إنقاذ لبنان: آراء الخبراء حول مخرج من الأزمة

يواجه لبنان أزمة غير مسبوقة تجمع بين الانهيار المالي والاقتصادي، وانعدام الثقة السياسية، والجمود المؤسسي، والأزمة الصحية، والتدهور البيئي، على سبيل المثال لا الحصر.  لمواجهة هذه التحديات، ينبغي على الحكومة اللبنانية أن تنفذ خطة إصلاح تعالج المجالات الرئيسية ذات الأولوية لاستعادة الثقة وإنقاذ البلاد. طلبنا من خبراء إبداء آرائهم حول الإصلاحات التي يعتبرونها أساسية في كل مجال.

arab-reform-initiative-salvaging-lebanon-expert-opinions-on-a-way-out-of-the-crisis

*تنشر مبادرة الاصلاح العربي تباعاً مساهمات لأهل الاختصاص في مجالات معينة تقدم كتوصيات في مواجهة الأزمة التي يعيشها لبنان. 

يواجه لبنان أزمة غير مسبوقة تجمع بين الانهيار المالي والاقتصادي الحاد، وانعدام الثقة السياسية، والجمود المؤسسي، والأزمة الصحية، والتدهور البيئي، على سبيل المثال لا الحصر.

وفي مواجهة هذه التحديات، ينبغي على الحكومة اللبنانية أن تنفذ خطة إصلاح تعالج المجالات الرئيسية ذات الأولوية لاستعادة الثقة وإنقاذ الاقتصاد.

طلبت مبادرة الإصلاح العربية من خبراء في المجالات التي تعتبر رئيسية، ذات أولوية بالنسبة للحكومة. في حين أن هذه الآراء لا تعكس موقف المبادرة، إلا أنها تفتح باب نقاش قد يمهد الطريق لعملية إصلاح شاملة لإخراج البلاد من الأزمة.


ما الذي يمكن عمله لدعم النظام التعليمي اللبناني خلال جائحة كورونا؟

مهى شعيب - مديرة مركز الدراسات اللبنانية

كشفت جائحة كوفيد-19 بدرجة كبيرة عن ضعف الهياكل التعليمية الأساسية في لبنان. ومثلما أوضحت دراسة حديثة
(مي أبو مغلي ومهى شعيب، 2020) أجراها مركز الدراسات اللبنانية، فقد فاقمت الأزمة من تدهور فرص حصول الأطفال الأشد ضعفاً على التعليم وزادت من تردي جودته، خاصة بالنسبة للأطفال اللاجئين السوريين والأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. يثير فشل النظام التعليمي اللبناني في دعم طلابه القلق، خصوصاً مع تلقيه مساعدات وقروض تقدر بمئات الملايين من الدولارات لتعزيز النظام نفسه وكذلك الوسائل التكنولوجية التعليمية. ورغم إخفاق القطاع الحكومي في استيعاب أكثر طلابه ضعفاً وتقديم الخدمات التعليمية لهم، حاولت المدارس الخاصة مواكبة طرق التعلُّم عن بعد مع تبرير الرسوم الدراسية التي تفرضها في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي تشهدها البلاد. لكن لا يزال السؤال القائم هنا هو: ما الذي يمكن عمله لدعم النظام التعليمي اللبناني؟ مع الأخذ في الاعتبار أن أيّ حل مطروح ينبغي أن يشمل القطاعين الخاص والحكومي.

نقدم فيما يلي بعض التوصيات:

  • التركيز على التكنولوجيا البسيطة: ينبغي أن تأخذ الحلول التي تهدف إلى دعم المدرسين والطلاب في الاعتبار أن التكنولوجيا البسيطة لا تزال أفضل وسيلة للتدريس والتعليم عن بعد، خاصةً في ظل شح الموارد (انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة وعدم توافر إنترنت يعتمد عليه وبتكلفة معقولة أو الهواتف والحواسيب المحمولة) إضافة إلى جاهزية الطلاب والمدرسين وإلمامهم بكيفية استخدام التكنولوجيا.
  • الوقت والمحتوى: ينبغي إدارة مدة وجودة التدريس عبر الإنترنت بدقة وذلك لتجنب إثقال كاهل الطلاب والتأثير سلباً على تعليمهم بساعات طويلة من التلقين والاستظهار عبر الإنترنت.
  • من النهج التعليمي الإِرشاديّ إلى النهج الاستدلاليّ: لا ينبغي للتعلُّم عبر الإنترنت أن يختزل طُرق التعليم والتدريس في عملية التعليم المفرطة التي يكون فيها النهج التلقيني ونقل المعرفة الصرفة هما (البيداغوجيا) أو طريقة التدريس السائدة. يمكن أيضاً اللجوء إلى طرق التدريس البناءة والتفاعلية والحيوية في التعلُّم عبر الإنترنت.
  • ضرورة إشراك الطالب: ينبغي السعي إلى إشراك الطلاب والاستماع إلى تعليقاتهم في أيّة أنشطة تتضمنها عملية التعلُّم عن بعد، وإلا ستكون مستويات تعلُّم ومشاركة الطلاب متدنية للغاية.
  • تطوير منصة تفاعلية وجذابة على الإنترنت: يُعد تطوير منصة إلكترونية توفر مصادر جذابة وملائمة للأطفال أمراً ملحاً ينبغي السعي لتحقيقه.
  • يمكن أن تخفف الشراكات بين وزارة التربية والتعليم العالي (MEHE) والقطاع الخاص والأونروا والمؤسسات غير الحكومية (التي طورت بالفعل منصات عديدة للمدرسين والطلاب) العبء عن وزارة التربية والتعليم والعالي من أجل إيجاد حلول عاجلة.
  • يُعد التطوير المهني للمعلمين والقيادة المدرسية والفرق الإدارية فيما يتعلق بآليات التعلم عن بعد والتعلم عبر الإنترنت أمراً ضرورياً لتحسين جودة التدريس والتعليم.
  • تعويض المعلمين: لا بد من حماية وظائف المعلمين ولا بد أيضاً تعويض المعلمين عن ساعات العمل الإضافية أو التكاليف المترتبة على التدريس عن بُعد التي قد يتكبدونها.
  • غالباً ما يتعرض الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصةً الذين يعانون من صعوبات في التعلم والمصابين بإعاقات الذهنية، للتهميش في نظم التعلُّم عن بعد. ويُعد إيجاد حلول بديلة لا تعتمد فقط على التكنولوجيا عالية التقنية أو الاتصال بالإنترنت أو الكهرباء مع ارتفاع تكلفة المعدات أمراً ضرورياً للغاية.

ينبغي مراعاة الصحة العقلية لجميع الأطراف المعنية المشاركة في عملية التعلُّم عن بعد بما في ذلك المدرسين والطلاب والآباء والإدارة.


الرعاية الصحية في لبنان عام 2020: الإخفاقات المنهجية وغياب القيادة

الدكتور جوزيف الخوري - طبيب وزميل الكلية الملكية للأطباء النفسيين

لم تكفِ سنة واحدة سادت فيه حالة من الاضطراب السياسي الحاد ووقعت فيها كارثة ذات أبعاد مروعة دمرت تقريباً العاصمة بالكامل لإقناع النخبة السياسية والمالية بتغيير طريقة إدارتهم لشؤون البلاد. فقد ساهم ضيق الأفق وعدم الأهلية والفساد والمحسوبية في تقويض عملية تقديم الخدمات الأساسية. تُعد الرعاية الصحية شأناً سياسياً معقداً. إذ إن الطرق التي يتم من خلالها تمويل هذا القطاع وتفويض المهام به ومن ثم تقديم الخدمة ذاتها؛ لها عواقب اجتماعية بعيدة المدى.  ما زال نظام الرعاية الصحية اللبناني بالياً ومربكاً لِمقدم الخدمة ومتلقيها، إذ يعتمد على مصادر تمويل متعددة تثقل كاهلها البيروقراطية والافتقار إلى الرؤية. وقد وقع في الفخ المعتاد المتمثل في إسناد نسبة لا بأس بها من عملياته للقطاع غير الحكومي سواء في فروعه المحلية أو الدولية. وبالفعل، غالباً ما تكون وزارة الصحة العامة وسيطاً بين وكالات التمويل الأجنبي والمؤسسات المحلية المُكلفة بمهمة توصيل الخدمات عبر شبكات الرعاية الصحية الأولية أو المستشفيات الحكومية.

لا تُشكل الانتماءات السياسية والدينية الواضحة عائقاً أمام التعاقَد على تقديم الخدمات المجتمعية. بل في الواقع يتجلى توازن القوى الطائفية داخل أجهزة الدولة في توزيع العقود. فقد كانت الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ عام 2011، فضلاً عن أزمة اللاجئين التي لا تزال مستمرة حتى الآن، سبباً في جلب الشبكة التقليدية من وكالات الإغاثة، وعملياتها الحديثة، وجهودها الرامية إلى تحسين البيئة الصحية الهشة لخدمة المجتمعات المضيفة اللبنانية واللاجئين. وكان الأمل معقوداً في أن تُحقق هذه الشراكة مع الدولة اللبنانية تأثيراً مستداماً على عملياتها. ولكن من المؤسف أنه بعد مرور تسعة أعوام، لا توجد دلائل ملموسة على حدوث قفزة نوعية نحو الأمام في مجال الرعاية الصحية العامة في لبنان.

لعل تغيير الكيفية التي يتلقى بها اللبنانيون الرعاية الصحية، ورأيهم فيها، لا يتطلب بالضرورة إحداث ثورة. فبعيداً عن الإجراءات الرامية إلى تحقيق الإصلاح الشامل، ستتمثل الخطوة الأولى في التدقيق والمراجعة المستقلة الكاملة لنفقات قطاع الصحة العامة على مر السنين والتأثير الذي خلفته على المجتمع. قد يؤدي تبسيط وأتمتة الإعانات والمساعدات المُقدمة عبر قطاع الصحة العامة إلى كبح الفساد. وينبغي جمع البيانات الوبائية على الصعيد الوطني بشكل منتظم بالشراكة مع مجموعة واسعة من الجهات المحلية ذات الخبرة الأكاديمية المتاحة والتي تبدي استعدادها وحماسها للمساهمة في تلك العملية. وستساهم المشاركة الإيجابية من جانب مختلف الفئات المهنية وغيرها من الجهات المعنية في "مجلس وطني للصحة" في تحقيق المساءلة والارتقاء بهذا التعاون لأفضل مستوى. ولابد من إعطاء الأولوية للفئات السكانية الضعيفة، بدءاً بأولئك المحرومين من الحصول على أيّ مستوى من الرعاية الصحية الخاصة. وينبغي وضع مبادرات تجريبية رائدة في مجال الصحة العامة المجتمعية على المستويات المحلية الصغيرة، من خلال عمليات التوأمة مع المراكز المتميزة المحلية والعالمية. وينبغي تقييم آليات تنفيذ تلك المبادرات المحلية وتحليلها بغية الارتقاء بها إلى المستوى الوطني وإعادة تكرارها. ولابد من تخصيص ميزانيات محددة الغرض لخدمات الصحة العقلية والنفسية، والصحة المجتمعية، والرعاية الوقائية، وخدمات إعادة التأهيل وكل ما يتعلق بها من جوانب مختلفة.

ولإجراء مثل هذه الإصلاحات التنظيمية والتشريعية والتشغيلية، لا بد من وجود الإرادة السياسية لمواجهة شبكات المصالح الراسخة التي تتجاوز التخصصات المهنية، والمجموعات التجارية، والنفوذ السياسي، والاحتكارات الدينية. علاوةً على بذل جهداً جماعياً مدعوماً بتفويض شعبي. أما الأمل المعقود في ظهور ملاك حارس يرتدي معطفاً أبيض يتولى رئاسة الوزارة ويعمل على تحويل مجريات الأمور إلى الأفضل، فما هو إلا خطأ فادح في فهم وتقدير الأمور.


المهمة الأولى للحكومة: استعادة الثقة

جميل معوض - زميل رئيسي (بيروت) في مبادرة الإصلاح العربي

على مدى العقود القليلة الماضية، أصبح انتهاك الدستور والقوانين واللوائح العامة من عادة الحكومة اللبنانية. ففي لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، وبالتحديد ما بعد عام 2008، كانت ما يسمى "حكومات الوحدة الوطنية" سبباً في عرقلة أداء الدولة لمهامها على النحو السليم. والواقع أن جميع القرارات كانت تُتخذ دوماً خارج مؤسسات الدولة من قِبَل شرذمة قليلة من النخبة. وتحولت الحكومة والبرلمان إلى مؤسسات مهمتها هي المصادقة على هذه القرارات والتصويت عليها، بدلاً منها طرحها للمداولة أو مناقشتها. وبناءً على ذلك، لم توضع جميع القرارات في صيغتها النهائية إلا عندما يتم التوصل إلى اتفاقات بالإجماع، والتي كثيراً ما تتأثر بالاعتبارات الطائفية أو المساومات السياسية (المحاصصة). ونتيجة لذلك، ثمة شعور سائد بانعدام الثقة في مؤسسات الدولة، ولم يعد المواطنون اللبنانيون ينظرون إلى الحكومة باعتبارها مصدراً للعدالة، وأنها تسعى إلى صياغة السياسات وتقييمها لكي تخدم مصالح لبنان.

ومن أجل استعادة الثقة، ينبغي على أيّة حكومة إعادة سلطة صناعة القرار إلى أطرها المؤسسية الصحيحة على النحو الذي ينص عليه الدستور وبعيداً عن المحافل غير الرسمية وغير المنتخبة، مع ضرورة احترام وإعلاء الممارسات المؤسسية بدءاً من الحصول على ثقة البرلمان التي تستند إلى بيان سياسة عامة واضح وقابل للتطبيق، وصولاً إلى الالتزام بقواعد المساءلة البرلمانية. ولا بد أن تمتلك الحكومة الرؤية التي بناءً عليها ستدير شؤون البلاد، والأهم من ذلك، التي تحترم الدستور. فوفقاً للدستور، ينبغي اتخاذ القرارات داخل الحكومة بالإجماع. وإذا تعذر تحقيق ذلك، فينبغي أن تتخذ الحكومة قراراتها من خلال تصويت أغلبية الوزراء الحاضرين. وعليه فإن جميع الوزراء متساوون بصرف النظر عن حقائبهم الوزارية.

ولهذا فإن احترام وإعلاء الممارسات المؤسسية وجعل الدستور وباقي القوانين والتشريعات في صدارة نظام الحكم سوف يمنح الحكومة ثقة اللبنانيين الذي يتوقون إلى الدولة بوصفها مصدراً للعدالة.

 


نحو ممارسات أفضل لإعمار بيروت: كيف نتجنّب شِراك الماضي

إسماعيل الشيخ حسن - ناشط ومتخصّص في التنظيم الحضري

كثيراً ما استفادت النخب السياسيّة، المتنافسة على التمويل الدوليّ المقدَّم عبر قنوات الإغاثة الإنسانيّة، من عمليّات إعادة إعمار لبنان المتعاقبة بعد الحرب. في المقابل، تستغلّ الأطرافُ الفاعلة الدوليّة هذا الأمرَ لدعم عملائهم السياسيّين المحلّيّين. وبناءً عليه، فإنّ النظام يجدِّد ويعيد تشكيل ذاته على حساب الأصوات اللبنانيّة المطالبة بالتغيير، بينما يظلّ محصَّناً في مواجهة أيّ شكل من أشكال المساءلة.

يجب على الحكومة الخروج عن هذا التقليد، وذلك من خلال الحرص على عدم استخدام أموال إعادة الإعمار -عقب انفجار بيروت- كخطّة إنقاذ اقتصاديّ للنخب الحاكمة التي ساهمت في ذلك الانهيار الاقتصاديّ والماليّ الحاليّ.

ويجب على السياسات الحكوميّة التأكّد من أنّ التمويل الدوليّ لإعادة الإعمار ليس مرتبطاً بخصخصة الأملاك العامّة، لا سِيَّما أنّ حِزَم الإنقاذ الدوليّ السابقة كانت في الغالب تشترط الخصخصة (بذريعة تنفيذ الإصلاحات).

وعلى الحكومة أيضاً حماية حقوق السكن للفئات الضعيفة (من قبيل منع عمليّات الإخلاء في مثل هذه الأوقات العصيبة) واتّباع أساليب شفّافة لتقييم الضرر ودفع التعويضات، وفي الوقت نفسه صرف مساعدة ماليّة عاجلة خاصّة للعائلات التي تعاني من ظروف اقتصاديّة قاسية. قد تشتمل هذه المساعدات توفير سكن بديل مؤقّت للعائلات المشرَّدة أو صرف إعانات الإيجار، إضافةً إلى تقديم المساعدات الاقتصاديّة الطارئة لتسهيل عمليّات الترميم الأساسيّة للمنازل المتضرّرة بصورة طفيفة.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي لاستراتيجيّات إعادة الإعمار أنْ تتبنّى رؤيةً جديد أشمل لبيروت، تكون قادرة على معالجة النتائج السلبية الناتجةعن السياسات الحضريّة الإشكاليّة التي نُفّذت في المدينة خلال العقود الماضية. لذلك، لا بدَّ أنْ تحمي تلك الرؤية الأحياءَ والمباني ذات الأهمّيّة الثقافيّة أو التاريخيّة، وأن توفّر أشكالاً بديلة للتنقّل، وأنْ تقوم بزيادة الرقعة الخضراء والمساحات العامّة، وأنْ تحمي حقوقَ السكن لا سِيَّما لدى الفئات المهمَّشة والضعيفة وغير ذلك من الأمور المهمّة.

يجب نظريّاً أنْ يتمّ إعداد هذه الرؤى الحضريّة واستراتيجيّات إعادة الإعمار تلك بالتعاون مع جميع المبادرات والنشطاء المتخصّصين والحملات المختلفة التي مارست ضغوطاً خلال العقود الماضية من أجل تبنّي سياسات حضريّة تقدّميّة واستراتيجيّات تشاركية في إعادة الإعمار. لكن تلك الجماعات الناشطة سترفض -لأسبابٍ مفهومة- التعاونَ مع الحكومة كي لا تمنحها الشرعيّة، في أوقات التحوّل السياسيّ، إلّا في حال كانت الحكومة مستعدّة لمحاكمة المسؤولين عن الانهيار الماليّ وعن انفجار بيروت أيضاً. لهذا السبب لا بدّ أنْ ترتكز عمليّة إعادة الإعمار هذه المرّة على المساءلة، وذلك إذا أرادت تفادي مآزق وشِراك الماضي.


إصلاحات قطاع الطاقة

جيسيكا عبيد - مستشارة مستقلّة في مجال سياسات الطاقة

ليس هناك اقتصاد مزدهر دون قطاع طاقة يعمل بكفاءة، يرتكز على تخطيط مستدام وبأدنى تكلفة. لم يكن قطاع الطاقة اللبنانيّ من أبرز المساهمين في الدين العامّ وحسب، ولكنّه كان أيضاً مصدرَ ضرر لقطاع الأعمال ومن ثمّ للاقتصاد اللبنانيّ ككلّ. فقد أدّى الاعتماد الكبير على مولّدات الديزل الباهظة إلى خفض تنافسيّة قطاع الأعمال اللبنانيّ على المستويَين الإقليميّ والدوليّ.

من أجل بناء اقتصاد أفضل، يجب إقامة مؤسّسات ذات صلاحيّات واضحة لتعزيز المساءلة وتأمين مصدر مستمرّ لإمدادات الطاقة بتكلفة مثاليّة. غاب التحليل الماليّ والتخطيط الأقلّ تكلفةً عن سياسات قطاع الطاقة في الماضي. ومن هذا المنطلق، لا يمكن إقامة قاعدة راسخة لقطاع الطاقة في غياب خطّة ماليّة وطنيّة شاملة. في الوقت الحاضر، لا يمكن للدولة ولا المواطنين دفع فواتير قطاع الكهرباء أو المشاريع القادمة. لذلك، يجب أنْ يكون إشراك القطاع الخاصّ وتحسين المناخ الاستثماريّ هو المحور الأساسيّ لصنّاع السياسات؛ وجزءٌ من ذلك هو تبنّي لوائح متناسبة وإطار معياريّ لشفافيّة التوريدات/المشتريات. وبالتالي ستصبح إزالة جميع أشكال الاحتكار ضرورةً لخفض التكاليف. يجب أيضاً، وعلى الفور، إصدار قانون توزيع الطاقة المتجدّدة وتشجيع نماذج الطاقة الجديدة، ومنها مولّدات تهجين الديزل والسولار.


تغيير البرلمان مدخل للإصلاح

يارا نصار – خبيرة في القانون الانتخابي

إن شرعية البرلمان الحالي وتمثيله للبنانيين واللبنانيات كافة لطالما كانت مشكوك فيها بعد انتخابات أيار/مايو 2018 لأسباب عدة أبرزها:

  • عدم ديمقراطية القانون الانتخابي 44/2017 الذي لم يساو بين المواطنين والمواطنات، الناخبين منهم والمرشحين، ولم يحترم المعايير الدولية لديمقراطية الانتخابات؛
  • تقويض حرية العديد من الناخبين والناخبات عبر ارساء العلاقة الزبائنية مع الاطراف الموجودة في الحكم وتهميش الدولة ومؤسساتها كمصدر أول للحصول على الخدمات؛
  • التدخلات الخارجية في الحياة السياسية اللبنانية لدعم أطراف على حساب أطراف أخرى سواء ماديا او معنويا؛
  • عدم حياد إدارة الانتخابات؛
  • الممارسات التي رافقت الحملات الانتخابية للمرشحين من محاولات رشاوى وضغط على الناخبين؛
  • سوء استغلال السلطة وموارد الدولة لمن هم في الحكم لغايات انتخابية.

وقد تراكم عدم رضى اللبنانيين عن أداء من هم في الحكم ليعلن العديد منهم سقوط الشرعية الشعبية للبرلمان وأركان السلطة منذ حراك تشرين الأول/أكتوبر 2017.

إن أبرز المطالب التي حملها حراك تشرين تمحورت بمعظمها حول البرلمان (قانون استقلالية القضاء وقانون استعادة الأموال المنهوبة وقوانين مكافحة الفساد...). من هنا ارتبط مطلب اجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق قانون انتخابي جديد بامكانية إحداث أي خرق جدي على مستوى تصحيح أداء السلطة وإعادة تشكيلها.

إن إجراء انتخابات نيابية وفق القانون الحالي حتى لو أحدث تغييراً معيناً على مستوى التمثيل إلا أنه سيبقى غير ديمقراطي لأن القانون نفسه الذي يرعاه غير ديمقراطي واقصائي. لذا فان أي انتخابات ستجرى من دون تعديلات ستبقى ناقصة لجهة صحة التمثيل اللبنانيين مهما تغيرت نتائجها، ومن أبرز تلك التعديلات نذكر:

  • تأمين استقلالية وحياد إدارة الانتخابات، اذ لا يمكن أن يكون من يدير الانتخابات طرفا فيها مثل وزارة الداخلية أو أركان الحكومة مهمن كانوا.
  • اشراك المواطنين كافة في العملية الانتخابية من الشباب (بين 18 و21) إلى ذوي الإعاقة، إلى العسكر، إلى المواطنين الموجودين خارج الأراضي اللبنانية، الخ؛
  • تأمين سرية حقيقة للاقتراع للحد من تأثير الترهيب والترغيب على خيارات الناخبين؛
  • تأمين المساواة بين المرشحين أمام الإعلام وفي الصرف الانتخابي؛
  • تصحيح صحة التمثيل عبر تعديل النظام الانتخابي الحالي الذي تشوبه العديد من الاشكاليات الجوهرية.

وتبقى الآلية التي سيتم عبرها إقرار هذا القانون أهم من القانون نفسه. فعلى أي حكومة مقبلة أن تبدأ بآلية تشاركية لمناقشة سريعة وفعالة لقانون انتخابات يمثل الناس بدل مصالح القوى الحاكمة، وهذا يتم عبر تشكيل هيئة مستقلة تقوم بالمشاورات الواسعة لوضع اقتراح قانون انتخابات جديد وتبدأ بالتحضير لعملية انتخابية وجب اجراؤها اليوم قبل الغد.


إصلاح القضاء

علي مراد، أستاذ مساعد في القانون العام في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة بيروت العربية – لبنان.

شكلت لحظة 17 تشرين الأول/أكتوبر مفصلا رئيسيا في الحياة السياسية في لبنان، فإنها بالمعنى ذاته حملت تحولات كبيرة في الحياة الاجتماعية اللبنانية. فعلى وقع الانهيار الاقتصادي والنقدي الأسوأ على الاطلاق، جاءت ثورة 17 تشرين كي تغير المعادلة السياسية إذ لم يعد الصراع الاجتماعي ومكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسسات مسألة تكميلية ثانوية كما كان عليه الحال سابقا، بل باتت هذه القضايا اليوم حجر الزاوية ونقطة الارتكاز الأساسية للفعل السياسي في لبنان.

وقد احتلت قضية استقلال القضاء ونزاهته موقعا متقدما في خطاب الافراد والمجموعات الناشطة في 17 تشرين، وقد ساعد في ذلك انخراط عدد كبير من المحامين/ات في الحركة الاحتجاجية وفي حملة الدفاع عن الموقوفين/ات. كما ساعد انحياز نادي القضاة في لبنان من اليوم الأول للاحتجاجات ومن بعدها انتخابات نقابة المحامين في بيروت في تحويل هذه المسألة إلى قضية تعني جميع المواطنين والمواطنات ولا تقتصر فقط على الجسم الحقوقي.

وبالنظر إلى واقع القضاء في لبنان وتحوله لأداة بيد السلطة أو بالحد الأدنى فشله في فرض احترام دولة الحق والقانون، تظهر الحاجة اليوم إلى إقرار بحيث لا يخلو أي برنامج لأي مجموعة سياسية من المطالبة بإقرار التشريعات الضامنة لاستقلال القضاء. فالفقرة (هـ) من مقدمة الدستور تنص على أن النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وتشدد المادة 7 على مساواة اللبنانيين أمام القانون، وتحفظ المادة 20 من الدستور للقضاء والمتقاضين الضمانات اللازمة.

المجلس الدستوري

رغم مرور أكثر من ربع قرن على إنشاء المجلس الدستوري في لبنان كسلطة دستورية ذات صفة قضائية، إلا أن التجربة أظهرت عدم فعاليته في التصدي لمهمة ضمان احترام أحكام الدستور بسبب تدخل السلطة السياسية والثغرات القانونية التي اعترت تنظيمه. لذلك، تظهر الحاجة الملحة لتعديل قانون المجلس الدستوري بهدف ضمان استقلاليته عن السلطة السياسية وزيادة فعاليته. ومن أبرز هذه التعديلات:

  • تعديل آليات عمل المجلس عبر خفض نصاب انعقاد الجلسات (ثمانية من أصل عشرة حاليا) وخفض أكثرية المطلوبة لاتخاذ القرارات (سبعة من عشرة حاليا)، اذ إبقاء الوضع على حاله يزيد من قدرة السلطة السياسية على الضغط على أعضاء المجلس.
  • إقرار آلية تسمح للمواطنين والمواطنات بالوصول إلى العدالة الدستورية بالتقدم بالطعن أمام المجلس الدستوري وذلك عبر الدفع الفرعي لعدم الدستورية.
  • إقرار مبدأ الرقابة الحكمية للمجلس الدستوري على القوانين المتعلقة بالمواضيع الأساسية (قانون الانتخاب، إعادة النظر في التقسيم الإداري، الموازنة، قوانين الأحوال الشخصية...)
  • إعطاء المجلس الدستوري الصلاحية الأصلية والحصرية في تفسير الدستور.

القضاء الإداري

  • الإسراع في إنشاء المحاكم الإدارية الابتدائية التي أقر القانون 27/2000 بإنشائها على مستوى المحافظات. وعلى الرغم من مرور أكثر من عشرين عاما، لم تدخل حيّز التنفيذ، ما يشكل مخالفة لنص قانوني صريح وانتهاك لحق التقاضي على درجتين.
  • تنظيم مباريات سنوية للدخول إلى معهد الدروس القضائية من أجل ملء الشواغر تدريجيا.
  • تطوير نظام قضاء العجلة أمام مجلس شورى الدولة لا سيما في قضايا وقف التنفيذ وقضايا الحريات وفي الصفقات العمومية.
  • ضمان الشفافية الداخلية والخارجية للمجلس الأعلى للقضاء الإداري وضمان نشر الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري ضمن مهل قصيرة بعد صدورها

القضاء العدلي:

يحتاج النظام القضائي وعمله إلى التعديل، وفي مقدمته قانون القضاء العدلي؛ ويجب تعديله على نحو يكفل الاستقلال الفعلي للنظام القضائي كمؤسسة وللقضاة بوصفهم الوسيلة لتحقيق هذه الاستقلالية. لهذه الغاية، نقترح التعديلات التالية:

  • إعادة النظر في هيكلية وطريقة اختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى على نحو يضم من بين أعضائه قضاة يمثلون جميع أنواع المحاكم ودرجاتها، على أن يتم اختيارهم عبر الانتخاب وليس عبر التعيين كما يجري حاليا (حاليا ثمانية من أصل عشرة أعضاء هم أعضاء حكميين أو معيّنين)

- انتخاب رئيس مجلس القضاء الأعلى من بين أعضاء المجلس

- منح مجلس القضاء الأعلى ميزانية مستقلة تغطي جميع النفقات والمصاريف المتعلقة بالجهاز القضائي.

- وضع واعتماد معايير موضوعية وشفافة في مسائل تسمية ونقل وترقية القضاة، ترتكز على مبادئ الكفاءة والأهلية والتخصص والخبرة فقط لا غير بمعزل عن جميع الاعتبارات السياسية أو الطائفية.

- تكريس حق القضاة اللبنانيين في التعبير عن الرأي وتكوين الجمعيات والاجتماع.

المحاكم الاستثنائية

  • إلغاء المجلس العدلي وتحويل صلاحياته إلى المحاكم العادية.
  • إلغاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وتحويل صلاحياته إلى المحاكم العادية
  • إلغاء صلاحية المحاكم العسكرية في محاكمة المدنيين وتحويل صلاحياتها إلى المحاكم العادية
  • وضع المحاكم العسكرية تحت رقابة مجلس القضاء الأعلى وإشرافه، الذي يتولى تعيين القضاة أو يوافق عليهم.

نحو لبنان خالٍ من فيروس كورونا: دعوة للعمل

جويل م. أبي راشد، نهلة عيسى، جاد خليفة، باسكال سلامة، آية قرة علي، ميشيل قصرملي أسمر

يقع على عاتق الحكومة اللبنانية مسؤولية حماية صحة جميع مواطنيها والمقيمين على أراضيها. وكان للتدخلات المبكرة والحاسمة التي نُفذت في الربيع أعظم الأثر في التصدي لجائحة كورونا، مما مكَّن لبنان من تفادي ما كان ليسفر عن ارتفاع هائل في حالات الإصابة. وقد شملت هذه الإجراءات متابعة دقيقة لمخالطي المرضى، وإغلاق الحدود، وفرض إغلاق جزئي في أنحاء البلاد، وعزل مركزي لحالات الإصابة في المستشفيات (في بادئ الأمر).

بيد أن الحكومة فشلت في مواصلة تنفيذ الإجراءات الضرورية للحفاظ على هذا النجاح المبكر على المدى الطويل. ولم تعتمد سياسات لمساعدة السكان الفقراء والأعمال التجارية الصغيرة في مواجهة أزمة اجتماعية ,اقتصادية لم يسبق لها مثيل، الأمر الذي أدى في النهاية إلى اندلاع معارضة محلية لتدابير الإغلاق الصارمة. والأهم من ذلك كله أن الحكومة فشلت في وضع استراتيجية طويلة الأجل لمكافحة الوباء على الرغم من الدعوات المتكررة والاعتقاد السائد على نطاق واسع أن فيروس كورونا المستجد سوف يظل يشكل تهديداً لما بعد عام 2020. فقد وقعت معظم حالات الإصابة والوفيات خلال الأسابيع الأربعة الماضية (انظر الأشكال أدناه)، في ظل غياب التدخلات الواضحة والتواصل المستمر مع الجمهور.

نمثل في اللجنة اللبنانية المستقلة للقضاء على كورونا (كوفيد-19) (zerocovidlb.com) مجموعة من المواطنين المهتمين من ذوي الخبرة المختلفة في مجال الصحة، وقد تكاتفنا معاً لدق ناقوس الخطر وتقديم سُبل للخروج من الأزمة الراهنة. وإجمالاً، وفي ضوء تطور فيروس كورونا في البلاد، فإننا نشعر بقلق بالغ إزاء عدم وجود استراتيجية وطنية واضحة وشاملة وخطة عمل سليمة للاستجابة للوضع الحرج.

نستعرض في تقريرنا الأول هذا أوجه القصور في عملية صياغة السياسات الحكومية الراهنة، ثم نسلط الضوء على عدة اتجاهات وإجراءات من أجل وضع استراتيجية وطنية أكثر اتساقاً واستدامةً. وسوف ننشر في الفترة المقبلة سلسلة أكثر تحديداً من التقارير السياسية الموجزة التي تتناول بعض القضايا العامة المطروحة في هذا التقرير. المزيد