You are here

سوريون حول العالم: خارطة الشتات، إعادة البناء وإشكاليات الاستنهاض

أوراق بحثية
TitleDownload
© نهاد التركلتحميل الورقة

قبل 2011، قُدِّر عدد الشتات السوري في جميع أنحاء العالم بــ 18 مليون إنسان هاجروا على مدى أكثر من قرن، ويساهم معظمهم بشكل فاعل في مجتمعاتِهم المُضيفة. ثم ارتفع هذا العدد مع موجة اللاجئين السوريين الذين غادروا سوريا -وما زالوا يغادرون- بسبب الحرب المستمرّة. وعلى مدى السنوات السبع الماضية، فرّ سبعة ملايين سوري –لم يُسجَّلوا جميعهم كلاجئين- إلى خارج البلاد من إجمالي عدد السكان الذي كان يبلغ 24 مليون نسمة.

وقامت مبادرة الإصلاح العربي بين ربيعي 2017 و2018 بمشروع بحث لدراسة الشتات السوري حول العالم في أعقاب انتفاضة 2011، وذلك بهدف رسم خارطته حول العالم واستشراف تفاعلات المجتمعات السورية المهاجرة مع الصراع الدائر في البلاد منذ ما يزيد عن سبع سنوات.

ومن أجل رسم خارطة التفاعلات هذه، أوكلت المبادرةُ لمجموعة من الباحثين المخضرمين والناشئين مهمة إعداد دراسات حول الشتات السوري في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا، وعلى صعيد الشرق الأوسط، أعدّ الباحثون مجموعة دراسات حول التواجد السوري في البلدان المجاورة لسوريا (الأردن، تركيا، لبنان، مصر)، بالإضافة إلى دول الخليج، حيث اختيرت قطر والإمارات مثالاً.

من ناحية أخرى، أعدّت المبادرة ثلاث دراسات مُقارَنة حول تجارب شتات عرفتها مجموعات بشرية أخرى في المنطقة، كالتجربة الأرمنية والفلسطينية واللبنانية. بهدف مقاربتها مع الواقع السوري الحالي واستخلاص العبر سلباً وإيجاباً.

وأخيراً، طلبت المبادرة من الباحثين اعتماد استمارة مُعدَّة مسبقاً، لتوزيعها على بعض الشخصيات السورية (أكاديميين، رجال أعمال، مهندسين، الخ) لرصد المُحفِّزات التي قد تشجّعهم على المساهمة في استنهاض طاقات الشتات للمساهمة في معافاة المجتمع السوري في داخل سوريا وخارجها، أو تلك التي قد تردعهم عن ذلك.

يركّز الباحثون في هذه الدراسات على الظروف المعيشية للجاليات السورية، القديمة منها والجديدة، في مختلف دول الشتات ليرسم التقرير شبكة علاقات مُعولَمة جديدة تتسارع المعطيات فيها، ومنها:

أولاً : المفارقة بين الشتات واللجوء. الشتات السوري حول العالم وفي مختلف القارّات معروف بقدمه وحيويته الاقتصادية كما هو معروف باندماجه الاجتماعي وحتى السياسي في البلدان التي استوطنها سوريون. ومن الشخصيات السورية الأصل الشهيرة عالمياً نكتفي بذكر الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم، والمغنّية باولا عبدول، وبطل الهوكي الأميركي براندون سعد، وديانا حديد الفنانة الحداثية. وفي المنطقة العربية، لا بدّ من ذكر تداخل المجمعات تاريخياً، من خلال الزواج وعلاقات القرابة عابرة الحدود والعلاقات التجارية السابقة لإنشاء الحدود بين الدول. ونكتفي بذكر أسمهان، وفريد الأطرش، ورشيد طليع أول رئيس وزراء أردني، والثلاثة سوريون استوطنوا ديار مصر والأردن.

هذه الصورة المبهجة للسوريين حول العالم سرعان ما انقلبت بعد 2011 لصالح صورة نمطية سلبية مرتبطة بالنزوح القسري. ولم تمرّ أشهر قليلة بعد عسكرة الثورة السورية حتى بدأت موجات نزوح جماعية أدّت بدورها إلى طرح اللجوء السوري على أنه عبء على صعيد المجتمعات المُضيفة، وعلى الصعيد الدولي. واستُعملت هذه الصورة لأهداف سياسية في بعض الأحيان ساهمت في التعتيم على الأوجه الإيجابية العديدة للتفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أرض الواقع.

في هذه المفارَقة بين الشتات واللجوء، لا بدّ من ملاحظة معرفية: اللجوء حدث قسريّ جماعيّ يُفرَض على الأفراد الذين يُنظر إليهم كجماعة. أما الشتات، فيفترض سيَراً خاصّة، بادر فيها الأفراد لشقّ طرقهم الخاصّة ومساراتهم المنفردة. وهنا سؤال أساسي يطرح نفسه: كيف يتحوَّل اللجوء من عملية نزوح قسرية فُرِضت على مجموعة من الأفراد إلى حالة يتمكّن من خلالها الأفراد من القيام بمبادرات يشقّون طريقهم نحو مسارات ترضيهم ما أمكن؟

ثانياً: الشتات السوري موضع رهانٍ ومزايدة. تصحّ هذه الملاحظة على مختلف المستويات وعلى مختلف أطياف الكيان السوري. فالجهات السياسية بمختلف توجّهاتها تحاول استقطاب الشتات السوري للضغط على الفاعلين الإقليميين والدوليين. والجهات الاقتصادية تسعى لاستدراج رؤوس الأموال والكفاءات للاستفادة منها. ناهيك عن أن مختلف الفئات الاجتماعية تراهن على الشتات، إنْ داخل سوريا أو خارجها للحصول على مختلف أشكال الدعم خاصّة في مجالي الدعم المالي والتنموي.

ثالثاً: دور دولة القانون في استنهاض الشتات. حيث تسود دولة القانون وحيث تتمتّع المجتمعات بحرية التعبير وبنوع من العدالة الاجتماعية؛ تمكّنت المجتمعات السورية الناشطة من رسم شبكة تضامن تربط سوريي الخارج مع السوريين في الدول المضيفة المحيطة بسوريا، ومع الداخل السوري. وتصح هذه الملاحظة بغضّ النظر عن الخلفيات السياسية للفاعلين في شبكات التضامن هذه. ونخصّ بالذكر القارة الأميركية وأوروبا.

أما في الشرق الأوسط، فإنّ الوضع يتأرجح بين حالة تضامن إنساني، وتذمّر اجتماعي، واستثمار سياسي، واستقطاب لرؤوس الأموال. ويترافق هذا التقلّب مع هشاشة كبيرة في الأوضاع الإدارية والقانونية للسوريين، بغضّ النظر عن حالهم الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك يبقون رهينة الوضع الإقليمي.

رابعاً: حيث تتوفّر الشروط والإمكانيات تتعدّد المبادرات وتتكاثر، وتتنوع تلوُّناتها (مدنية، إغاثية، مناطقية، عائلية، طائفية، إثنية، الخ). إلا أن الخيط الواصل بينها غالباً ما يكون مفقوداً، لا سيَّما ذلك الخيط الذي يتجاوز الانتماءات الضيّقة للعائلة والطائفة والبلدة نحو انتماءات مواطنيّة. وتبقى هذه المساهمات مُبعثَرة تفتقد التنسيق.

أكمل ما بات يُسمّى بالشتات القديم أي السوريون المتواجدون في بلدان الشتات قبل 2011، عملية اندماجهم في المجتمعات المُضيفة. ويتمتّعون إجمالاً بإمكانيات ماديّة وكفاءات مهنية وقدرات معرفية وشبكات من العلاقات تشكّل طاقة هائلة يمكنهم توظيفها لصالح إعادة إعمار سوريا ومعافاة شرائح المجتمع السوري أينما وجِدت. وتجعل منهم هذه الطاقات لاعباً أساسياً في مستقبل بلدهم الأم، لكنّ ذلك يبقى مشروطاً بمدى قدرة سوريي الشتات على تنظيم عملهم ووضع آليات تعاون بينهم لتتحول الجهود الفردية إلى قوّة جماعيّة وعمل استراتيجي على المستوى العالمي.

ومن هذا المنطلق، عقدت مبادرة الإصلاح العربي لقاءً في 13 نيسان/إبريل 2018 في معهد العالم العربي بباريس جمع شخصيات سورية بارزة لإطلاق "كل سوريا" وهي مبادرة سورية وطنيّة في الصميم، هدفُها خدمة سوريا وبناء مستقبل مشرقٍ لها ودعم معافاتها وتمكين نهضتِها.

وضمّ الاجتماع رجال أعمال ورجال أعمال خيرية وفنانين وأكاديميين وكُتّاب وممثلي منظّمات المجتمع المدني الناجحة، وناقش الجميع ما يمكنهم القيام به لاتخاذ إجراءات جماعية لصالح جميع أعضاء المجتمع السوري. لا سيما كيف يمكنهم العمل معاً لمساعدة جيل شابّ من الرجال والنساء السوريين للوصول إلى إمكاناتهم الكاملة على الرغم من المآسي التي عاشوها، وكيف يمكنهم المساعدة في بناء مجتمعات ذكيّة في مجالات مختلفة. كان ثمّة إجماع قوي لصالح تعزيز مجتمع مفتوح ومتّصل وديمقراطي مع التكافؤ بين الجنسين والتنوّع كأولويات عُليا. ووقّعت مجموعة "كل سوريا" مدونَة أخلاقيات للتعبير عن التزامها بتعزيز النزاهة العامّة والشفافية في أنشطتها.

كما قدّمت المبادرة نتائج المشروع البحثي ونتائج ورشة عمل انعقدت يوم 12 نيسان/إبريل 2018 بكوليج دو فرونس (Collège de France) باستخدام حقائق وأرقام تُظهِر إمكانات الشتات السوري. ودارت المناقشات حول مشروعات عملية يمكن أن يقوم بها الشتات لإشراك السوريين داخل سوريا وخارجها، والعقبات الرئيسية التي يمكن أن يواجهها الشتات في جهوده هذه وكيفية تجاوزها. وتمحور النقاش كذلك حول المنظّمات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والثقافية التي طوَّرتها مجتمعات الشتات الأخرى ودورها في الحفاظ على مرونة المجتمعات المحلية في البلد الأمّ، والدور الرئيسي الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا في دعم هذه الجهود.

وتوصّلت النقاشات إلى صياغة بعض التوصيات تستهدف مجتمع السياسات وأعضاء الشتات السوري في جلّ أنحاء العالم، والطرق الملموسة للاستفادة من خبرات الشتات ومهاراته وموارده من أجل تخفيف معاناة السوريين الآن وتحديد استراتيجيات المستقبل. وتطرّق النقاش كذلك إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه البلدان المضيفة والمنظّمات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ووكالات الأمم المتّحدة، بوصفهم لاعبين استراتيجيين في عملية إعادة إعمار سوريا، وبالتالي لديهم سلطة كبيرة في تقرير مصير سوريا ما بعد الصراع.

الآن هو الوقت المناسب، وقد حان الأوان لجمع الشتات السوري وتوحيد رؤيته من أجل إطلاق القوة الناعمة التي يملكها وتفعيلها، وضمّ جزء من سلطة اتخاذ القرار لدى اللاعبين الخارجيين إليه.