You are here

اللاجئون الشباب في مخيم الزعتري الأردني متعطشون للمعرفة

جدل
Young refugees in Jordan’s Zaatari camp are hungry for knowledge.resized.jpg
TitleDownload
الورقة كاملةلتحميل الورقة
PDF English Versionلتحميل الورقة
في حين تشهد أوروبا تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين الذين يقومون برحلات طويلة محفوفة بالمخاطر باحثين عن آفاق جديدة، لا تزال ملايين أخرى في الدول المجاورة لسورية حبيسة الوضع المغلق أو تكابد في مخيمات اللجوء المترامية.
 
لقد حَمَلَت لجنة الشباب رسالة واضحة لوفدنا المؤلف من علماء ومسؤولين وشخصيات عامة من الولايات المتحدة وأوروبا عندما التقته في زيارته لمخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن.
 
"نحن نحتاج إلى التفاعل الفكري أكثر من الأغذية؛ نحن بحاجة للحفاظ على عقولنا حيّة. أدمغتنا تموت هنا ".
 
هؤلاء الشبان والشابات الذين تتراوح أعمارهم بين 19-29 وصفوا حياتهم في المخيم، والأعمال الصغيرة التي يقومون بها لقضاء جزءٍ من وقتهم وكسب بعض الدخل. لقد كان بعضهم في الجامعة في سوريا لمدة سنتين أو ثلاثة وأحياناً أربع سنوات قبل أن يضطروا للفرار من البلاد وقطع دراستهم.
 
نظرت إلي فتاة تبلغ التاسعة عشرة من عمرها ونطقت كلمات كذّبت ابتسامة وجهها: "أنا شخص ميت في جسمٍ الحي."
 
يتولى الكثيرون مسؤوليات توكِلها إليهم المنظمات الدولية المتواجدة داخل الزعتري: كرعاية الأطفال، وتنظيم الأنشطة الفنية أو الرياضية أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي. وجميعها نشاطات لاصفيّة حيث أنّ السلطات الأردنية لا تسمح لغير الأردنيين بالتدريس. أما أولئك الذين كانوا معلمين متمرسين في سوريا، ومعظمهم من النساء، فقد استُبعِدوا وبات بمقدورهم فقط العمل كمساعدين للمعلمين الأردنيين. إنّ الهواتف المحمولة هي أثمن مقتنياتهم، واتصالهم الوحيد بالعالم الخارجي. إذ ينتظرون يومياً ساعتي مجيء التيار الكهربائي كي يقوموا بشحنها.
 
وعدناهم أنّنا سنبحث عن فرص لهم. أجاب إسماعيل، منسق لجنة الشباب بتهذيب فائق، "لقد التقينا أكثر من 15 وفدا دولياً. جميعهم وعدا بنفس الشيء لكنهم لم يعودا أبدا ".
 
لذا فقد أصبح الوفاء بوعدنا واجباً أخلاقياً. وبعد أخذٍ ورد مع سلطات المخيم وضغطٍ من السفارة الفرنسية في عمان، سُمح لنا تنظيم سلسلة محاضرات داخل الزعتري في تموز 2015. وتحركت مجموعة الأكاديميين الذين كانوا على أهبة الاستعداد في انتظار الموافقة بسرعة لتنظيم البرنامج. عند وصولنا اليوم الأول حضر 90 شاباً وشابة. اعترض بعضهم على أنّه تمّ إعلامهم في وقت متأخر جداً عن البرنامج، وقد توسلوا أن يتمّ إدخالهم، قائلين بأنّه لم تتح لهم أبداً فرصة للمشاركة في أيّة أنشطة. وهكذا تحوّلت صالة للألعاب الرياضية الحارّة بسرعة إلى غرفة اجتماعات كبيرة لاستيعابهم جميعاً.
 
وبينما طرحنا برنامجنا: (تاريخ العلاقات الدولية، تاريخ صناعة القرار في الشرق الأوسط، صناعة القرار في الولايات المتحدة، تجارب حلّ النزاعات في العالم، مبادئ العدالة الانتقالية، الممارسات الجديدة في مجال العمل الإنساني، وما إلى ذلك) جلس المشاركون التسعون بهدوء، استمعوا بانتباه، وطرحوا الأسئلة بطريقة لائقة، وشاركوا بشغف في المناقشات.
 
كنّا بحاجة لأن نضع في اعتبارنا مخاوف سلطات المخيم، التي تشعر بالقلق إزاء أي شكل من أشكال التحريض السياسي. وأوضحنا لهم أن برنامجنا كان حول تقديم المعرفة الموضوعية والعلمية دون الدخول في مناقشات سياسية تتعلق بآرائنا أو آرائهم الشخصية. ورغم توق الحضور لسماعنا نتكلم بصراحة عن نظام الأسد وجرائمه، وعدم اكتراث المجتمع الدولي، فقد فهموا القيود والتزموا بالقواعد.
 
أكبر الشبان سناً سيطرح الأسئلة الأولى؛ يليه الأصغر سناً وهكذا. ظلت الفتيات صامتات في اليومين الأولين. وعندما ذهبت لتشجيعهن على المشاركة، قالت إحداهن بخبث: "إذا بدأنا طرح الأسئلة، سينفجر المكان!" تحديتها أن تفعل، وقلت بأني مهتمةٌ حقاً لسماع ما ستقوله هي والأخريات. وعندما شعرن بالراحة، بدأن أيضاً بالمشاركة.
 
ولما كنا نحن الأكاديميين معتادين على التفاعل مع الطلاب في أجزاء مختلفة من العالم، فقد أُعجِبنا بمدى موضوعية أسئلتهم وتعليقاتهم وارتباطها بالموضوع المطروح، ومستوى وعيهم ونضجهم الفكري.
 
ويوما بعد يوم، أصبحت صالة للألعاب الرياضية مكاناً متناغماً لالتقاء العقول والتفاعل الفكري. بالنسبة لهم ساعات قليلة في اليوم، لم يكونوا فيها لاجئين بحاجة إلى المساعدة؛ بل كانوا مواطنين يعملون كما لو أنهم داخل سوريا.
 
ما قدمناه لهم كان مجرد شريحة مما يقدمه التعليم العالي النظامي. جميعهم دون استثناء، يتوق للحصول على فرصة للدراسة، لكن الجامعات في الأردن غالية جداً ولا تقدم سوى حفنةٍ من المنح الدراسية.
 
يحلم آخرون بمغادرة البلاد. زياد، الذي درس تكنولوجيا المعلومات لخمس سنوات، كان لا يهدأ، وتحدث عن الذهاب لأوروبا من خلال قنوات غير شرعية. حاولت إقناعه أن يحاول على الأقل الطريق القانوني وأن يُقدِّم طلباً للحصول على تأشيرة دخول. رفض نصيحتي بأدب. كيف يمكن أن يقتنع بتقديم طلب وإذن مغادرته للمخيم مقيّد ومشروط، والمخيم يبعد أكثر من ساعتين عن عمان حيث كل القنصليات وحيث يجب أن ذهب عدة مرات وأن يحضِر كل أنواع الأوراق التي لا يملك منها شيئاً؟ لم يكن لدي نصيحة أخرى أقدمها.
 
ما استطعنا أن نقدمه لهم كان متواضعاً جداً، وما قدموه لنا في المقابل كان أكثر جدوى من أي شيء توقعناه. وعدنا بالعودة. علينا أن نفعل ذلك، في أقرب وقت ممكن، قبل أن يغادر زياد على قارب قاتل يعبر المتوسط.