاد لفهم هذه الفئات الجديدة الساعية لبناء أشكال جدّ مبتكرة للاحتجاج الاجتماعي والسياسي.

كما يهدف البرنامج لمساعدة هذا الجيل الجديد في مواكبة التطوّرات المفهومية الجديدة التي تطرح أهمية سوسيولوجيا الناشطية أو النشطاء، وضرورة الدراسات الاثنوغرافية الميدانية لفهم حركة ومنطق الفاعلين المستمرين بين مواقع الاحتجاج وقضايا الصراع الاجتماعي ومفرداته وأنماط تأطيره للمعنى.

وتقدّم مجموعة الدراسات التي أنتجها الشبّان ـ الباحثون والباحثات ـ تجديداً حقيقيّاً في هذا المضمار، سواءً من حيث وحدات التحليل المختارة، والتي تراوحت ما بين شباب النوبيين ومجموعات الألتراس وحركات السخرية السياسية على الانترنت، أو الحشد الطلابي في الجامعات العامة والخاصة، أو بناء الجبهات السياسية أو تنظيم الانشقاق في منظمات عمالية، أو من حيث الأطر النظرية المستخدمة في مواكبة أحدث السجالات النظرية حول مفاهيم الفعل الجماعي والتعبئة وآليات إنتاج المعنى على مستوى المجموعات المحتجة.

إنّ تمكين الأكاديميين العرب الجدد من تأصيل الفهم وامتلاك مهارات الرصد الميداني وتتبع المسارات المعقّدة والمتشابكة للفاعلين غير الرسميين هو الهدف الأهم الذي تتطلع مبادرة الإصلاح العربي عموماً وبرنامج دعم البحث العربي على وجه الخصوص إلى تحقيقه، سعياً لسدّ تلك الفجوات العديدة ولإزالة المعوقات المختلفة في طريق إنتاج معرفة أكاديمية من نمط يتجاوز طبيعة نشأة العلوم الاجتماعية في المنطقة العربية وآليات احتوائها من قبل السلطات السياسية والاقتصادية بل والمؤسسية لصالح مهام الضبط الاجتماعي والسياسي في مجتمعاتنا.