You are here

المُستثمِر المَيمون واللاجئُ المَلعون: قراءةٌ في التواجد السوريِّ في الأردن

أوراق بحثية
TitleDownload
© وسام جزائري لتحميل الورقة

مُلخّص

تتطرّق هذه الورقة للتفاعُلات التي أحدَثها منذ 2011 تدفُّقُ حوالي 673000 ألف سوريٍّ إلى الأردن هرباً من بطشِ النظام وبحكم تدهوُرِ الوضع الأمنيّ والمعيشيّ في سوريا. من خلال قراءة النظرةِ المستحدَثة للسوريّين مع انزِلاق الصراع إلى حربٍ أهليّة، تعالج الدراسة ثلاثَ نقاطٍ هي: 1) قِدمُ التواجُد الشامّي في شرق الأردن ودوره التارخيّ في الإدارة والسياسة والاقتصاد الأردنيّ؛ 2)  بروز فئة اجتماعيّة جديدة يلعب وجودُها دوراً ملحوظاً في  المعادلات السياسيّة والاجتماعيّة في الدوَل المظيفة في المنطقة، ألا و هي فئةُ اللاجئين السوريّين، وهي فئةٌ ساهمت في وصمِها سياساتُ الاستِقبال والخطابات العامّة؛ 3) دورُ السوريّين الحيوي، مستثمرين وأصحابَ مهارات وأيادٍ عاملةً في تحويل مأساةِ اللجوء إلى فرَص حيويّة تعودُ إيجابيّاتها على المجتمعَين - المضيف والضائف- على حدِّ سواء، وهي فُرص لا شكَّ أنَّها ستلعبُ دوراً فعّالاً في حالِ استِقرار الوضع في سوريا.

 

ليست الهجرة السورية مُستحدثَةً لا على المجتمع السوريّ، ولا على المجتمعات المجاوِرة في  منطقة بلاد الشام التاريخيّة، ولا حتى على المجتمعات الغربيّة. في المنطقة، لطالما كَرّس تداخلُ العلاقات العائليّة والاجتماعيّة والاقتصادية، إضافةً إلى آليّة الإدارة العثمانيّة ثمّ الانتدابيّة لولايتَي سوريا وفلسطين، سرديّةً  سياسيّة  تجعل من "سوريا الكبرى" ركيزةً لفكر قومي عربي يُلغي حدود الدوَل القوميّة لسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ويعتبرها نتاجاً افتعلَته السياسات الاستعماريّة ويتوجّب دحضُه. أتَت النكبة الفلسطينية عام 1948 لتشير إلى هشاشة هذه السرديّة، إذ تعامل كلٌّ من لبنان وسوريا والأردن مع اللجوء الفلسطينيّ وفقاً لمصالحَ وحساباتٍ تؤطِّرها حدود الدولة- القومية، مكرِّسةً بذلك وجودَ مجتمعات  تَعتبر اللاجئين الفلسطينيين دخلاء على بُناها الاجتماعية والسياسيّة ( وكان عدد اللاجئين الرسمي آنذاك 850000 ألفاً). مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وانزلاقها إلى صراع دموي دثَر المجتمع السوري، أجهزت هجرة السوريّين بالملايين على ما تبقّى من ذلك الخطاب العروبي.

في هذا المشهد العام، يتميّز الأردن بحداثة تكوين بنيتِه الجغرافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة كدَوْلة قوميّة، لا سيَّما أن أرضه ومكوِّناته الاجتماعية إبّان العهد العثماني تقاسمَتها ولاياتٌ مختلفة ومتغيِّرة، وأن بُنى شرق الأردن الحضريّة  اقتصرَت على بعض المدن التي امتدّت على خط الحجاز وكانت مُلتفِتة إلى دمشق في كلّ شؤونها الإداريّة والاقتصاديّة والتعليميّة. ولئن يعود تأسيسُ إمارة شرق الأردن إلى عشرينات القرن المنصرم (1921) ، إلّا أنّ دعائم الدولة القوميّة الحديثة تكرّست مع اللجوء الفلسطيني إليها. كما اتَّسم التاريخ الأردنيّ الحديث بهجرات متتاليَة توافدت على أرضه (هجرة عام  1948، نزوح عام 1967، عائدو  دول الخليج عام 1989،  تَوافد العراقيين عامَي 1990 و 2003)، ناهيك عن هجرات الأيدي العاملة المصريّة والآسيويّة.      

في آذار 2011 ، أسّس اندلاع الثورة السورية لواقع تاريخي جديد تميّز بتهجير ما يقارب 12 مليون سوريّ خارج بيوتهم، من بينهم 5.6ملايين تركوا سوريا وتوزَّعوا على دوَلِ المنطقة (تركيا، لبنان، الأردن، مصر، دول الخليج) وأقطارَ أخرى حول العالم.[1] ورغم أنَّ حصّةَ الأردن في استقبال السوريين أقلُّ من حصّة تركيا ولبنان، إذْ إنّ الأرقام الرسميّة رسَت على رقمٍ هو 673000 لاجئ[2]، لكنّ وفودَ السوريين أفواجاً على مراحلَ متفاوِتة منذ 2011، ترتَّبت عليه مُعطَيات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة ذات ثقل في التوازنات الداخلية والإقليمية.[3]

نتابع في هذه الورقة العمليّة رصدَنا لتوافد السوريّين إلى الأردن،  ونركّز على العلاقة بين الشتات  السوري التاريخي واللجوء المستحدَث، وآليّة إدارته من قبل السلطات الأردنية.  

 

حين كان شمالُ الأردن وجنوبُ سوريا شِقَّي التوأَم

الوجودُ السوريّ شرقَ نهر الأردن سابقٌ للدولة القوميّة الأردنيّة في حدودها الحالية. والأصحُّ هو الحديث عن وجودٍ ينساب فيما يُسمّيه المؤرِّخون "بلاد الشام" وهي تسميَة جيّرتها التيارات العروبيّة للترويج لهويّة موَحّدة تَشمل العالمَ العربيّ من المحيط إلى الخليج. إن عدنا إلى الماضي القريب عشيّةَ تكوّن الدول القوميّة في المنطقة، أي إلى نهاية القرنِ التاسع عشر ومنعطفِ القرن العشرين، لا بدَّ من الوقوف عند أسفارِ التجار وترحالِ طالبي العلم وموظَّفي الباب العالي وقوافلِ الحجّ على خطٍّ يربط الكرك بإسطنبول، مروراً بمادبا فالسلط فإربد فدمشق فحلب، وعند تقاطع مساراتهم الفرديّة والعائليّة والجماعيّة. فشرق الأردن كان بمجمله تابعاً لولاية الشام العثمانيّة في تلك الحقبة، ولئن ارتبطت آنذاك بعض المراكز الشرق أردنيّة بمدنٍ في فلسطين كالسلط وإربد بنابلس وكرك بالخليل. كما لا بدَّ من الوقوف عند سهل حوران الذي تضمّ أراضيه التاريخيّة جنوبَ سوريا الحالية وشمالَ الأردن، والذي يشمل هضبةَ الجولان ويمتدُّ إلى تخوم فلسطين وجبلِ الشيخ اللبناني. في سهل حوران هذا تعايشَت واختلطت مجتمعاتٌ فلاحيّة من طوائف درزية ومسيحية وسنية[4] وعشائرُ بدوٍ رُحَّل استقرّ جلُّها في السهل مع مستهلِّ القرن العشرين وبدايةِ الوجود الفرنسي والبريطاني في بلاد الشام، فانصرفت  كلُّ تلك المكوِّنات إلى اقتصادٍ مركَّب يَمزج الزراعة ورعاية الماشيَة والتجارة على أنواعها، بما فيها التهريب.[5]

ليست هذه اللمحةُ الخاطفة سوى مدخلاً للإشارة إلى تاريخ اجتماعيٍّ مشترَك لا يمكن القفزُ عنه في معالجتِنا لأيٍّ من المسائل المتعلِّقة بالتواجد السوري في الأردن. هذا التاريخ المشترك، يشيرُ إليه  تواردُ أسماء القرى والنواحي على جانبَي الحدود (الطيبة، الكرك، ألخ)، وانشطارُ بعض العشائر بين مدينتَي درعا السورية والرمثا الأردنية. كما أن العشائر والعائلات تتشاركُ وتتوارث أسماءً وألقابَ وكُنى تعيد إلى حاضر وماضٍ مشتركَين، فنجد على جانِبَي الحدود آل الزعبي وآل الرفاعي وأبو قوره والشرع والسرحان والبطاينة والعلاونة والشريدة والأسود والمقداد، الخ، الخ-. 

 ناهيكَ عن الدور السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ الذي لعبَه "الشوام" في بناء دعائم الدولة الأردنية الحديثة. فإن توقَّفنا عند تأسيس إمارة شرق الأردن وحاجةِ الملك عبدالله الأوَّل إلى نُخب متعلِّمة لإدارة شؤون الإمارة الناشئة، لرأينا أنَّ للنخب السوريّة التي تدرّجت في اسطنبول دوراً بارزاً . ويشكّل رشيد طليع نموذجاً عن تلك المرحلة، إذ إنَّ ذلك العلمَ اللبنانيَّ الولادة، الحورانيَّ الأصلِ والأهل، الدرزيَّ الطائفة، العثمانيَّ االمسار -إذ كان قد شغل منصِبَ متصرّف طرابلس-الشام، ومتصرِّف اللاذقيّة ومتصرِّف حوران - ، عُيِّن رئيساً لأوّل حكومة شرق أردنية عام 1921.[6] تلاه في رئاسة الوزراء مظهر أرسلان عام 1922 ، ثمّ علي رضا الركابي، ثمّ حسن خالد أبو الهدى، وكلُّهم رجالاتُ سياسة وإدارة نشؤوا في مدنٍ سوريّة. ولو عزا البعضُ تلك التعييناتِ إلى مشروع المملكة العربيّة الموحَّدة تحت إمرة الملك فيصل في عشرينيّات القرن الماضي (وكان شرقُ الأردن حينَها جزءاً منها)، وإلى الصراع الفرنسي/ البريطاني الذي دفعَ ببعض العائلات الدمشقية إلى الهرب إلى إربد وعمان، إلا أنَّها على أيّة حال تشير إلى مَسامّيّة (porosity) الانتماءات والمناصب والحدود  حينذاك.

ليست الإدارةُ العليا المجالَ الوحيدَ التي تميَّز بها تاريخيّاً " أهلُ الشام " في  مساهمتهم لبناء الدولة في الأردن. فإن توقَّفنا عند البُنى التحتيّة، لا بدَّ من التنويه أنَّ مؤسِّسَ شركة الكهرباء الأردنيّة الحاج محمد علي بدير أتى من سوريا، كذلك آل الطباع الذين ناهَضوا الوجودَ الفرنسيّ ففرّوا إلى عمّان عام 1925، حيث أسّسوا شركاتٍ عدّةً نذكر منها شركة التبغِ الأردنية وشركة الإسمنت وشركة عالية للطيران. في مجال التجارة، لا بدَّ من ذكر آل العقّاد في مجال الأقمشة، وسوقِ السكّرية في وسط البلد في عمّان، تيمُّناً بتاجر شاميّ حالفَه الحظّ فيها. كما أنّ الأمر ليس مجرَّد ماضٍ عفا عنه الزمن فأصبح حقبةً ولّت، إذ إنّ كثيراً من أعلام الأردن يَنحدِرون من أصول سوريّة: اللواء عدنان الجندي مدير المخابرات العامة الحالي، الدكتور زياد فريز (السلطيُّ الولادة) محافظُ البنك المركزيّ الحالي، الجنرال محمد الذهبي مديرُ المخابرات الأردنيّة السابق.

الملاحظات المنِّوهة بأهمية الكفاءات السوريّة في تكريس الرصيِد الإداري والاقتصادي للدولة والمجتمع الأردنيَّين، لا بدّ من قراءتِها بتفاعلاتها مع الفئات المجتمعيّة الأخرى، لاسيّما الفلسطينيّة منها التي استقرّت في شرقِ الأردن، فانصهرت في مجتمعٍ أردنيّ ما انفكّ يتغيّر ويتبلوَر مع الهجرات المتوالِيَة على أرضه. وعلى ضوئها، ثمّة سؤال يَطرح نفسه:  كيف نقرأ الخطابَ العامَّ الحاليَّ المعادي للسوريّين لدى شريحةٍ من المُجتمَع الأردنيِّ وبعضِ الفئات السياسيَّة في المَملكة؟

 

ثورةٌ في سوريا وتَمَلْمُلٌ في الأردن

حين صرَّح رئيسُ الوزراء الأردنيّ فايز الطراونة، في 30 نيسان 2012، أنَّ الربيعَ الأردنيَّ "لن يكون أحمرَ أبداً"[7]، كان يشيرُ إلى قمعِ النظامِ السوريِّ وانزلاقِ الثورة في سوريا إلى صراعٍ أهليٍّ يُنذر بالأسوَأ، ويحاولُ تهدئة الاحتِجاجات المتصاعِدة في معظم المناطق الأردنيّة (مطالبُ نقابيّة، مطالبُ بالمساهمة السياسية، تظاهراتٌ ضدَّ الغلاء وضدَّ الفساد...)، والتي وصلت ذروَتها في منتصف تشرين الثاني 2012، فوَعدت الحكومةُ الأردنيّة ببعض الإصلاحات، وتأجّلت المطالبُ التاليَة إلى مرحلةٍ أخرى، قبلَ أن تَخمُدَ خوفاً من خروج الوَضع عن السيطرة. ذلك أنَّ الشأنَ السوريَّ بدأ يَتغلْغَل إلى الخطاب العامِّ الأردني، ويتحوّل شأناً داخلياًّ. 

في بداية الأزمة السورية، لم يتغيَّر تعاملُ الدوائر الأردنيّة تجاهَ السوريّين الوافدين إلى المملكة. لم يكن عُبور الحدود يَحتاج حينَها إلى أكثرَ من وثيقةِ هوية. واعتُبِر السوريّون الوافِدون "أهلاً" و "ضيوفاً على أهلِهم في الأردن". هذا التعبير المِضياف الذي استعملَه الإعلام والسياسيّون بداية، لم يَكن من باب المجاملة السياسيّة أمامَ الرأيِ المحلّي والدَّوليّ وحسب، بل أتى ليُترجِم واقعاً اجتماعيّاً فُتحت فيه بيوت إربد والرمثا والمفرق والقرى الأردنيّة الشماليّة أمام الأقارب والمعارف الهاربين من الجهة الأخرى من الحدود. بدأت الأمورُ تتغيَّر منتصفَ 2012، بعد الإنفجار في دمشق الذي أَودى بخليّة الأزمة، حين لجأ النظام السوريّ بشكلٍ مُمَنهج إلى الطيران الحربيّ والبراميل المتفجِّرة،  متسبِّباً بهروب سكّان الأحياء المَقصوفة أفواجاً إلى أقربِ نقاط حدودية.

اعتمدَت الأوساط الرسميّة الأردنية موقفاً يُحاوِل إمساك العصا من الوسط: تندِّد بموقف النظام السوري دون أن تَقطع التواصل مع ممثِّليه؛ تتكيَّف مع حاجات المُجتمع الدَّوليّ في إدارة الأزمة، من وساطاتٍ ومؤتمراتٍ للدُّول المعنيّة وقوى المعارضة السورية، دون أن تمنع أنصارَ النظام السوري من إعلاميّين أو ناشطين أو حتى نوّاب من تشكيل وفود لدعمه؛ تَقبل بتشكيلِ قاعدة ٍ عسكريّةٍ خلفيّة بدعمٍ أميركي لتدريب الجيش الحرّ، دون أن تكفَّ عن إشهارِ "حيادِها" تجاهَ "المسألة السورية". قد تُقرَؤ تلك المناوَرات الرسميّة في سياق الحِنكة السياسية التي اكتسبَها الأردن في إدارة الأزمات الإقليميّة على مرِّ العقود. إلا أنَّها، في المسألة السورية تحديداً، تشير إلى تَمَلْمُل اقتصاديّ واجتماعيّ تزايدَ مع احتدام الصراع في سوريا، لا سيَّما وأنَّ غلاءَ المعيشة يَزيد من احتقان الوضع  الداخليّ الأردني. فليس من العبث القَوْل إنّ النظام الأردنيّ استعمل الوضعَ في سوريا كفزّاعة، تجاهَ المجتمعين  المحلّي والدّوليّ على حدٍّ سواء، لتبرير تلكُّئه في عمليَّة إصلاح سياسيّ عميقة[8].

في هذه الفترة بالتحديد، بدأن ترتَسم ملامحُ جديدةٌ لفئة اجتماعيّة مُستحدَثة في التاريخَين الأردنيّ والسوريّ: فئةُ اللاجئين السوريّين.    

 

اللاجئُ السوريُّ، ذلكَ المَلعون

مع لجوءِ النظام السوريّ إلى القصف الجوّيّ والبراميل المتفجِّرة، بدأ السوريّون يتوافدون بالآلاف على طول الحدود الأردنيّة. وبدأت السلطات الأردنيّة بالتضييق على من كانوا  أهلاً في شهور خَلَت. وبدأت  تَرتسم صورةٌ نمطيّة للّاجئ السوري، يعزِّزها تضارب الأرقام الرسميّة حول أعدادِهم. فالجرائد الأردنيّة التي كانت تتحدَّثُ عن بعض المئات عام  2012، باتت تتكلّم عن عشرات ثمّ مئات الآلاف، لا بل عن 1.2 مليون لاجئ في الأردن، مُستنِدة بذلك إلى أرقام مفوضية الأمم المتحدة، قبل أن يرسوَ الرقم على 673000 لاجئ مسجّل لدى مفوَّضيّة الأُمم المتحدة. من اللافت أنَّ هذا الرقم لم يتغيَّر منذ عام 2005.[9]

تلك الصورة النمطيّة، ساهمَت  السياسات العامّة في تكريسها. فغيابُ رؤيةٍ وطنيّة واضحة وشاملة للتعامل مع اللجوء الكثيف جعل من اللاجئين ذريعةً سهلة لتبرير قُصر السياسات في إدارةِ  الضغط على السكن والبُنى التحتيّة والمواردِ  في المدن والقرى حيث يحلّون. هذا وأخذَت المفاوَضات مع الفاعلين الدوليّين وقتاً طويلاً قبل أن تُباشر السلطاتُ الأردنيّة عام 2014 ببناء مخيم الزعتري، أوَّل مخيّم لإسكان اللاجئين السوريين. وحين قامت بذلك، خصَّصته لما لا يقلُّ عن 100.000شخص، أي ما يُعادل سكّان مدينة كبيرة يعيشون في ظروف طارئة ومؤقتة، فُرضت عليهم شروطاً للتنقل بين داخلِ المخيم وخارجِه. يوجَد حاليّاً في الأردن 6  مخيمات للّاجئين السوريّين في الأردن، يَخضع أهلُها لشروط إقامة مُماثِلة.

تمّ التعامل مع المخيّمات السورية على أنّها "بؤر أمنية" تَستدعي إدارتُها تدابيرَ خاصّة في إطار مكافحة الإرهاب، لا سيّما إرهاب تنظيم الدولة الإسلامي. انعكست هذه الصورة على سكّانها، وتعمّمت على سائر السوريّين في الإعلام والشبكات الاجتماعية. في جلسات البرلمان، ذهب الأمرُ بإحدى النواب عام 2013 إلى تصوير اللاجئين السوريّين على أنهم غزاة يهدِّدون أهلَ البلد سكّانياً  واقتصاديّاً  وأخلاقيّاً، إذ إنَّهم يسرقون خبز الأردنيين، وينشرون بين هؤلاء المخدَّرات والدعارة.[10] والمُلفت أنَّ خطاب الكراهية هذا، الذي شقَّ طريقه رويداً رويداً ليلقى صدىً لدى الطبقات الوسْطى المخنوقة اقتِصادياً أصلاً،  يروِّج له إعلاميّون وسياسيّون وناشِطون يَنتمون إلى اليَسار العروبيّ كان رأسَ حربتِهم الصحفيُّ الراحلُ ناهض حتر الذي عُرف بدعمه غيرِ المشروط للنظام السوري.[11]

لم يحسِّن بروزُ جبهة النصرة، ثمّ تنظيمُ الدولة الإسلاميّ، من صورة اللاجئ السوريّ في الخطابات العامّة، لا بل إنّه أضاف إلى صفاتِ سارقِ القوتِ وتاجر البَغاء والمخدَّرات سمةَ الإرهابيّ. تقاطعَ ذلك الخطاب مع سياسةٍ اعتمدَتها السلطات الأردنيّة ابتداءً من  ربيع 2015  بإقفالِ الحدود البرّيّة أمامَ المدنيّين السوريّين، و فرضِ شروطٍ لدخول البلد، كأن يَحصلَ الوافدون إلى الأردن بجوازاتٍ سوريّة على موافقةٍ أمنيّة من سوريا أو أن يكونَ لهم كفيلٌ داخلَ المملكة.

الوصمُ الذي يَعرفه اللاجئون السوريّون في الأردن منذ منتصف 2012 صورة تعكس لعنةَ التاريخ وهي تتمازجُ مع سياسياتٍ عامّة متلكِّئة في جوٍّ  إقليميّ متوتِّر ودوليّ لم يُعطِ للثورات العربيّة حجمَها الاجتماعيّ الفعليّ. فيصبح اللاجئ السوريّ ذلك الملعونَ الذي يَدفع مُضاعَفاً ثمنَ انتفاضتِه ضدَّ الحاكم: الهجرة القسريّة والوَصم في المَنفى. ووصَل الأمرُ بالسلطاتِ السوريّة الرسميّة المنوطةِ بحمايةِ مواطنيها أن عبَّرت عن ازدرائها لمن اعتبرتهم "شوائبَ" ليسوا أهلاً أن يكونوا مواطنين في بلدٍ بات "مُتجانِساً" برحيلهم.[12] وصمٌ إعلاميٌّ بهذه الكراهية يَفتح مجالاً كبيراً للمناوَرة أمامَ الدولة المضيفة، رغم أنّ هذه الكراهية هي من نسيجِ الخطاب أكثرَ منها واقعاً لا يَتجاوز التذمُّر. فالمُلفت في الأمر هو  أنّ الليونة التي يتعايش بها على العموم المجتمعُ المضيف تتنافى مع خطابِ البغضاء الذي يُدلي به المدافعون عن النظام السوريّ. 

 

أمّا المُستثمِرُ، فذلكَ المَيْمون

ذلك أن هؤلاء "الضيوف"، رغم العبءِ السكاني الذي يشكِّلونه على البُنى التحتيّة، هم من أصحاب المهارات المجتذِّرة في المجتمع السوري والكفاءات العلميّة والمهنيّة، و رؤوس الأموال. فما أن بدأت أحداثُ درعا حتى بدأت رؤوس الأموال السوريّة تتوافد إلى الأردن. وأتى هذا الوضعُ مغايِراً لما حدث مع اللّجوء العراقيّ في نهاية التسعينيّات ثمّ بداية الألفية الثانية، إذ اعتَبَر العراقيّون الأردنَ معبراً  بانتظار  السفر إلى دُوَل أوروبـا، فلم يَستثمروا رؤوسَ أموالهم في قطاعاتٍ اقتصاديّة مُنتِجة ومُستدامة. على خلاف ذلك، لجأ  المستثمِرون السوريّون، لا سيّما التجارُ والصناعيّون منهم، إلى استراتجيّة اعتمدَت على الروابط العائليّة والشبكاتِ التجاريّة العابرة للحدود التي لم تتوقَّف على مرِّ العقود. فركَّزوا في الأردن أموالَهم ومهاراتِهم.

واقعُ الأمر أنَّ جزءاً لا يُستهان به من المنتَجات المتواجِدة في السوق الأردنيّ مستورَد من سوريا أو يمرّ عبرَ أراضيها قدوماً من تركيا، من ملابس وحلويات، ومنتَجات زراعيّة، ومنتَجات غذائيّة مصنعة. أنتج تدهور الوضع في سوريا حالةً مفارِقة: حالَ الصراعُ السوري الباب دون التبادلِ التجاريِّ مع تركيا  وأَغلَق السوقَ الأردنيّة أمامَ المنتَجات القادِمة من سوريا، ولكنّه فتحَ شبكاتٍ أخرى للاستِثمار استَفاد منها سوريّون وأردنيّون على السواء. فازدَهر البناء في الشمال الأردني وفي عمّان ومعه الصناعات التي يَحتاجها قطاع البناء. كما تكاثرت االمطاعمُ ومحلّات الصرافة ومحلّات الملابس والأقمِشة والأحذِيَة والأثاث والأدوات الغذائيّة وكراجات تصليح السيارات، الخ الخ.

بمعنى آخر، كان لوفود السوريّين ورؤوس أموالِهم ومهاراتهم انعكاسٌ مباشَر عل كافّة مجالات الاقتِصاد الأردنيّ. في مجال الزراعة، ازدادت في الأغوار الأردنيّة اليدُ العاملة السورية.[13] في مجالِ الصناعة، نقلَ المستثمِرون السوريّون  إلى المناطقِ الصناعيّة الحرّة (إربد، سحاب، العقبة) بُنى مصانعِهم، في مجالِ الأغذيَة والأدويَة والملابس، والزخرفة، الخ. وازداد بشكلٍ مُلفتٍ في معظم المدن الأردنية عددُ المطاعم والمقاهي ومحلّات الحلوى والبوظة. فبالإضافة إلى أسماءَ كبيرةٍ كان لها فروع في الأردن قبلَ الصراعِ كحلويات الغراوي الشهيرة، نجد الآن على سبيل المثال بوظة بكداش وغيرَها من الأسماء العريقة في دمشق.

للمضيّ قُدُماً في تحليلِنا، أجرَيْنا مجموعةَ مقابَلات مع رجالِ أعمال سوريّيين مقيمين في الأردن، ومُستثمِرين في مجالات مُختلِفة، كالصرافة، والهواتف المَحمولة، والزخرفة الشرقيّة والمطاعم، والسخّانات الشمسيّة والإسمنت. بعضُهم كان قد ترك سوريا في ثمانينيّات القرن الماضي بعدَ أحداثِ حماة عام 1982، والبعضُ الآخر نقلَ مركزَ أعمالِه إلى عمّان بعد 2011. كلُّهم أشاروا إلى انتمائهم إلى عوائلَ تجارية عريقة في دمشق. باستثناءِ قلّة قليلةٍ منهم أعربت عن معارضتها للنظام السوري، تحدَّث الباقون عن علاقةٍ جيِّدة بدايةً تحوَّلت إلى ابتزازٍ تدريجيٍّ بدأ المستثمرون يتعرّضون له من قِبَل أجهزة المخابراتِ السورية، ممّا دفعهم إلى الهروبِ إلى الأردن خوفاً على حياتِهم وعائلاتهم ومصالحهم، وتحاشي العودة إلى سوريا.

تبيّن من المقابلات أنَّ المستثمِرين يحاولون قدر الإمكان النأيَ بأنفسهم عن الشأن السياسيّ، فوضعوا تضامنَهم مع بقيّة السوريّين في إطار العمل الخيريّ من جهة، وإدماج اللاجئين في سوق العمل حفاظاً على كرامتِهم من جهة أخرى. بَيد أنهم أشاروا إلى عوائقَ إداريّةٍ جمّة مع دوائرِ التراخيص التجاريَّة والصناعيَّة ودائرة  الجمارك، تَحول دون تحفيز  المُستثمِرين، صناعيّين وتجّاراً، على البقاء في الأردن، وتدفعُهم على نقل أموالهم، جزئيّاً أو كليّاً، إلى دبي أو تركيا. وذهب أحدُهم إلى القول" لو أن السلطات الأردنيّة ليّنت سياستَها الضريبيّة تجاهَ المستثمِرين السوريّين، لما احتاج  سوريٌّ واحدٌ للبحث عن عمل في الأردن"، في إشارة إلى و ِحدة الحالِ والشراكة في المأساةِ بين المَيسورين والأقلّ حظاً.

المُلفت في هذا الخطاب، بغضِّ النظر عن دقّته حولَ أشكال التضامن وفاعليّته وشبكاتِه، تركيزُه على "حيويّة السوري" وقدرتِه على ابتِكار الفرَص الاقتصاديّة، ليتقاطعَ مع صورةٍ نمطيّة أخرى مكوَّنة في الأردن عن المجتمع السوري (تحتَ مقولة "الشوام شاطرين")، وذلك بمعزَل عن اعتِبارات اقتصاديّة خالصة، كرُخص اليدِ العامِلة السوريّة، وركودِ السوق الأردني، وغيابِ إطارٍ قانونيّ في الأردن صارم يَضعُ قواعدَ للحدِّ الأدنى للأجور. حتى أنَّ "شطارة" السوريّين باتت موضعَ تندُّر وظرافة في الأحاديث العامة، يَلخِّصها اسم الشارع الرئيسيِّ في مخيَّم الزعتري، " الشام -زيليزيه" (بإشارة إلى جادة الشانزيليزه الباريسية الشهيرة ) الذي سريعاً ما اقتظّ بالمحلّات لتلبيَة حاجاتِ سكّان المخيّم.

تبيَّن أيضاً  من خلال المقابلات أنَّ  المستثمرين يولون اهتماماً كبيرا لًتطور الوضع في سوريا. ولئن أعرَبوا جميعاً عن رغبتهم  بالعودة إلى سوريا ، وأكّدوا أنّهم على تواصلٍ مع أقاربِهم في "الداخل السوري"، إلا أنهم اشترطوا  أوّلاً  الأمان ونزاهةَ المؤسَّسات للاستِثمار مجدداً في سوريا، وذلك بمعزَل عن الشكلِ السياسيّ للحكم. كما أكَّد المستثمِرون أن مساهماتهم في إعادة الإعمار  ستتمُّ على المستويَين العائليّ والمحليّ فقط، حيث لا تَزال الثقة تلعب دوراً مفصليّاً في العلاقات.

أخيراً وليس آخراً، لا بدّ من  لفتِ الانتِباه إلى العطاءات والمعونات الدوليّة والإقليمية التي تتلقاها الحكومة الأردنيّة لاستقبال اللاجئين السوريين ، لا سيّما  إن أضفنا إليها المبالغَ التي تصلُ لدعم برامج  المنظَّمات غيرِ الحكومية المُنشأة في الأردن لهذا الغرض. مبالغُ طائلةٌ تخمَّن بمئات ملايين الدولارات سنويّاً وتشكِّل اقتِصاداً قائماً بحدِّ ذاته. من هذه الناحية، ولئن يُشكِّل تدفُّق مئات آلاف السوريين إلى الأردن عبئاً سكانياً، إلّا أنه يأتي متزامناً مع آليّاتٍ لإدماج السوريّين في سوق العمل، تعاملت معه الحكومة بما يتناسَب ومصالحَ النظام الأردني المتغيِّرة وفقاً لتطوُّر الصراع في سوريا. ورغم أنّ مَعبر نصيبين قد فُتح  في 15 تشرين الأوّل 2018 أمامَ التبادلات التجاريّة[14]، إلّا أنَّ السلطات الأردنيَّة على الأرجح تحبّذ عودةَ اللاجئين وبقاءَ رؤوس الأموال. إذْ إنَّ اقتصاد الأردن قد يتزعزع إن سُحبَت رؤؤس الأموال السوريّة التي تدفَّقت على الأردن منذ 2011. على أيّة حال، يبدو أنَّ السياسة الأردنيّة استقرّت مؤخَّراً على احترامِ التوصيات الدوليّة وتَوصِيات الاتِّحاد الأوروبيّ (إدماجُ نسبةٍ معيَّنة من السوريّين في المصانعِ التي تُصدِّر مُنتَجاتها إلى أوروبا) و إعطاءِ اللّاجئين السوريّين حقَّ العمل في بعضِ المجالات المهنيَّة، دون أن تسهِّل بالضرورة الآليّات الإدرايّة المتعلِّقة بالإقامة وحقِّ الالتِحاق بالجامعات والطبابة. لكنّنا نَقفُ هنا أمام مَعضلة لا تتعلِّق بالسوريّين وحدهم، بل وتَنسحب في بعض جوانبِها على سائرِ سكّان المملَكة الأردنيّة.  



[1] UNHCR, 2018

[2] Hana JABER, « Refugiés syriens en Jordanie : choc démographique, résilience et vulnérabilités », Confluences, n°99, 2016-2017.

[3] Hana JABER, « Qui accueille vraiment les réfugiés ? », Le Monde Diplomatique, octobre 2015.

[4] ويهودية ما لبثت أن عبرت شرق الأردن نحو الغرب مع توتر الوضع في أربعينيات القرن الماضي

[5] كان التهريب رائجاً على خط الحدود بين مناطق النفوذ البريطاني والفرنسي

[6] لا بد من الإشارة أن رشيد طليع مات ودفن عام 1926  في قرية قرب السويداء وفي ذلك دلالة على تداخل الانتماءات آنذاك. 

[8] هناء جابر، احتجاجات ومعارضة على خلفية الأزمة السورية، مبادرة الإصلاح العربي، 25-07-2017 ..

[9] Hana Jaber, Confluences, op. cit.

[11] نشر الصحافي الراحل ناهض ختر مقالا مثيرا للجدل في جريدة الأخبار  في العدد الصادر في  9 أيلول 2015، اعتُبر إهانة للاجئين، ممّا اضطر الصحيفة إلى حذف المقالة عن المقع الالكتروني والاعتذار من قرّائها.

[13] في الخطاب المندد باللجوء السوري، غالبا ما نقرأ شكاوى عن منافسة مع اليد العاملة الأردنية. في مجال الزراعةو بالتحديد، المنافسة هي في الواقع مع اليد العاملة المصرية، ولكن هذ الموضوع خارج نطاق الدراسة.

[14] لم يفتح المعبر أمام عامة الناس بعد.