You are here

الشتات السوري بين القديم والجديد

أوراق بحثية
TitleDownload
© عبد الكريم مجدل بكلتحميل الورقة

أسفرت ثماني سنوات من الصراع الشرس في سوريا عن حركة نزوح قسري شملت أكثر من نصف السكّان، نزح بعضهم داخل البلاد، بينما فرّ أكثر من ستة ملايين آخرين خارجها، الأمر الذي تسبّب في أخطر أزمة لاجئين عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. بيد أنه لم يُكتَب سوى القليل عن نحو 18 مليون سوري يعيشون في الخارج منذ سنوات، بل ربما منذ عقود. لقد هاجر هؤلاء في موجات مُتعاقبة واستقروا في حوالي 30 دولة مختلفة حول العالم، بما فيها تلك الواقعة في أبعد المناطق في أمريكا الجنوبية وجزر الكاريبي. وإذا أضفنا هؤلاء إلى أولئك الذين فرّوا نتيجة الصراع؛ لبلغ عدد السوريين الموجودين خارج البلاد الآن ثلاثة أضعاف الذين يعيشون في الداخل. ولكن هذا الأمر ليس حكراً على السوريين وحدهم، فعدد الفلسطينيين واللبنانيين والأرمن واليهود المتناثرين عبر القارات هو أيضاً أعلى بثلاث إلى أربع مرات من أولئك الموجودين داخل الأراضي الفلسطينية المُحتلّة أو لبنان أو أرمينيا أو إسرائيل. غير أن الصراع السوري وما تركه من ثقل على المدنيين قد أدّى بلا شك إلى إدراكٍ جديد لوجود شتاتٍ سوري قوي، بقي حتى اللحظة بعيداً عن الأضواء.

غالباً ما يوجد تناقض بين قصص المعاناة والبؤس التي يعيشها اللاجئون عموماً وقصص النجاح المُلهِمة لاندماج المهاجرين وعائلاتهم في مجتمعاتهم المُضِيفة. ولا يشذّ الشتات السوري عن هذه القاعدة، حيث تتناقض قصة نجاح المهاجرين السوريين الأوائل مع الوضع المُزري للفارّين اليائسين واللاجئين العاجزين. ويتمتّع الشتات السوري بشكل عامّ بالاكتفاء الذاتي من الناحية الاقتصادية، ويتألّف من مجتمعات مُندمِجة جيّداً تنتشر عبر الأمريكيتين وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

إن هذا التقرير هو نتيجة جهد جماعي لرسم أول صورة شاملة للسوريين الذين حُرِموا من وطنهم، سواء كانوا من المهاجرين القُدامى أو اللاجئين الجدد. ويصف التقرير الذي شارك في وضعه 13 خبيراً السمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمجتمعات الشّتات القديمة (وهو موضوع خضع إلى بحث علمي مُعمَّق) ويصوّر عملية الانتقال السريع للاجئين الجدد والتفاوت في عمليّة تحوّلهم إلى جزء من الشتات السوري. ويُفصِح كلٌّ من البحث العلمي والمقابلات التي تمّت مع أعضاء رئيسيين في الشتات في سياقاتهم المعيشية المُختلفة عن الجهد الكبير الذي بذله الشتات من أجل دعم السوريين خلال الصراع وقدرته على أن يكون لاعباً رئيسياً في إعادة البناء والتنمية عندما ينتهي النزاع.

 

الاقتصاد السياسي لمجتمعات الشتات:

يحدّد التقرير الشتاتَ السوري بقسمين اثنين، يشمل الأوّل مجتمعات الشتات القديمة التي اندمجت منذ عدة سنوات أو عقود في البلدان المُضيفة، ويشمل الثاني اللاجئين الذين فرّوا من البلاد منذ عام 2011. ويطرح سؤالاً حول ما إذا كان يجب اعتبار اللاجئين الجدد وأعضاء الجاليات المُستقِرّة فئتين منفصلتين من خلال مقاربة تصف سلسلة متّصلة من الحالات، أم فئة واحدة.

من الواضح أن اللاجئ الجديد يختلف عن المُهاجِر المُستقِرّ على مستوى وضعه القانوني في المقام الأوّل، فغالباً ما يحمل أفراد الشتات السوري جنسية البلد الذي يقيمون فيه، في حين أن اللاجئ هو مقيم مؤقّت ومُسجَّل على هذا النحو من قبل المُنظَّمات الدولية الموجودة في البلدان المُضيفة أو حكومات البلدان المُضيفة نفسها. على أن هذا المعيار مُنفرداً لا يكفي إذا ما أُخِذ بمفرده، حيث أن العديد من المُقيمين الأجانب في بلد معين قد نجحوا في الاندماج في المجتمع المُضِيف بعد عدد من السنوات دون اكتساب الجنسية بالضرورة.

كما يبدو التمييز على أساس المعايير الاجتماعية الاقتصادية غير واضح المعالم. ولكن المعيار الأوضح للتمييز بين هاتين الفئتين هو كيف تنظر الأطراف المعنيّة إلى كلٍّ منهما وكيف تتعامل معها. إذ يُعتبَر وجود اللاجئين مؤقتاً بينما يتمّ قبول المُهاجرين القدامى على أنهم مقيمون دائمون، ويُعامَل اللاجئون على أنهم مشكلة يجب إيجاد حلّ لها، بينما يتمّ تعريف المهاجرين القدامى باعتبارهم مجموعة اجتماعية وثقافية ذات هويّة مُحدّدة داخل مجتمع معيّن.

ولعلّ أولى السمات المُحدِّدة المُقترَحة في هذا التقرير هي سمة سلوكية، تتلخّص بقيام اللاجئ الذي أُجبِر على مغادرة البلاد كجزءٍ من نزوحٍ جماعي واللجوء إلى بلد مجاور؛ بمغادرة المجموعة بشكل إفرادي والتخلّي عن المساعدة التي كان يتلقّاها لكي يجد لنفسه مساراً خاصّاً. إنّ الإدراك الذاتي لوجود الشخص والبحث عن طريق له في المستقبل هما أهمّ المعايير في هذا الصدد. والسمة الثانية تتعلّق بسياسة الدولة المُضيفة والفرص المُتاحة أمام اللاجئين لوضع استراتيجية شخصيّة لأنفسهم من أجل الاندماج في المجتمع المُضِيف، أو -على العكس- القيود التي تضعها هذه الدول على جماعات اللاجئين لإبقائها على وضعها الراهن على المستويين القانوني والاقتصادي، بهدف دفعهم للعودة أو الذهاب إلى مكان آخر. هذا العامل الثاني حاسم في منع الأفراد أو تأخير تحوّلهم من لاجئين إلى مجتمعات شتات مُستقِرّة.

مع الاندماج يأتي الخوف من فقدان الروابط مع البلد الأمّ، رغم أن جميع الأبحاث الحالية حول مجتمعات الشتات تدلّ على أن اندماج أعضاء الشتات في اقتصادات البلدان المُضِيفة لا يُخفّض علاقاتهم وحجم مساهمتهم في اقتصاد وطنهم الأم، بل يُغيّر من طبيعتها. وتتطوّر المُساهَمات من التحويلات الصغيرة إلى أعضاء الأسرة الصغيرة إلى الاستثمارات المُباشِرة والشراكات والمشروعات المُشترَكة وغيرها من المُساهَمات الأكثر تطوّراً، بما في ذلك العمل الخيري المُؤسّسي.

إن تعريف "الشتات" بهذه الكلمة أتٍ لأنه يحافظ على الروابط مع الوطن الأصلي. وثَمّة تعريف مقبول بشكل عامّ لغابرييل شيفر يقول: إن "مجتمعات الشتات الحديثة هي مجموعات أقليات عرقية من أصول مُهاجِرة تعيش وتعمل في البلدان المُضيفة، ولكنها تُحافِظ على روابط عاطفية وماديّة قوية مع بلدانها الأصلية – أوطانها".[1] والحال أنه إذا توقّفت هذه الروابط عن الوجود فلن يعود الشتات شتاتاً، لأنه سيفقد أية ميزة عن بقيّة المجتمع الذي تعيش فيه.

 

مجتمعات الشتات السوري في معظم أنحاء العالم:

قبل عام 2011 بوقت طويل، كانت سوريا تعاني من مشكلة هجرة الأدمغة التي يمكن وصفها بأنها من بين الأسوأ على المستوى العالمي. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك عدد الأطبّاء السوريين الموجودين في الأنظمة الطبية في الدول الغربية. ففي فرنسا وحدها يستقرّ أكثر من 6000 طبيب سوري، بينما يرتفع هذا العدد في الولايات المتّحدة إلى أكثر من 20000 طبيب، في الوقت الذي يُعاني فيه المجال الطبّي في سوريا من عدم وجود أطبّاء مُتخصِّصين في معظم الفروع.

يحافظ معظم السوريين الذين أسّسوا لأنفسهم حياة في الخارج لسنوات أو عقود مضت على روابط قوية مع سوريا، وهنالك أرقام تؤيّد ذلك. في عام 2010، أي العام الذي سبق الانتفاضة وكان آخر عام جرت فيه إحصائيات عن الشتات السوري، بلغت تدفّقات تحويلات المغتربين إلى سوريا أكثر من 2 مليار دولار، أي ما يقرب من 3.5% من الناتج المحلّي الإجماليّ للبلاد. وكان المساهمون الرئيسيون في هذه التحويلات هم السوريون في الأردن والكويت والسعودية والولايات المتحدة وألمانيا.[2] وبينما يبدأ ملايين اللاجئين السوريين بالاستقرار في أوروبا وفي دول الشرق الأوسط؛ فإنهم يُرسلون بشكل مُتزايد الأموال إلى سوريا. في عام 2014، بلغت التحويلات المالية من أوروبا وحدها إلى سوريا 84 مليون دولار، وينمو هذا الرقم في كل عام.[3]

ولعلّ أهمّ اختبار لارتباط مجتمعات الشتات السوري بالوطن الأمّ هو انتفاضة عام 2011، عندما بدأ السوريون في معظم أنحاء العالم -والذين قضوا شطراً من حياتهم خارج بلادهم- يهتمّون فجأة بما كان يحدث في سوريا. وظهر انشقاق مُبكِّر بين المؤيدين للانتفاضة والموالين للنظام، بيد أن شدّة الاهتمام والتعبئة كانت لافتة للنظر. وعلى مدى ثماني سنوات منذ بدء الصراع، كانت مجتمعات الشتات في أجزاء مختلفة من العالم تتواصل بعضها مع بعض وكذلك مع السوريين في الداخل، وشكّلت مصدراً رئيسياً لدعم الوطن.

ورغم أنّه من المُبكِّر الحصول على بيانات موثوقة؛ فإننا نستطيع أن نذكر بعض الحوادث كأمثلة. من ذلك أن عدداً من رجال الأعمال السوريين الأغنياء الذين انتقلوا إلى دول الجوار في الشرق الأوسط نظّموا أمورهم بشكل جماعي وقرّروا منح 25% من أرباح أعمالهم للمساعدات الإنسانية، من خلال قنوات خاصّة بهم داخل البلاد. وكانت التبرُّعات القائمة على أساس ديني أو مناطقي هي الشكل السائد، وقد كشفت عن الانقسام القديم الموجود في البلاد، والقائم على أساس الانتماءات الدينية والإقليمية داخل المجتمع. وقد ازداد ذلك مع التمحور الطائفي المتزايد في الصراع، مع استثناءات ملحوظة مثل اتحاد منظّمات الإغاثة والرعاية الطبية (UOSSM).[4] التي قدّمت خدماتها للسكّان من جميع أنحاء سوريا بدون تمييز، وشاركت مع المنظّمات غير الحكومية الدولية مثل منظّمة أطباء بلا حدود، أو الجمعيات الإعلامية التي عملت على تغطية جميع المناطق في البلاد.

وتشير التقديرات إلى أنه حتى عام 2013، مثّل دعم الشتات ما يقارب 80% من احتياجات المدنيين النازحين قسراً. ولكن في وقت لاحق، تطلّب المستوى المرتفع من التدمير والزيادة في أعداد المدنيين المحتاجين للدعم مساعداتٍ هائلة من المجتمع الدولي، الأمر الذي مثّل تحدياً غير مسبوق لوكالات المعونة الدولية، سواء من حيث حجم المعونات اللازمة أو الوصول إلى المناطق المُتضرِّرة. ولعبت منظّمات الشتات دوراً حاسماً في هذا الصدد كما لاحظت التقارير الدولية. "لقد أدّى الافتقار إلى الوجود المادي لوكالات المعونة الدولية إلى تسليط الضوء على ما يُطلَق عليه الاستجابة المحليّة، وهي عبارة عن جماعات ومنظّمات لا تنتمي إلى القطّاع الإنساني الرسمي أو التقليدي للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظّمات غير الحكومية الدولية (...)، وقد ملأت هذه الجماعات عن غير قصد الفجوة التي خلّفتها محدودية الوجود الدولي، حيث قدّمت كلاًّ من المساعدة والحماية (...). ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)؛ تمّ تأسيس ما بين 600 إلى 700 مجموعة محليّة منذ بداية الصراع. (...) وهي تلعب دوراً حيوياً في الاستجابة للاحتياجات التي لا يمكن تلبيتها على نحو كافٍ، أو لا تلبّيها على الإطلاق. لقد جعلت التحدّيات في الوصول إلى السكّان المحتاجين من قبل النظام الإنساني الرسمي من الشراكات مع هؤلاء الأطراف أداة أساسيّة في الاستجابة السورية".[5]

 

إمكانات الشتات السوري في المساهمة بمرحلة ما بعد الصراع:

كانت مجتمعات الشتات السوري، طوال فترة الصراع في سوريا، مرنة وقوية. وقد أظهرت رغبتها في استخدام خبراتها ومعرفتها ومواردها وإمكاناتها لدعم سوريا والسوريين المحتاجين في معظم بلاد العالم. وكانت هذه المجتمعات تعمل في أسوأ الظروف، ومن المُرجّح أن تستمرّ في القيام بذلك، ومن الممكن القول إن الشتات لن ينتظر أن يحدث تغيير في هيكل السلطة في البلاد من أجل مواصلة الأنشطة التي بدأها في عام 2011. وثمّة حوافز غير مادية للبقاء على اتصال بالوطن وهو ما يُشجّع على الاستثمار في مرحلة مبكرة في برامج إعادة الإعمار. أمّا إذا فشلت شروط التسوية السياسية في إيجاد نظام حكم شرعي ومُستقرّ فسوف يميل المغتربون -على الأرجح- إلى العمل من خلال المبادرات الخاصّة والمُنظّمات المُجتمعية وصلات القرابة وغيرها من القنوات غير الرسمية كما فعلوا دائماً طوال فترة الصراع، ولكن من غير المُحتمَل أن يقلّلوا من دعمهم.

والأسئلة التي تنشأ هنا لا تدور حول ما إذا كانت مجتمعات الشتات سوف تنخرط أم لا، وإنما تتعلق أكثر بالسؤال عن كيفية انخراط الشتات مع الوطن في أعقاب النزاع. ولا شكّ أن ثمّة العديد من المُتغيرات التي تُؤثِّر على سلوك المغتربين وتعيد تشكيل مساهمتهم، أبرزها شروط التسوية السياسية من جهة وقدرتهم على التنظيم من جهة أخرى.

فإذا تمّت عملية انتقالية يباركها المجتمع الدولي ككلّ؛ سيكون ثمّة فرصة كبيرة أن يقوم الشتات بتعبئة إمكاناته وشبكاته للمشاركة بكثافة في عملية إعادة الإعمار. وعلى العكس من ذلك، فإن استعادة النظام الحالي السيطرة الكاملة على البلاد سوف تعمّق -من المُرجّح- الصدع بين معارضي الأسد والموالين له داخل مجتمعات المغتربين، وهو ما سيقف في وجه تدفّق الأموال من أفراد الشتات السوري الذين دعموا الانتفاضة.

الأمر الثاني الذي يُؤخذ في الاعتبار هنا هو مستوى الحريّة الذي تتمتّع به مجتمعات الشتات في السياقات الوطنية لبلدانها المُضيفة، فالمجتمعات السورية في أمريكا الشمالية وأوروبا تتمتّع بمساحة أكبر لتنظيم الأنشطة العامّة والدعوة السياسية والانخراط فيها، من تلك الموجودة في دول الخليج، حيث يُحجِم الأفراد المُحسنون عن اتخاذ موقف علني أو الانخراط في المبادرات الجماعية، على الرغم من أنّهم يساهمون بأموال كبيرة لدعم السوريين داخل البلاد.

وتشير جميع خصائص الشتات السوري إلى أنّ هذا الشتات قابل لأن يتحوّل إلى لاعب مُؤثّر مع دور قويّ مُحتمل عندما تبدأ عملية إعادة الإعمار. ويكمن التحدّي الحقيقي في قدرته على تنظيم نفسه بشكل عابر للحدود الوطنية وإضفاء الطابع المؤسّسي على جهوده. وثمّة أمثلة يمكن استلهامها من جماعات المغتربين الأخرى في جميع أنحاء العالم، مثل الصين والهند وإيرلندا والمكسيك وأفريقيا.

 

أشكال مساهمة الشتات وتنظيمه:

أضحت مجتمعات الشتات الآن مُعترَفاً بها كأطراف فاعلة رئيسية في تنمية مجتمعاتها، ويتعاظم دورها في التحليلات المستقبلية والتخطيط لمساعدات إعادة الإعمار والتنمية التي تقدّمها المؤسّسات الدولية. وقد ازدهرت دراسات الشتات على مدى العقدين الماضيين، وبخاصّة مع تطوّر الأبحاث حول العولمة.[6] وتقدِّم هذه الدراسات دليلاً حول الدور الحاسم لمساهمات المغتربين في البلدان الأصلية، تلك المساهمات التي لا تفيد الاقتصادات فحسب؛ بل تُؤثِّر أيضاً على الديناميكيات الاجتماعية من خلال تشجيع مجتمعات أكثر انفتاحاً وأكثر ارتباطاً، مع وجود وعي سياسي أكبر، خاصّة وأنها تستفيد من التقنيات الحديثة والشبكات والأفكار والقيم والأعمال الفنية التي ينقلها الفنانون والمثقفون في المنفى لمجتمعهم في المنزل.

وتعرّف بيغي ليفيت Peggy Levitt "التحويلات المالية الاجتماعية" بأنها "الأفكار والسلوكيات والهويّات ورأس المال الاجتماعي التي تتدفّق من البلدان المُستقبِلة إلى مجتمعات البلد المُرسِلة".[7] ورغم أن تقييم التغيّرات التي تخلقها هذه التحويلات أكثر صعوبة من مجرّد تقييم المساهمات الاقتصادية المباشرة؛ فإنّ مثل هذه التغيّرات هي تماماً ما يمكن أن يُؤثّر على المواقف تجاه حقوق الإنسان، وحقوق المرأة ومزايا عملها. وهكذا يبدو وكأنّ عملية استنزاف العقول التي تحدث على مرّ السنين يتمّ تعويضها من خلال إعادة العقول لخدمة البلاد.

كما تُظهِر الدراسات أيضاً أن برامج الجهات المانحة التي تمّ تطويرها بالتعاون مع مجموعات الشتات تنزع أكثر إلى تعزيز اعتماد المجتمع على نفسه، وبالتالي تميل إلى أن تكون أكثر استدامة من برامج المعونة الأخرى. وفي حين تركّز وكالات التنمية الدولية على المشروعات والنتائج؛ فإنّ مجموعات الشتات تميل إلى التركيز على البشر، وتركّز على هدف بناء رأس المال الاجتماعي واستدامته.

ولا شكّ أنّ السوريين سوف يستفيدون من الدراسات التي جرت على مختلف مجتمعات الشتات لاستكشاف أشكال التنظيم المختلفة والنظر في نماذج للبنى من القطّاع الخيري في الشتات على مستوى العالم. ففي معظم الأحيان، يتمّ تنظيم مجتمعات الشتات في تركيبة من البنى بما في ذلك روابط المهاجرين التي تضمّ مهاجرين من المنطقة نفسها، وجماعات القرابة العرقية وجمعيات خريجي الجامعات والمنظّمات الدينية والجمعيات المهنية والمنظّمات الخيرية والمنظّمات غير الحكومية الإنمائية ومجموعات الاستثمار والشركات التابعة للأحزاب السياسية ومنظّمات الإغاثة الإنسانية والمدارس والنوادي الثقافية والشبكات الافتراضية واتحادات المنظّمات.

وتقدّم الصين المثال الأكثر وضوحاً على مساهمة الشتات التي أحدثت تغييراً مذهلاً في الوطن الأم. وقد تمّ ذلك برمّته قبل الشركات الخاصة. ولأخذ فكرة عن ذلك سنورد أحد الأرقام الذي يفصّل هذه المساهمة. في عام 2002، من أصل حوالي 48 مليار دولار تمّ ضخّها في الاستثمار الأجنبي المباشر داخل الصين القارية، جاء نحو 26 مليار دولار منها من الشتات الصيني. وعلى عكس حال البلدان التي يكون فيها عامل الهوية مهمّاً؛ لم يكن الإحساس القومي الصيني هو ما حدا بالعلاقات التجارية بين مجتمعات الشتات الصيني والصين القارية للنموّ، بل كانت فرص الربح الواضحة بسبب مجموعة من العوامل المنعشة، مثل النموّ السريع للغاية لهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة في السبعينيات والثمانينيات وزيادة الحمائية في الغرب والإصلاح الاقتصادي في الصين والشبكات الشخصية أو المناطقية. لقد كانت تلك جميعها أكثر أهمية من المشاعر، أو من أيّ جهد من جانب الحكومة الصينية للجوء إلى الشتات.[8]

وتشيع شبكات الأعمال في أوساط المغتربين، وفي حين تقتصر بعضها على كونها غرفاً تجارية أساسها مجموعة إثنية مستقرّة منذ زمن طويل داخل حدود بلد مُضِيف واحد؛ فإنّ بعضها الآخر تطوّر مؤخّراً ليغدو منظّمات تجارية عابرة للحدود الوطنية بشكل حقيقي. ويَستخدم العديد منها تكنولوجيا المعلومات لإنشاء علاقات بين المشاركين وتنمية هذه العلاقات والمحافظة عليها. وإحدى هذه الشبكات، على سبيل المثال، هي الشبكة اللبنانية للأعمال، وهي مؤسّسة غير ربحية تعمل كرافعة لتطوير الأعمال ولها سوق على الإنترنت وقاعدة بيانات مُطابقة للأعمال. وتهدف الشبكة إلى خلق روابط بين روّاد الأعمال اللبنانيين والمغتربين ومؤسّسات الأعمال الدولية، من خلال تحديد فرص العمل ومجالات الشراكة المُحتمَلة.

كما شكّل المكسيكيون في الولايات المتحدة جمعيات تقوم على أساس المدينة التي جاؤوا منها، وتهدف هذه الجمعيات إلى أمرين اثنين: تقديم الدعم الاجتماعي للمهاجرين الجدد، والدعم الاقتصادي للمناطق التي قدموا منها، وهو ما كانت تفعله أيضاً روابط وجمعيات مماثلة للإيرلنديين والبولنديين والإيطاليين ومجموعات المهاجرين الأخرى التي جاءت قبلهم إلى الولايات المتّحدة.

ولا تقف فوائد هذه الشبكات عند حدود الاستثمار المُربِح، بل تذهب أبعد من ذلك، وتبيّن الحالة الهندية مثلاً أن التمثيل المُنظّم للمغتربين قد عزّز ثقة الهند بنفسها وثقة المستثمرين الأجانب بشأن إمكاناتها على الرغم من المشكلات العديدة التي تواجهها. وقد فتحت شركات مثل "ياهو وهيوليت باكارد (Hewlett Packard) وجنرال إلكتريك مراكز للبحث والتطوير في الهند، ويعود ذلك إلى حدّ بعيد إلى الثقة التي ولَّدها وجود العديد من الهنود الذين يعملون في مقارّ هذه الشركات في الولايات المتحدة. ولعل مردَّ ذلك هو التأثيرات المعرفية الناشئة عن إسقاط هويّة متماسكة وجذّابة وتقدميّة من جانب الشتات، مما يدل على الرخاء والتقدّم للمستثمرين المحتملين والمستهلكين".[9]

وفي قطاع الأعمال الخيرية، تعدّ مبادرة "التأثير المشترك" (Co-Impact) في الهند نموذجاً مهمّاً للتعاون بين خمس مؤسّسات من الأكبر في العالم وشريكَين هنديَّين لتنفيذ برنامج بقيمة 500 مليون دولار أمريكي لتوفير الخدمات الطبية والمرافق التعليمية والوظائف للأشخاص الأكثر عرضة للخطر.

وغالباً ما تشكّل مجتمعات المهجر حلقات مانِحة، هي عبارة عن جماعات مُستقِلّة ذاتية التنظيم من الأفراد الذين يجمعون تبرُّعاتهم ويقرّرون بشكل مشترك أيّ المناحي أو البنى يريدون تمويلها. وفي بعض الحالات تستضيف هذه الحلقات منظمة أخرى. وتخلق هذه الحلقات آليات وسيطة ضرورية من أجل تجميع العطاء الفردي وتوسيع دائرة المانحين.

 

الآفاق والتحديات بالنسبة للشتات السوري:

اكتسبت المجتمعات السورية في الشتات مهارات وخبرات وموارد مكّنتها من النجاح في البلدان المُضيفة لها. وبات الإحساس بالانتماء الذي لا يقوم على المناطقية في الأمّة يتأصّل لديها. وأفراد هذه المجتمعات قادرون اليوم على لعب دور مهمّ إذا تمّت الاستفادة من إمكاناتهم وممتلكاتهم لصالح سوريا. وقد انضمّ اللاجئون الوافدون حديثاً الذين لديهم فرصة لتطوير مساراتهم الخاصّة إلى مجتمعات الشتات الأقدم، وسوف يُثرون الهويّة السورية في المهجر.

ولا شكّ أن الترابط بين هذه الجماعات هو في حدّ ذاته مكمن قوّة، يمكن أن يساعد في تحويل رأسمال الشتات بمعانيه الأوسع (المالية والبشرية والفكرية) إلى مشروعات عمليّة يمكنها أن تكون بمثابة جسور للمعرفة والدراية والموارد والأسواق. وسوف يفيد هذا الجميع؛ أعضاء الشتات والدول المُضيفة والوطن السوري. وكما يُلاحِظ أحد المحسنين الإيرلنديين البارزين في المهجر، فإن "الغراء الرئيسي في الأعمال الخيرية الناجحة في الشتات هو التواصل على مستوى عالمي، وحصد أفضل الأفكار والابتكارات من جميع أنحاء العالم وتطبيقها (...) يجب على البلدان أن تستخدم مجتمعاتها في الشتات للتواصل في طريقها نحو النجاح".[10]

ومع اقتراب الصراع في سوريا من نهايته، تتحوّل احتياجات السوريين داخل البلاد. فالسوريون اليوم يبحثون في كيفية إعادة بناء أنفسهم ودائرة أسرهم المباشرة وبيئتهم المحليّة، بدلاً من مواجهة معاناة العنف وانعدام الأمن. ويدرس اللاجئون الاحتمالات المُتعدّدة لتحديد ما إذا كان بإمكانهم العودة إلى سوريا أو التخطيط للبقاء فترة طويلة في البلدان المُضيفة.

لقد قاد عدد لا يُحصى من السوريين الذين لديهم أصول وإمكانات مالية جيدة منظماتٍ سخيةً وفعّالة ومهنية. وحان الوقت الآن للاعتراف بالسلطة التي يمتلكها السوريون في الخارج وتصميم استراتيجية للشتات. إن لدى المغتربين السوريين دراية الآن بالعمليات والتقنيات والشبكات والمجالات الجديدة للمعرفة والأساليب التي يحتاج إليها السوريون الذين لم يغادروا سوريا.

من المُرجَّح أن معظم السوريين لن يعودوا للعيش في سوريا، وعلى الرغم من ذلك فإنّ جميع السوريين في الشتات حريصون على المساهمة عن طريق تقديم المشورة والتوجيه والتدريس والتبرع والقيام بزيارات مؤقّتة لبلدهم بحيث يصدِّرون إليه مرة أخرى المهارات والقيم والمعايير التي اكتسبوها في دول المهجر التي استضافتهم. ولن تستطيع سوريا النهوض من جديد إلا إذا تمّ تجميع المواهب وتنظيمها بطرق تخدم هذه الاستراتيجية، وعندها ستقوم سوريا الجديدة بمساعدة الجيل الشابّ من السوريين على تحقيق كامل إمكاناتهم، على الرغم من المآسي التي عاشوها، وسوف تتمكّن من أن تبني مجتمعات ذكية في مختلف المجالات وأن تحقّق المجتمع العصري القائم على التكافؤ بين الجنسين والتنوّع كأولويات. وأكثر من أي مصدر آخر للمساعدة، يمكن للشتات أن يضمن الاستمرارية، لأنه في المقام الأول أقلّ عرضة للإرهاق من الجهات الأجنبية الفاعلة.

إن لمجتمعات الشتات نزوعاً طبيعياً للعمل عبر القنوات غير الحكومية، ولا سيما منظّمات المجتمع المدني والمؤسّسات الخاصّة. واليوم ولعدّة سنوات قادمة، سيقع العبء الأكبر على المجتمع المدني والمبادرة الخاصّة لتحسين حياة السوريين. ويمكن لشبكة من شتات السوريين الناجحين والمبدعين أن تشكّل البنية التحتية لنظام الدعم وأن تنقل الموارد والسلطة إلى السوريين. ولا بدّ لنجاح هذا المسعى من الثقة، فمجتمعات الشتات تنمو بطريقة عضوية تعتمد على الثقة والشبكات والاهتمامات المشتركة.

ويمكن للشتات المُنظَّم أن يضمن استقلالية الأجندة وتعزيز شرعية منظّمات المجتمع المدني من خلال جعلها أقلّ اعتماداً على التمويل الأجنبي. كما يمكن أن يعزّز شرعية التمويل الأجنبي من خلال إظهار أن الشركاء الأجانب يقدّمون الدعم وفقاً لجدول أعمال سوريّ. فعندما يُنظَّم الشتات كممثل جماعي، يمكنه أن يشغل مقعداً على طاولة صنع القرار لدى الجهات الدولية الفاعلة، ويمكنه أن يلعب دوراً حاسماً في دفع الشراكات الدولية والعابرة للوطنية. ويمكنه أن يُحوِّل بعض القوة التي تكمن اليوم داخل المنظّمات الدولية ويسهم في إعادة بناء شعور مُتجدِّد للسيادة أكثر مرونة لأنه يعتمد على إمكانات المجتمع بدلاً من مجرد السيطرة على الأرض.

كما يمكن للشتات المُنظَّم أن يجمّع علاقاته داخل البلد لتوفير الوصول إلى معلومات موثوقة حول الاحتياجات المتطوِّرة للسوريين في المنزل. وسيكون لديه القدرة على تحديد الأولويات والتحرّك بشكل أسرع وأكثر ذكاء. كما يمكن أن يساعد مجتمعات الشتات التقليدية التي تعمل من خلال الروابط الأسرية والصلات الثقافية والطائفية والمناطقية على تنويع تبرّعاتها بما يتجاوز القنوات التقليدية.

والحقّ أن الشتات السوري لديه كلّ الخصائص اللازمة لتنظيم أشكال مُتعدِّدة من القوّة الناعمة ولعب دور القناة من خلال تسهيل تدفّق رأس المال والأفكار والمهارات والناس، والإشارة إلى القنوات التي يمكن من خلالها تقديم الدعم بأكثر الطرق فعاليّة. وتشجّع وكالات المعونة الحكومية والمؤسّسات الكبيرة على تشكيل اتحادات يمكن أن تعمل كمحاورين وشركاء محتملين من أجل إثارة مبادرات المشاركة ذات التأثير المشترك التي ذكرناها من قبل في الهند.

إن فهم قوّة موارد الشتات السوري والاستفادة من رأسماله الفكري والمالي هو وسيلة فعّالة لتعزيز دعم الجهات الفاعلة الأخرى غير السورية الذين يبحثون عن طرق للمساعدة، كالمانحين الدوليين والمؤسسات والوكالات الحكومية.

وفي الوقت الحالي، لا يزال الشتات السوري يعيش طور إدراك حجمه وأهميته، ولكنه لم ينظّم نفسه بعد بشكل واعٍ، ليصبح لاعباً استراتيجياً وشريكاً يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد سوريا من خلاله على طريقها الطويلة إلى الانتعاش.

 


[1] غابرييل شيفر (Sheffer، Gabriel)، المغتربون الحديثون في السياسة الدولية. لندن: Croom Helam، 1986.

[2] المركز الأوروبي لسياسات الهجرة.

[3] وفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، اللاجئون السوريون يرسلون التحويلات إلى الوطن، 27 أيار/مايو 2016. متوفّر على الرابط:

https://www.arabamerica.com/syrian-refugees-send-remittances-back-home

[4] UOSSOM هو تحالف من المنظّمات الإنسانية وغير الحكومية والطبية من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا وسويسرا وتركيا. لمزيد من المعلومات يمكن مراجعة الرابط:

http://www.uossm.org

[5] إيفا سفوبودا وسارة بانتوليانو، الجهات الدولية والمحلّية والجاليات في الاستجابة لسوريا: أوراق العمل والمناقشات، تقرير مجموعة السياسات الإنسانية، آذار/مارس 2015، متوفّر على الرابط:

 https://www.odi.org/publications/8714-international-and-localdiaspora-actors-syria-response

[6] كاتلين نيولاند وإيرين باتريك، أبعد من التحويلات الصغيرة: دور الشتات في القضاء على الفقر في بلدانهم الأصلية، معهد سياسات الهجرة، 2014.

هيلين بيليرين وبيفيرلي مولينجز، خيار الشتات: الهجرة والاقتصاد السياسي المتغيّر للتنمية، مجلة International Political Economy، 2012.

[7] Peggy Levitt Social Remittances: Migration Driven Local-Level Forms of Cultural Diffusion, The International Migration Review, Vol. 32, No. 4 (Winter, 1998). Available at:

https://is.muni.cz/el/1423/jaro2012/SAN202/um/SocialRemittances_MigrationDrivenLocal-LevelFormsofCulturalDiffusion.pdf

[8] Kathleen Newland and Hiroyuki Hiroyuki, Mobilizing Diaspora Entrepreneurship for Development, Migration Policy Institute, 2010. Available at:

https://www.migrationpolicy.org/research/mobilizing-diaspora-entrepreneurship-development

[9] ديفيش كابور، مجتمعات الشتات ونقل التكنولوجيا، مجلة التنمية البشرية، المجلد 2 العدد 2، 2001, متوفّر على:

https://casi.sas.upenn.edu/sites/default/files/bio/uploads/Diaspora communities_and_Technology_Transfer.pdf

[10] كينغزلي آيكنز، مهارة الإيرلنديين، Alliance Magazine Diaspora Philanthropy، 6 آذار/مارس 2018.