اتفاق تقاسم السلطة السوداني: نحو مرحلة انتقالية أم هي لعبة "تاجيليتي"؟

مع استمرار المطالبة بـمدنية الحكم في السودان، فإن الزمن فقط سيحدد ما إذا كان اتفاق تقاسم السلطة الذي وُقع مؤخراً خطوة حقيقية نحو الانتقال الديمقراطي أو مجرد مناورة أخرى في السجل السوداني الطويل المتمثل في “تاجيليتي” ووعود جوفاء.

نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان محمد حمدان دقلو، الشهير بحميدتي (يمين)، وزعيم قوى الحرية والتغيير أحمد الربيع، يتصافحان بعد توقيع اتفاق تقاسم السلطة، في الخرطوم، في 17 يوليو/تموز 2019.© EPA

هناك إسهام سوداني أصيل في القاموس السياسي يتمثل في مصطلح "تاجيليتي" وهو مشتق من كلمة "تأجيل". صك المصطلح حكام السودان من الحقبة الاستعمارية ليصفوا به فن المراوغة والتسويف الذي تتسم به سياسة النخبة في السودان. بحسب منظور المرء، فقد يمكن تفسير "تاجيليتي" بحيث تعني استراتيجية ماكرة لتجنب المواجهة المباشرة والسماح لوزن الوضع القائم الثقيل بدفع النفوس الغاضبة إلى قبول الحلول الوسط، أو بحيث تعني الكلمة المراوغة السياسية من قبل طبقة سياسية طماعة نادراً ما تفي بوعد أو اتفاق.

بغض النظر عن المذكور، فقد ربحت لعبة تاجيليتي في 17 يوليو/تموز 2019 عندما قام الطرفان الرئيسيان في السودان من بعد عزل البشير، وهما المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير (وهو تحالف عريض من الأحزاب السياسية والنقابات المهنية) بتوقيع الأطر العامة لصفقة تقاسم السلطة، التي نصت على المشاركة في الحكم لثلاث سنوات وثلاثة أشهر إلى حين الانتقال إلى حكم حكومة منتخبة. ومشاهد إبرام الاتفاق قد تكون دالة أكثر من محتواه.

جاء بالنيابة عن المجلس العسكري الانتقالي اللواء محمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي)، قائد قوات الدعم السريع، في حين قدمت قوى الحرية والتغيير بالنيابة عنها أحمد الربيع، وهو مُعلم فيزياء وناشط بتجمع المهنيين السودانيين. واجه الرجلان الكاميرات بطلّة متحفظة وهما يتصافحان بعد توقيع الوثيقة، في حين وقف ورائهما، وهما يصفقان، الوسيطان، محمد الحسن لباد من الاتحاد الأفريقي، والمبعوث الإثيوبي محمود درير. انسالت دمعة أو دمعتين على وجنة درير تأشيراً باللحظة العاطفية، وقالت الصحافة الموالية لحميدتي أن الأخير فعل المثل. ووراء الكواليس كان ممثلو القوات النافذة الذين تنافسوا على إملاء مستقبل السودان: المبعوث الأمريكي دونالد بوث، الذي قابل رئيس المجلس العسكري، برهان، قبل يوم، ودبلوماسيون من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وسفيرا الإمارات والسعودية؛ وقد انشغلوا جميعاً بالهمس في آذان هذا الطرف وذاك.

يعتبر حميدتي والربيع غريبان على المؤسسة السياسية السودانية. فحميدتي هو قائد ميليشيا خاصة قوية انبثقت عن حملة الخرطوم لمناوئة التمرد في دارفور، وربيع القادم من تجمع المهنيين هو ناشط شجاع، لكنه انشغل بالسياسة بسبب الظروف القائمة، دون أن يكون ورائه حزب سياسي يدعم مغامرته في دهاليز السلطة.

عمّ السرور بعد توقيع وثيقة تقاسم السلطة، لكن مع خروج حميدتي من القاعة الفسيحة بفندق كورنثيا الخرطوم – ذلك المبنى بيضاوي الشكل المهيمن على أفق المدينة حيث انعقدت الجولة الأخيرة من المفاوضات – هتف بعض الأفراد من صفوف الحاضرين عن الصحافة والإعلام، شعار "مدنية" بصوت جهوري، ليسمعهم. على مدار شهور، كانت "مدنية" هي شعار الحركة الاحتجاجية التي أجبرت الجيش السوداني وقادة الأمن على خلع الرئيس البشير من القصر، في انقلاب 11 أبريل/نيسان، واختطاف السلطة تحت لواء "المجلس العسكري الانتقالي". منذئذ، تدور معركة إرادات طاحنة بين المجلس العسكري والحركة الاحتجاجية التي يقودها تجمع المهنيين وحلفائه تحت مظلة قوى إعلان الحرية والتغيير، موضوعها هو تقرير طبيعة حقبة ما بعد البشير.

إن المتظاهرين الذين هيمنوا على الشوارع وأمّنوا بأرواحهم لقوى الحرية والتغيير موقعها على طاولة التفاوض، لخّصوا المشهد السياسي السوداني في مطلب أساسي هو سمو الحكم المدني على العسكري. وكما كان متوقع، فقد دُهش الكثيرون إذ رأوا أبطال الحركة يتفاوضون على حل وسط فيما يخص مطلبهم الأساسي بالحكومة المدنية، ويوافقون على اتفاق مع المجلس الانتقالي وزعيمه القوي حميدتي. إنهم هم نفس الجنرالات الذين أمروا قبل أسابيع معدودة بالفض العنيف لاعتصام هائل أمام مقر القوات المسلحة السودانية، في 3 يونيو/حزيران، والذي كان قبل ذلك وعلى مدار شهور كعبة تحج إليها المطالب والمظالم المختلفة، وساحة شهدت على إبداع محتجّي الحضر وتضامن المواطنين، والقتل الغاشم لأكثر من مئة متظاهر. للتصدي لمظالم وشكاوى المتظاهرين، اشتملت الصفقة على إنشاء لجنة للتحقيق مع إمكانية طلبها لدعم أفريقي إقليمي، لكن دون النصّ على تدابير ملموسة للمحاسبة.

إن وثيقة 17 يوليو/تموز المعنونة "الاتفاق السياسي لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم في الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير" قد أخفقت في تسوية قضايا مركزية، ومن بعض الأوجه من الأسهل تسليط الضوء على ما تفتقر إليه الوثيقة مقارنة بتسليط الضوء على ما تضمه، لكن تعريف الوثيقة بالمحذوف منها قد يعني وبسهولة السقوط في فخ إطلاق الأحكام القيمية عليها، بينما من المبكر للغاية إصدار حُكم نهائي حول الاتفاق. إلى جانب الإعلانات الرنانة حول النوايا الحسنة وروح التعاون والالتزام بالحوار، تنص الصفقة أيضاً على ثلاثة هياكل رئيسية للحكم: مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي. إضافة إلى المذكور، فهي تنص على المشكلات والواجبات التي يتعين على السلطات الانتقالية التعاطي معها.

فمجلس السيادة – وهو إعادة تشكيل لمؤسسة الرئاسة النافذة خالية من البشير – يتكون من 11 عضواً، بينهم 5 من الجيش يختارهم المجلس العسكري، و5 مدنيين من قوى إعلان الحرية والتغيير، إضافة إلى عضو مدني يتفق عليه الطرفان. وتكون رئاسة هذا المجلس في يد الجيش خلال الأشهر الـ 21 الأولى من بعد توقيع الاتفاق، في حين يتولى عضو مدني منصب رئيس المجلس فيما تبقى من شهور المرحلة الانتقالية (18 شهراً). ترشح قوى إعلان الحرية والتغيير رئيساً للوزراء و20 وزيراً بحد أقصى، باستثناء وزيرا الدفاع والداخلية اللذين يعينهما الأعضاء العسكريين بمجلس السيادة. إلا أن مجلس السيادة يحتفظ بسلطة التصديق على مرشحيّ قوى إعلان الحرية والتغيير.

معادلة تقاسم السلطة هذه تلخص محتوى الصفقة، وهي عبارة عن جُزر منعزلة من الفهم وسط بحر من المجهول. الهيكل العظمي الأساسي للاتفاق موجود منذ أواخر يونيو/حزيران، وهو مماثل إلى حد بعيد للمقترح المقدم من كبار رجال الأعمال السودانيين الذي قدموا من الباب الخلفي للوساطة، في أعقاب مذبحة 3 يونيو/حزيران. تبقى سلطات وامتيازات مجلس السيادة مبهمة وغير مستقرة، وكذلك سلطات وصلاحيات الوزارة وإجراءات صناعة القرار بالوزارة والمجلس وفيما بين الجهتين. كما أن تكوين المجلس التشريعي ومهامه – الذي أعلن رئيس المجلس العسكري أنه لن ينشغل بالتشريع إذ أنه هيئة غير منتخبة – يبقى نقطة خلافية كبيرة. ولقد عبّر الاتفاق عن طلب قوى إعلان الحرية والتغيير بنصيب الثلثين من المجلس وعبر عن عدم قبول المجلس العسكري لذلك المطلب.

إن المجهول في صفقة كورنثيا – أي لحم الاتفاق لا عظمه – قد تم تسليمه إلى منطق "تاجيليتي" العتيد... تم ركله إلى الأمام، على أن يتم التفاوض عليه في "الإعلان الدستوري" الذي سيصدر فيما بعد. أعلن الطرفان في البداية عن يوم الجمعة الموافق 19 يوليو/تموز موعدهما النهائي للصيغة النهائية للاتفاق. إن على قوى إعلان الحرية والتغيير – التي زلزلت جراء الانقسامات حول الوثيقة التي وقعتها للتو – واجبات وفروض كبيرة عليها الاهتمام بها خلال هذه الفترة الأبدية الوجيزة للغاية في الوقت نفسه من الوقت السياسي. فالحزب الشيوعي وشركائه في قوى الوفاق الوطني قد أعلنوا رفضهم للصفقة قبل توقيعها، ومنذئذ أطلقوا سلسلة من الاتهامات اللاذعة ضد حليفتهم قوى إعلان الحرية والتغيير. والجبهة الثورية السودانية – وهي مظلة تضم حركات مسلحة دخلت في محادثات مع ممثلي قوى الحرية والتغيير في أديس أبابا بالتزامن مع محادثات كورنثيا – تبدو محبطة للغاية وتتهم قوى الحرية والتغيير بإعادة تشغيل أسطوانة الخرطوم العتيدة بإقصاء الهامش في السودان لحظة ظهور المكاسب السياسية وتماثلها للحصاد. أظنني رأيت دمعة أو دمعتين في مؤتمرهم الصحفي في أديس أبابا الذي انعقد معزولاً وحيداً.

والأهم بكثير هو الشقاق والإحباط في "لجان المقاومة الشعبية" الخاصة بالأحياء، وهي المعادلة الجديدة والناجحة بقوة التي ابتكرها المتظاهرون السودانيون، المستمرون في مواجهة غضب المؤسسة الأمنية القاتل. في حين دارت المحادثات في فندق كورنثيا، راح المتظاهرون في السوكي والضعين ومناطق أخرى يراوغون الرصاص، ولم تكلل جهودهم تلك بالنجاح في كل الحالات. أعلنت بعض اللجان أن عملية كورنثيا ضربة من الثورة المضادة، وأكدوا التزامهم باستمرار النضال لتحقيق "المدنية" الحقيقية. وقال آخرون بأنها خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، وهي كلمات منقولة عن حميدتي. وقال أكثر المتشككين رفضاً للعملية إنه رأى البشير يلوح بعصاه الشهير في وجه حشد قوى إعلان الحرية والتغيير التي تجمعت في 18 يوليو/تموز احتفالاً بصفقة كورنثيا في الساحة الخضراء بالخرطوم، التي تم تغيير اسمها – عن استحقاق – إلى "ساحة الحرية".

وفي النهاية، سوف يخبرنا الزمن إن كانت صفقة كورنثيا حقاً خطوة في الاتجاه الصحيح أم مجرد فصل آخر من فصول لعبة "تاجيليتي" السودانية العتيدة.