You are here

المهجر اللبناني: جاليات تتغذى من الصراعات في البلد الأم وتُغذّيها

أوراق بحثية
TitleDownload
© محمد شرف لتحميل الورقة

مُلخّص

لبنان جمهورية صغيرة يبلغ عدد سكانها 6 ملايين نسمة، وهو بلد "ميال للهجرة" ومقصد رئيسي للاجئين والعمال المهاجرين، على حدّ سواء. وسيركز هذا العرض بشكل خاص على علاقات لبنان المعقدة مع مجتمعات الشتات. وبعد أن تراجع هذه الورقة تاريخ الهجرة في لبنان، ستقوم بتفكيك تفاعلات الشتات اللبناني المعقدة مع الحرب وسياسات ما بعد الحرب. وبينما تشارك مجتمعات الشتات اللبناني بشكل فعّال في تطوير بلدهم وأنشطته الاقتصادية والمجتمعية والسياسية، فإن العرض سيظهر أن مشاركتهم لا تجابه الطبيعة الطائفية لشكل الحكم في لبنان. بل على العكس، فإن التشرذم السياسي للبنانيين في الخارج يكرس ويديم أنماط التعبئة الطائفية. ولا بدّ لفهم "مجال الشتات" المجزأ في لبنان من مساءلة سياسة الدولة تجاه مجتمعات الشتات اللبناني، حيث أن الدولة اللبنانية لم تنجح حتى الآن في تطوير جهاز بتطوير سياسة مؤسسية لتوجيه مساهمات الشتات، ولم تقدم حقوقًا كبيرة لشتاتها. ويبقى أن نرى ما إذا كان التمديد الأخير لحقوق التصويت خارج الحدود سوف سيبشر بعهد جديد من مشاركة المغتربين في السياسة اللبنانية، وإذ كان كذلك فكيف؟

 

مقدمة

لبنان جمهوريّةٌ صغيرة يبلغ عدد سكّانها 6 ملايين نسمة، وهو بلدٌ "ميّال للهجرة" (عبد الهادي 2006: 434؛ ديبه وآخرون 2016). وبينما يعيشُ خارج لبنان ما يقدّر بنحو 885.000 مهاجرٍ مَولودٍ في لبنان (دي بيل إير 2017)، تفيدُ بعض المصادر أنّ حوالي 14 مليون شخصٍ من أصل لبناني منتشرون في جميع أنحاء العالم (طويل 2015). وفي الوقت نفسِه، كان لبنان وجهةً رئيسيّة للّاجئين والعمّال المهاجرين (دي بيل إير 2017). ومنذ الخمسینیّات، توافَد على هذا الكيان الصغير لاجئون من بلدان مُختلِفة في العالم العربي، وهي فلسطين والعراق ومؤخَّراً سوریا (منذ عام 2011). كما أنهّ كان مقصداً تقليديّاً للعمّال المنزليّين والمهاجرين العامِلين من أفريقيا (مثل مصر وإثيوبيا) وآسيا (مثل الفييلبّين).

دون التقليل من أهميّة الديناميّات المعقّدة للهجرة في لبنان، ستركّز الورقة على مشاركة المغتربين اللبنانيين وتفاعلِهم مع الحرب اللبنانية وسياسات ما بعدَ الحرب. وستسلّط الضوء على مشاركة المغترِبين اللبنانيّين في التنميَة والشؤون السياسيّة، مبيّنةً أن مجتمَعات الشتات اللبنانيّة تشارك في مختلف الأنشطة الاقتصاديّة والمجتمعية والسياسية، دون أن تتمكّن تلك المشاركة من تجاوز الطبيعة الطائفيّة للنظام السياسي اللبناني. بلْ قد يكون العكس هو الصحيح، فالتشرذمُ السياسيُّ لمجتمعات الشتات اللبناني يُعيد إنتاج أنماط التعبئة الطائفيّة ويديمُها (سكولت عويس، طبر2015).

 

 أولاً - مَوجات الهجرَة وخصائصُ الشتات اللبنانيّ

وقعت أحداث الهجرة في لبنان في مراحل مُتعاقِبة، ويُمكن وسمُ الشتات اللبناني بصفتَين: "رياديّ" و "ناشئ عن النزاع": فهو رياديُّ بقدر ما هاجر اللبنانيّون بحثاً عن فُرص اقتصاديّة جديدة (ستيل، 2013) ونتاجٌ للصراع أو متأثَّر به (كوينوفا 2011)، حيث أنَّ الحروب المتكرِّرة وحلقات الصراع دفعت اللبنانيين إلى البحث عن بيئات أكثر استقراراً.

 في القرن التاسع عشر، بَحث المهاجرون الأوائل في لبنان عن وجهات جديدة في أمريكا اللاتينيّة والوسطى والشماليّة لتحسين سبلِ عيشهم الاقتصاديّة والهروب من التوتُّرات الطائفيّة. وفي أعقاب استقلال لبنان عن الحكم الفرنسي وقيام الدولة اللبنانية في عام 1943، توَجّه اللبنانيّون إلى مَناطق جديدة، وهي أستراليا وأوروبا الغربيّة (فرنسا) ودوَل الخليج وغرب أفريقيا. ومع اندِلاع الحرب الأهليّة من عام 1975 حتى عام 1990، فرّوا من حالة عدم الاستِقرار والصراع واستقرّوا في أمريكا الشماليّة وأستراليا.  كما أصبحت ألمانيا والسويد وجهةً شعبيّة للّبنانيّين والفلسطينيّين الذين هرَبوا من الصراع في جنوب لبنان أثناءَ العمليَات العسكرية الإسرائيلية أواخرَ السبعينيّات وأوائل الثمانينيّات. على أنّ الهجرة لم تهدأ مع نهاية الحرب، وبحكم فرص العمل المحدودة وتكرُّر المواجَهات، مثل حرب تموز/يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل، توجّه اللبنانيّون إلى الخليج وأوروبا الغربيّة وأمريكا الشماليّة. ولا ندري اليوم ما إذا كانت القيود المتزايدة على أنظمة الهجرة الغربيّة والتدابير الأمنية ضدَّ المهاجرين في منطقة الخليج سوف تؤدّي إلى انخفاضٍ في الهجرة اللبنانية أم لا.

وعلى الرغم من التباينات في مستوى مهارات اللبنانيين الذين هاجروا قبل الثمانينيات، فإنّ الشتات اللبناني عموماً يتمتّع بتعليم عالٍ (دي بيل إير 2017). وتشكِّل الحوالات الماليّة التي يُرسلها اللبنانيّون في الخارج، وبشكلٍ أساسيّ من الخليج وأيضا من أفريقيا وأمريكا الشمالية، حوالي 15 إلى 20٪ من الناتِج القوميّ الإجماليّ للبنان (محمود 2016). وليسَ من الواضح ما إذا كانت هذه الحوالات قد عزّزت التنميَة المجتمعيّة، ولكنَّها بالتأكيد ساهمت في دعم الأُسَر واستِقرار الاقتِصاد اللبنانيّ الراكِد من خلالِ توفير السيولة وتدفُّقات رأس المال في اللحظات الحرِجة (محمود 2016).

 

ثانياً - الشتاتُ اللبنانيُّ ومجال دراسته المعقّد: الروابط السياسيّة والمشارَكة في شؤون الوَطن

إنّ الروابط السياسية بين الشتات اللبناني والوطن معقّدة ومتفاوِتة المستويات. ولا بدّ من قراءتها في سياق النظام المحلّي في لبنان، والذي غالباً ما يقوم على أساس التقاسم الطائفيّ أو المذهبي. ففي النموذَج السياسيّ اللبنانيّ، يتمّ ضمان التمثيل من خلال ترتيباتٍ طائفيّة محدّدة مسبقاً: الرئيسُ مسيحيٌّ مارونيّ، رئيسُ الوزراء سنّيّ، ورئيس مجلس النوّاب شيعي. وتنقسم المقاعد التشريعيّة مناصفة بين المسلِمين والمسيحيّين، وتتوافق تعيينات الخدمة المدنيّة مع الحصص الطائفية الثابِتة. وهناك إجماع بين الباحثين الأكاديميّين على أنّ هذا النموذج السياسيّ يُضعِف بناءَ المؤسّسات، ويُشجِّع التركيبات الطائفيّة القائمة على أساس رعويٍّ يُقايض الخدَمات بالدعم السياسيّ، سواءً على الصعيد المحلّيّ أو الوطنيّ. ويقف أعضاء كلِّ فئة أو طائفة وراءَ زعيمِهم الطائفيّ، الذي يُعتبَر "حارسَ الطائفة"، لضمان مصالِحهم السياسيّة ونفوذهم في السياسة الداخليّة في لبنان.

ومن منظورٍ واسع، يُمكن القول إنّ الجاليات اللبنانيّة في الخارج حافظت على اهتمامِها بشؤون الوطن (سكولت / طبر 2015)، وعبّرت عن رغبتِها في الاعتراف بها كقوّة سياسيّة في ديناميّات الحكم في لبنان. وكمثالٍ على ذلك، فقد سلَّط المغترِبون الضوء على ضرورة تَخصيص مقعدٍ برلمانيّ يمثِّل مصالحَ المغترِبين ويعبِّر عن مطالبِهم (عبد الهادي 2006 : 445). كما ضغطت المجموعات من أصلٍ لبنانيّ على الحكومة لمنحِهم الجنسيّة (جولين 2006)، وحشَد عددٌ لا يُحصى من منظَّمات ومَجموعات الشتات من أجل إدخال مبدأ التصويت خارجَ البلاد ليَكون لها رأي في العمليّات السياسيّة في فترة ما بعد الحرب.

  1.  المغتربون اللبنانيون في حلقات الصراع: عوامل مخفِّفة للصراع أم مذكِّية للاستقطاب؟

خلالَ فترات الصراع الرئيسيّة في البلاد، مثل الحرب الأهليّة في لبنان وحرب حزب الله-إسرائيل في تموز/يوليو 2006، اعتقدَت مجموعات الشتات في لبنان أنّها تلعب دَوراً في تَخفيف حدّة الصراع. بَيد أنّ أنماط استقطابِها كانت تُعيد، في الوقت نفسِه، تكريسَ سياسات الصراع في لبنان وإدامتِها.

وخلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة (1975-1990) وما أعقبّها (1990 فصاعداً)، أرسل المغتربون مساهمات ماليّة وتبرُّعات لأسَرِهم ومجتمعاتِهم ومدنِهم (لبكي 2006؛ الحوراني 2007). كما أنّهم ضغطوا على حكومات دوَلٍ مثلَ كندا وأستراليا خلالَ حرب لبنان للترحيب بالفارّين من أتون العنف السياسيّ. ومع اندلاع حرب تموز/يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل، أرسَلت الجاليات اللبنانيّة في الخارج تبرُّعات ومواردَ لمساعدة الهاربين من العنف في جنوب لبنان (الحوراني 2007)، ونظّمت الجالِيات في أفريقيا وأمريكا الشماليّة احتِجاجات تُظهر التضامن مع مواطنيها (ليشتمان 2010). وحاول الكنَديّون اللبنانيون أن يضغطوا على حكومة هاربر في كندا لتعيدَ النظر في موقفِها المؤيد لإسرائيل في ذلك الوقت، ولكن مِن دون نجاح يُذكر (فاخوري غير منشور).

على أنّه باستثناء مَظاهر التضامن والمساعدات الماليّة، لم يَقم اللبنانيّون الذين يَعيشون في الخارج بتقديم مطالبَ موحّدة إلى بلادهم ولم يَتم تعبئتهم من أجل برامج مشتركة، بل إنهم، على العكس، عززوا السياسات الحزبية والاستقطابية في لبنان (سكولت وطبر 2015). ويُجادل لبكي (2006) أنَّ تجمُّعات الشتات المنتشِرة في كلِّ أصقاع الأرض قد عزَّزت مصالح الأحزاب السياسيّة على أسُس طائفيّة، وذلك طوال الحرب الأهلية. فالمجتمَعُ الشيعيُّ في غرب أفريقيا قدّم مِنصّة دعم لحركة أمل، في جين سعى المسيحيّون من اللبنانيّين في أمريكا الشمالية إلى تعزيز قاعِدة السلطة للأحزاب المسيحيّة مثلَ القوّات اللبنانيّة. وفي الوقت نفسه، أنشأ القادة السياسيّون إبّان الحرب منظّمات في الشتات وفقاً لخطوط طائفية. ففي حين أسَّس الموارِنة مبادرة "الاتّحاد الماروني العالميّ" في عام 1979، قام الدروز بعد بضع سنوات بتأسيس المؤتمر الدوليّ للدروز. كما قام زعماءٌ شيعة بإنشاء مبادرةٍ للمهاجِرين الشيعة (لبَكي، 2006، 15). وفي ظلِّ هذا المناخ، وُضعت ولاءاتُ المغترِبين نفسِها داخلَ النظام الحزبيّ الطائفيّ في لبنان. وقد أَحبَط ذلك ظهورَ برنامجٍ موحّد واستراتيجي لمغترِبي الشتات، كان يُمكِن أن تكون له قوّةٌ في مبادرات حلِّ النزاع التي كان ينبغي أن تسعى إلى وضعِ حدٍّ للحرب الأهليّة في لبنان.

  1. المغتربون في مَرحلةِ ما بعدَ الحرب

في فترة ما بعد الحرب (1990 فصاعداً)، انتشرت المنظّمات والنوادي في الشتات، مُفصحةً عن رؤى متبايِنَة لهويّة لبنان وسياساته. وتُبيِن دراسةٌ لمبادراتٍ عبر الإنترنت من المغترِبين اللبنانيّين في كندا وفرنسا أنَّ المواقعَ الإلكترونيّة المسيحيّة والمسلِمة لا تتواصل في الحقيقة مع بعضِها، ممّا يدلّ على أنّ هذه المبادرات مُتشرذِمة وفقاً للانقِسامات الدينيّة والسياسيّة (أسال 2012).

وفي حين أنَّ بعض المواقع الإلكترونيّة تتعامل مع مجتمَعٍ لبناني عبروطنيّ، تَستهدِف مواقعُ أخرى طائفةً دينيّةً أو فصيلاً سياسيّاً معيَّناً، ممّا يشير إلى تشعُّب علامات التماهي والولاءات في مجتمعات الشتات. وبوجه عام، فإنَّ جمعيّات الشتات ذات التوجُّه الديني مُهتمّة بالتواصل مع المُجتمع الديني العبروطني وبتوطيدِ روابط التضامن القائمة على الدين[1]. فعلى سبيل المثال، أنشأ اللبنانيّون الشيعة في السنغال مؤسَّسات تُعزِّز الإسلامَ الشيعيّ وروابط التضامن مع المجتمع الشيعيّ العبروطني (ليشتمان 2017). وقد أنشأت بعضُ المجموعات في أوروبا وأمريكا الشماليّة أنديةً وجمعيّات تستهدِف على وجه التحديد المجتمعَ اللبنانيّ المسيحيّ.

ووَضعت جمعيّات الشتات جداوِل أعمالِها السياسيّة بحيث تَعكس الطيف السياسي المستقطَب في لبنان في فترة ما بعد الحرب في تكتُّلَي 8 آذار/مارس و14 آذار/مارس (أسال 2012). ومنذ انسِحاب القوّات العسكريّة السوريّة من لبنان في نيسان/أبريل 2005، انقسَم لبنان إلى تكتُّلين جامعَين، يُطلَق عليهما تحالفُ 8 آذار/ مارس مقابلَ تحالف 14 آذار/مارس. ويقود تحالفَ 8 آذار حزبُ الله وحلفاؤه الشيعة، بما في ذلك حزبُ أمل، والتيارُ الوطنيّ الحرّ ذو القاعدة المسيحيّة. ويَحتفظ التحالف بعلاقات وثيقة مع النظام السوري ويُدافع عن الجناح العسكري لحزب الله ضمنَ دولة ضعيفة ومِنطقة مُضطربة. أمّا تحالف 14 آذار فيقودُه تيّار المستقبل السنيّ الذي أنشأه رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وهو يضمُّ الحلفاء السنّة الحاليّين والأحزاب المسيحيّة، وتحديداً الكتائب والقوّات اللبنانية. وقد دعا تحالف 14 آذار منذ عام 2005 إلى تحرير لبنان من سيطرة سوريا وتفكيكِ أسلحة حزب الله، التي تُصوَّر على أنّها هَيمنةٌ من الحزب على سلطة الدولة اللبنانية. ومنذ عام 2011، عزّزت بدايةُ الصراع السوريّ الخلافات بين هذين التحالفَين، ففي حين صَوّر تحالفُ 8 آذار انتفاضةَ سوريا عام 2011 على أنَّها مؤامرةٌ أجنبيّة، أدان تحالفُ 14 آذار قمعَ النظام السوريّ للثَورة التي انطلقت ضدّه (فاخوري 2011).

عدا عن أنَّه يَعكِس وَلاءات الطوائف اللبنانيّة المنقسِمة محلّيّاً وخارجيّاً، فإن الانقِسام في لبنان بعد عام 2005 يُعتبر جزءاً لا يَتجزّأ من السياق الأوسَع لإرث الحرب والتحُّولات التي أحدثتها. وعلى هذا الأساس، فإن ترْكةَ الحرب وتقسيمَ الولاءات والانقسامات الجيوسياسية وِفق المسارات الداخليّة والخارجيّة في لبنان قد وجدت صدىً لها في مَيدان الاغتِراب اللبناني. وتَربط بعضُ المبادرات الجماعيّة التي تأسَّست بعد الحرب الأهليّة برامجَها بتراث حرب 1975-1990[2] .وصنّف البعضُ الآخر نفسَه وِفقاً للأحزاب السياسيّة العبروَطنية الطائفية اللبنانية[3]. وقد مَوضع آخرون أنفسَهم في حلقة الانقِسامات السياسيّة في لبنان بعد الحرب، حَول قضايا معيّنةٍ مثلَ دَور النظام السوري في لبنان أو ترسانةِ حزب الله، وسعوا للتأثير على مسار لبنان من خلالِ الضغط وجمعِ التبرُّعات والمناصَرة. في أوائل العقد الأوّل من هذا القرن، سعَت بعض الجماعات اللبنانيّة المقيمة في الولايات المتَّحدة والمرتبِطة بالتيّار الوطني الحرّ المسيحي والقوّات اللبنانية، وهما حركتان ذاتا قاعدة مسيحيّة، إلى الضغط من أجل انسِحاب القوات العسكريّة السورية من لبنان (كوينوفا 2011). كما دعمت هذه الجماعات قانونَ محاسَبة الحكومة السورية الذي غذّى لاحقاً قرار مجلس الأمن 1559 الذي طالب القوات الأجنبيّة بمغادرة لبنان.

وعزَّزت عواملُ محلِّيّة ودوليّة مُختلِفة تعبئة الناشطين المسيحيّين في الولايات المتّحدة. ومنذ عام 2000 بدأ طيفٌ من جماعات المعارَضة المناوِئة لسوريا مثلَ القوّاتِ اللبنانية وجماعةِ قرنة شهوان بالدعوة إلى إنهاء فترة الوصاية السورية وتنفيذ اتِّفاق الطائف اللبناني الذي تمّ التوصُّل إليه بعد الحرب عام 1989 والذي أكَّد على إعادة انتِشار القوّات السوريّة وانسحابِها. في عام 2002، أكّد المؤتمر الماروني العالمي، الذي عُقد في الولايات المتحدة الأمريكية، على ضرورة استِقلال لبنان عن الهيْمنة العسكريّة والسياسيّة السوريّة. وفي الوقت نفسه، تحالفت حكومة بوش في الولايات المتّحدة وحكومة شيراك في فرنسا آنذاك بهدف الحدّ من نفوذ النظام السوري في لبنان.

وقد حرِصت بعضُ جمعيّات الاغتراب على دعمِ واستِمرار ما سُمّي بـ "ثورة الأرز"، أو مَوجة الاحتِجاجات التي اندلعَت عام 2005 وتجمّع خلالها المواطنون اللبنانيّون والمجموعات المناهِضة للسوريا في مواجهة الوجود العسكري السوري، فشجَّعوا المشروعَ السياسيّ لتحالف 14 آذار في الخارج. وهو مشروعٌ يدعو إلى إقامة لبنان حرٍّ وسياديّ مُستقلٍّ عن مسار السياسة الخارجيّة في سوريا وأقرب إلى الغرب[4]. وعلى النقيض من ذلك، عَزَّزت المؤسّساتُ الإسلاميّة اللبنانية في بلدان غرب أفريقيا مثل السنغال روابطَ وثيقة مع الأحزاب السياسيّة الشيعيّة ودعمَت الدَّور الإقليميّ لإيران في الشرق الأوسط. ويَتلقّى حزبُ الله، وهو حزبٌ شيعي لبنانيّ له علاقاتٌ وثيقة مع النظام السوري وإيران، الدعمَ المالي والموارِد من الطائفة الشيعيّة (سكولت أويس / طبر 2015).

  1. تفسير اختلافات لبنان في الشتات: استمرار الطائفية من خلال مسارات خارجية

 تأتي هذه الاختلافات وأنماط الاستقِطاب في سياقِ عدَّة عوامل. وقد أكَّدنا سابقاً أنّ نموذج لبنان لتَقاسم السلطة الطائفيّة، إنّما يُشجِّع المنافسة الطائفيّة والتجزئة السياسيّة. وقد اتَّخذ اللبنانيّون، منذ تأسيس دَولتهم في عام 1943، مواقفَ متضارِبة حَول علاقات لبنان الإقليميّة والدوليّة وما تَعنيه الهويّة الوطنية اللبنانية. وفي حين دعَت بعضُ الفصائل إلى توثيق العلاقات مع الغرب، دعا البعضُ الآخر إلى إقامة روابطَ إقليميّةٍ أقوى مع الدوَل العربيّة أو مع إيران. وكما يؤكِّد العديد من المؤلِّفين، فإنَّ سياسة الشتات اللبنانيِّ ترتبط ارتباطاً معقّداً بالاستِقطاب السياسيّ في البلاد، عاكِسةً بالتالي تَحالفاتِ لبنان المحلّيَّة والعابرة للحدود (أسال 2012؛ طبر 2014؛ بيرلمان 2014؛ سكولت/طبر 2015).

وفي هذا السياق، تَزدهر الأحزابُ السياسيّة القائمة على أسس طائفية من جراء دعم المغتربين لتعزيز قاعدة قوَّتِها. فعلى سبيل المثال، أنشأ العديدُ من الأطراف، مثل "تيّار المستقبل" السنّيّ والتيّار الوطنيّ الحرّ المستنِد إلى المسيحيّين، مكاتبَ للمغترِبين بهدفِ تعزيز المشارِكة مع الجالِيات اللبنانيّة في الخارج. ويَقوم جزءٌ أساسيٌّ من هذه الاستراتيجيّة على استِخدام العلاقات مع الشتات اللبنانيِّ أثناء الانتِخابات (بيرلمان 2014، طبر 2014). وهذا ما حدثَ في الفترة التي سبَقت الانتِخابات البرلمانيّة عام 2009، حين انقسمَت الجالِيات اللبنانيّة في أستراليا ما بين مؤيِّدٍ لتحالُف 14 آذار المناهِض لسوريا وتحالُف 8 آذار الموالي لسوريا، في انعكاسٍ للاستِقطاب الذي كان يعمُّ البلاد في ذلك الوقت. وقبل الانتِخابات، أغرَت الأحزاب السياسية في لبنان المغترِبين بالتصويت لها من خلالِ توفيرِ بطاقاتِ سفر مجّانيّة وشراء الأصوات (طبر، 2014). وفي الواقع، لوحِظ خلال الانتِخابات البرلمانيّة لعام 2009 تدفُّقُ أعداد كبيرة من المهاجرين اللبنانيّين في مطار بيروت (بيرلمان 2014).

وفي سياقِ هذا المنطق من النزعات الطائفيّة العبروطنيّة، تَعمل الجالِيات اللبنانيّة في الشتات على تقويَة الحزب السياسيّ الذي تتَّفق معه في لبنان، من خلالِ إرسال المساعَدات أو الموارد أو التبرُّعات. من هذا المنظور، يَجب فهمُ سياسة الشتات في لبنان على خلفيّة الهويّة العبروطنية، حيث تتضافر الجهودُ المحلّيّة والخارجيّة لتعزيز السياسات اللبنانيّة الطائفية.
 

ثالثاً -"مجالٌ اجتِماعيٌّ غنيٌّ عبروَطني": مُجتمعات الشتات كجهاتٍ فاعِلة في مجالِ التنمِيَة

لقد بيَّنّا أعلاه أنَّ المشارَكة السياسيّة للمغتربين تتغذّى على سياسة الطائفيّة في لبنان. وفي الوقت نفسِه، فإنّ انتشار المنظّمات الثقافيّة والخيريّة والاجتماعيّة- الاقتصاديّة في الشتات يُشير إلى "مجال اجتماعيّ عبروطنيّ" غني ومعقد، حيث نرى المغتربين يروون سرديات ومشاريع متبايِنة. ولكنَّ الجالِيات اللبنانيّة طوَّرت عبر السنين أيضاً، في المهجر، مجموعةً من المنظَّمات التربَويّة والخيريّة والثقافيّة، تُصنِّف نفسَها كمنظّماتٍ غيرِ سياسيّة[5]. وقد عزّزت جمعيّاتٌ مِهنيّة وطلابِيّة لبنانِيّة مختلفة في جميع أنحاء العالم رؤيةً غير طائفية للبنان، تركز بدلاً من ذلك على التنمِيَة وعلى إدماج كلّ المواطنين. وفي السنَوات الأخيرة، نشأت منظَّماتٌ مُهْتمّة بتوطيدِ الروابط الاقتصاديّة مع لبنان كجهات رئيسيّة فاعلة في النقاش المتعلِّق بالتنمِيَة. وفي عام 2013، تمَّ تأسيسُ تحالُفٍ من منظّمات الشتات هو لبنان لروّاد الأعمال، لتسريع تطوير "مناخٍ مشجِّع للتكنولوجيا" في لبنان. إحدى هذه المنظمات في الشتات هي ليبنيت (Lebnet)، وهي شبكةٌ من المِهَنيّين الأمريكيّين من أصلٍ لبناني تسعى إلى تعزيز العلاقات بين المهنيّين اللبنانيين في أمريكا الشمالية وتقويَة العلاقات مع روّاد الأعمال في لبنان. وتُشجِّع بعض المؤسّسات البحثيّة في الخارج على إنتاج المعرفة حَول الهجرة اللبنانية. من بين هذه المؤسسات "مَركز مويس خير الله لدراسات الشتات اللبناني" في ولاية كارولينا الشمالية، المعروف والذي يضمُّ باحثين أكاديميّين لبنانيّين ودوليّين. وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ بعضَ مواقع المغترِبين مثل Web Libanais Francophone أو Liban Le Chouf  تؤكّد على طبيعتِها  اللاسياسية وتركِّز على إيصال المساهَمات الثقافية (أسال 2012).

من هذا المنظور، بنى اللبنانيّون في المهجَر علاقاتٍ وهويّات متعدِّدة لا يُمكِن تحديدُها بأنّها "طائفيّة" محضة أو تركِّز فقط على الشؤون الداخلية. ويوَضِّح عبد الهادي (2006) على سبيل المثال أنّ الجاليات اللبنانيّة في كندا قد طوّرت "انتماءاتٍ متعدِّدة"، ومصالح متراتِبة في "الوطن الأمّ" و"الوطن المُضيف" على حدٍّ سواء، وكذلك في القضايا العبروطنيّة اللبنانية. وتَحرِص بعض بوّابات الشتات مثل Liban Vision على تقديم سرديّات في شتّى أرجاء المَعمورة حَول الثقافة اللبنانيّة والتقاليدِ الأدبيّة وفنِّ الطَّهْي والتراث. وتسعى نوادٍ أخرى إلى تسهيل إدماج لبنانيّي الخارج في البيئات المُضيفة. ووجّهت بعضُ الجماعات مطالِبَ متنوِّعة لكَيْ تُبرهِن في الشتات على مصالِحِها في "الوطن"، ، ففي عام 2017، قامَت حملةٌ عبر الإنترنت قادَها لبنانيّون مُغترِبون للضغط من أجلِ الحصول على تذاكرَ جوّيّة أرخصَ إلى بيروت بهدفِ تعزيز العلاقات مع الوطن وتعزيزِ الروابطِ الاقتِصادية[6].

على هذا الأساس، سلَّطت بعضُ البحوث الضوءَ على العناصِر الخارجيّة الإيجابيّة التي أوجدَها الشتاتُ اللبنانيُّ على التنمِيَة واستدامةِ سبُلِ العَيْش وإعادةِ الإعمار في مراحلِ الصراع (أدلبايو 2010؛ حوراني 2007؛ لبكي 2006). وقد نشَطت الشبكات الخاصّة والجماعِيّة العبروطنيّة في تمويلِ المدارس وبناءِ المرافِق العامّة وتحسين الخدمات في بعض المناطقِ المحرومةِ في شمال لبنان وجنوبِه. في أعقابِ حرب تموز/يوليو 2006، قامَت تلك الشبكاتُ بتمويل المستشفَيات واستثمَرت في مبادراتِ الرعاية الصحِّيّة (لبكي 2006). وتُبيِّن الدراسات الاستِقصائيّة أنَّ الدعم الماليَّ الذي قدَّمه اللبنانيّون المقيمون في نيجيريا في فترةِ ما بعد الحرب كان مفيداً للأُسَر المقيمة في بعض المناطق النائيَة مثل مزيارة وجْوَيّا (أدلبايو، 2010، 72). ومن المهمّ أيضاً أن نذكرَ هنا الرأسمالَ البشريّ والسياسيّ والفكريّ الذي رفَده أكاديميّون وخبراءَ ورجالُ أعمال لبنانيّون مقيمون في الخارج من خلالِ المشاركة في مشاريعِ التنمية أو الاستِشارات أو اتِّخاذ مواقف سياسية ما بعد الحرب[7].

بَيد أنَّ جهود المغتربين في إعادة إعمار لبنان ما بعدَ الحرب ومساعداتهم المادّيّة كانت، في الآنِ عَيْنِه، مَوْضعَ خلاف. فعلى سبيل المثال، أثار مشروع سوليدير – الذي أُنيطَت له بعدَ الحرب بمُهمّةُ إعادة إعمار بيروت المدمَّرة، وموَّله رئيسُ الوزراء الأسبَق رفيق الحريري العائد لتوِّه من الخليج – جدلاً حادّاً. وفي صميم المناقشات الساخِنة، طرحت من خلال هذا المشروعِ مسألةُ ارتِباط لبنان المتزايدِ على الاستِثمارات الخليجيّة ويُهمِّش النقاش العامّ حَول كيفيّةِ إعادة بناء بيروت بعد حرب مدمِّرة عمرُها خمسة عشر عاما.

زِد على ذلك أنَّ تحويلات المغتربين التي يَعتمِد عليها اقتِصاد لبنان بشكلٍ كبير ربَّما تكون قد خَلقت مَظهراً كاذِباً من "القدرة على الصمود"، عندما حوَّلت الاهتِمام عن عدم مَقدرة الدوْلة اللبنانيّة على البدءِ بإصلاحاتٍ هَيْكليّة لتعزيز اقتِصادها البطيء (تيرني 2015).

 

رابعاً - استراتيجيّات الدَّوْلة اللبنانيَّة تِجاهَ الشتات

سيَظلُّ فَهمُ الروابط بين المغتربين في لبنان و "الوطن" ناقصاً ما لم نتناول استراتيجيّة الدولة تجاهَ مُغتربيها ونتساءل عمّا إذا كانت مؤسّسات الدولة قد نَجحت في صياغة استراتيجيّات إدماجٍ للمغتربين تستفيدُ فيها من إمكاناتهم في الخارج، وكيف تمّ ذلك.

لعلّ الدولة اللبنانيّة أخفقت في تطوير جهاز مؤسّسي لصنع السياسات لتوجيه مساهمات المغترِبين، ولعلَّها مَنحت حقوقاً كبيرة لشتاتها، غير أنّها، من منظور تاريخي، لم تَقف في وجه الهجرة، لأنَّ الأخيرة خفّفت البطالة وعزَّزت المساعداتُ الماليّة الاقتِصادَ الوطنيّ وسبلَ العيش المحلّيّة. وقد دأب صنّاع السياسة على مُغازلة المغترِبين اللبنانيّين في خطاباتهم، مؤكّدين على أهميَّتهم الاستراتيجيّة لرأسِ المال الثقافيّ والسياسيّ والاقتِصادي اللبناني. وفي عام 1964، وافَقت الحكومة على إنشاء الاتّحاد اللبنانيّ العالميّ المكلّف بتمثيل جميع اللبنانيّين في الخارج وتوجيه مشاركتِهم في تنميَة الوطن والسياسة. ومع ذلك، فإنّ الاتِّحاد، الذي تطوّر لاحقاً إلى الجامِعة اللبنانيّة الثقافيّة في العالم، سقط فريسةَ الانقِسامات الداخليّة حين اندلعَت الحربُ اللبنانيّة في الفترة 1975-1990. وفي عام 1994 فقط، أَنشأت الدولة اللبنانيّة وزارةّ المغترِبين التي اندمَجت فيما بعد مع وزارة الخارجيّة. وفي العام نفسه، أصدَرت الدولةُ اللبنانية قراراً بإنشاء هيئة تنميَة الاستثمار في لبنان (إيدال) باعتبارِها "الوكالةَ الوطنيّة لتشجيع الاستثمار" الّتي تقدم، من بين مهامٍّ أخرى، المَشورة والحوافِز للمُستثمِرين المُغترِبين.

وفي السنوات الأخيرة، أَطلقت وزارة الخارجيّة والمغترِبين مبادرةً للمغترِبين سُمِّيَت "الطاقة الاغتِرابِيَة اللبنانيّة" التي تدعو اللبنانيّين المُغترِبين للمشاركة في مؤتمَر سنويٍّ للتداول حَول مسائلَ تقع في صميم التنميَة والتعمير والاستِثمارات. وقد وَضعت الطاقة الاغتِرابية اللبنانيّة منذ عام 2014 أربعةَ ركائزَ يُمكِن للمغتربين أن يُساهِموا من خلالها في تنمية لبنان. وتُعزِّز منصّة لبنان للتواصل عبر الإنترنت والجوّال (The Lebanon Connect Online and Mobile Platform) الفرَص الاقتصاديّة والتجاريّة بين الجالِيات اللبنانيّة في جميع أنحاء العالم. ويَضع برنامج الاستِثمار للبقاء (Invest to Stay) حوافزَ للمغترِبين الذين يَستثمِرون في المشاريع السياحيّة والاقتصاديّة والاجتماعية والبناء. ويُمكن للبنانيّين في الخارج أيضاً أن يتعاوَنوا مع وزارة الخارجية ووزارة التربية والتعليم العالي في مشروع "المدارس اللبنانية" لإنشاء مدارسَ لبنانيّة في الخارج تتَّبع المنهج الدراسيّ اللبنانيّ النموذجيّ. كما يُمكنهم المشاركة من خلال مشروع "منازل الشتات" في ترميم العديد من المنازل القديمة.

ويَجب الإشادة بمبادرة "طاقة الشتات" (Diaspora Energy) لتشجيعِها سياسات الحوار بين الدولة والمغترِبين وتحفيز مشاركة المغترِبين في شؤون الوطن. ومع ذلك، فإنّ لبنان أبعدُ ما يكون عن تطوير استراتيجيّة للمشاركة السياسية للمغتربين. فقد دفَع بالقضايا التي كان يَنبغي أن تكون في صميم توسيع نطاق المواطنة والتمثيل السياسيّ في السنوات الأخيرة إلى الصفوف الخلفيّة، وكانت للدولة علاقةٌ متوَتِّرة مع توسيع نطاق المواطنة والحقوق السياسيّة لمختلف جماعات الشتات. وفي لبنان ما بعد الحرب، أدّى اقتِراحُ منحِ الجنسيّة لأفرادٍ من أصل لبناني إلى مُناقشاتٍ حادّة. وقد دارَت المخاوف حولَ ما إذا كانت هذه المُمارسات يُمكن أن تعطِّل التوازنَ الديموغرافي "الإسلامي المسيحي"، وما إذا كانت بعضُ الفصائل السياسيّة تُحاوِل أن تسعى إلى توسيع نطاق المواطَنة باتِّجاه مجموعاتٍ مُختارة معيَّنة لتعزيز قاعدتِها الديموغرافيّة في النموذج الطائفيّ لتَقاسم السلطة في لبنان (جولين 2006).

فإن انتقلنا إلى مسألةِ التمثيل السياسي، نجدُ أنّه، رغم موافقةِ الحكومة في عام 2008 على قانون التصويت من الخارج، فإنّ الانتِخابات لم تَجرِ أساسا منذ عام 2009 نتيجةَ الاستِعصاء السياسيّ فيما يتعلّق بقانون انتِخابيٍّ جديد والتدَهور الذي طرأ على لبنان في ظلِّ حرب سوريا بعد عام 2011. وهكذا لم تمارس المجتمَعات المحلّيّة في الخارج حق التصويت من الخارج.

بَيد أنّه، وسط هذا الفراغ، من الصعب أن نحلِّل ضعفّ استراتيجية إشراك الشتات اللبناني، إذ لا بدّ من وضع تلك التستراتيجية في سياق الوضع العام للحوكَمة السياسيّة في الدولة، الّتي تَتنافس مع الشبكات غيرِ الرسمية أو تلك القائمة على المصالح (فاخوري 2014). وفي حين أنّ الدولة اللبنانية تتميّزُ عموماً بضعفَ المؤسَّسات، فإن الروابِط الطائفيّة تُحدِّد نبرةَ الحكم السياسي (ستيل 2014). هذه الديناميكيّة تمتدُّ إلى العلاقات بين الشتات والدولة في لبنان. وتَبرزُ الأحزابُ السياسيّة والمبادرات التي يقودُها القطاع الخاصُّ كأطرافٍ أقوى من الدولة في الوصول إلى الشتات ووضعِ أجندةٍ للمشاركة فيه.

 

خامساً -  وساطات بَديلة: المُجتمَع الدولي

إزاء ضعف الاستراتيجيّة الوطنيّة، وضعت المنظَّمات الدوليّة مبادراتٍ لتسخير إمكانيّات الشتات في لبنان. ومن أبرز المبادرات برنامج "نقل المعرفة عبرَ المواطنين المغترِبين" (TOKTEN) ومبادرةُ "عيش لبنان" التابعان لبرنامج الأمَم المتَّحدة الإنمائي(UNDP).

ويَسعى برنامج نقلِ المعرفة عبر المواطنين المغترِبين إلى الاستِفادة من القدرات الفكريّة من خلال إقامة قصيرة في لبنان، يُدعى فيها المغتربون للعمل في مهمّة استشاريّة أو في مشاريعَ مدَّةُ كلٍّ منها ستّة أشهر في مجالات بناءِ القدرات والحَوْكمة والبحوث المُختلفة. ويعود الفضلُ إلى هذا البرنامج في تجميعِ "خبَراء محلّيّين-دوَليّين" لَديْهم معرفةٌ بالعقلِيّة المحلّيّة وفي إتاحة الفرصة لمن يُفكِّر بالعودة لاختِبار الوضعِ على الأرض (فاخوري 2015). واتَّخذ برنامج نقلِ المعرفة عبر المواطنين المغتربين في لبنان في السنوات الأخيرة بُعداً مَرناً يَسمح بنقلِ المعرفة عبر الإنترنت بين مؤسّسات الوطن واللبنانيّين في الخارج.

أمّا مبادرة "عيش لبنان" فهي أيضاً من بين مشاريع برنامج الأمَم المتَّحدة الإنمائي، وتُشجِّع مشاريع مُشترَكة بين لبنان والمهجَر، الأمر الذي من شأنِه أن يؤدّي إلى تنميَة "التأثير السريع" في مَجالات تمكين الشباب وتعليمِهم، واستعادة المناطق الخضراء، وتحديثِ نظام الرعايَة الصحِّيّة، وخلق أنشطةٍ مُدِرَّة للدخل في المناطق المحرومة. كما طوَّرت مبادرة “عيش لبنان" مفهومَ "سفير النوايا الحسنة"، ودعت المغترِبين البارِزين لدعم المبادرات الإنسانيّة والاقتِصاديّة في لبنان.

إنّ الاستراتيجيّة الشاملة لكلٍّ من مبادرتَي "نقل المعرفة" و"عيش لبنان" تقوم على تحويل مُجتمَعات الشتات اللبنانيّ إلى "شرَكاء ومحاوِرين في مجال التنميَة"، يُمكن أن يُسهِموا في إنتاج المعرفة وتَمكين المجتمَعات المحلّيَة والحدّ من أَوْجُه الإجحافِ الاجتِماعي والاقتِصادي في لبنان. وقد يَكون من الصعب تقييمُ تأثير هذين البرنامجين على التنميَة المحلّيّة، ولكنْ يَكفي القَول إنّهما ساهما في نشر سرديّة تمكينيّة عن الطرق المتنوِّعة التي يستطيعُ المغترِبون من خلالِها – عن بُعد أو من خلال الهِجرة العكسية – المشاركةَ في التنميَة.

 

ملاحظاتٌ ختاميّة: إضاءاتٌ للحالَة السورِيّة؟

لقد هدفت هذه الورقةُ إلى مراجعةِ انخراط مجتمعات الشتاتِ اللبنانيّة المعقَّدة والمركّبة في سياسات الحرب وما بعد الحرب. وقد أثبتَت أن مشاركتها لا يُمكن التقاطُها إلّا إن استعملنا عدسات مُختلفة. وفي حين أنّها استنسَخت الاستقطابَ الطائفيّ والجيوسياسيّ في لبنان، إلا أنّها عملت أيضا كعناصر فاعليّةٍ في التنمية. إن السرديّة التي تميّز هوياتهم الطائفية المستقطَبة أو مساهمتّهم في التنميَة تتجاهل العلاقات الإيجابيّة المتعددة التي شيّدوها في سياق اندماجِهم في مجتمعاتِهم الجديدة في البلدان المضيفة (عبد الهادي 2006). وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ مشاركة المغترِبين اللبنانيين قد تكون مفيدة من عدة نواحٍ فيما يَخصّ دور المغتربين السوريين في تخفيف حدّة الصراع وإعادة البناء في فترة ما بعد النتهائه.

  1. إن التداخل ما بين الانقسامات الدينيّة والسياسيّة في لبنان قد حدَّد شكل مشاركة الجاليات اللبنانية في الخارج في سياسة الوطن. وقد شجَّعت منظَّمات الشتات رؤى متباينَة لبناء الدولة. وفي حالاتٍ بعينها آثروا الولاءات الدينية على الولاءات الوطنيّة.
  2. إن غيابَ استراتيجيّة مُستدامة للدولة في مجال إدماج المغترِبين اللبنانيّين قد أضعف مشاركةِ الجاليات اللبنانيّة. لقد قام صانِعو السياسات بمغازلة المغترِبين وإشراكهم من خلال إنشاء نقاباتٍ وجمعيّات منذ الستينيات. بَيد أنَّ إدماجَهم كمشاركين سياسيّين أو كمواطنين نَشطين ما زال شحيحاً. وتوَضِّح جملةُ أسباب امتناع الدولة اللبنانية عن بناءِ استراتيجيّة مستدامة للمغتربين. فالأحزاب السياسية تتحصّل على مكاسبَ من تجزئة الشتات لتعزيز تحالفاتِها القائمة على المصالح. وفي أحايين معيَّنة، مثلَ الانتِخابات أو فترات الاستِقطاب، نرى هذه الأحزاب تُناشد مجتمعات الشتات باعتبارِها "عوامل خلّاقة" لتعبئتها من أجلِ تعزيز شبكاتِها وقاعدتها. ولا شكَّ – بعد ذلك – أنَّ هيمنة الشبكات الطائفيّة على المؤسَّسات الحكوميّة قد أَحبطت توطيدَ استراتيجيّة موحِّدة للدولة تجاهَ المغترِبين.
  3.  لا تزالُ أهميّة مشاركة المغترِبين في الانتخابات في لبنان ما بعد الحرب غيرَ واضحة حتى الآن. ففي ضوء "الشلَل السياسيّ" الذي شهدَه لبنان منذ عام 2011، لم تَجر الانتِخابات، ولم يتمّ توسيعُ نطاقِ حقوقِ الانتِخاب إلى أعضاء الشتات، ما أدّى إلى عدمِ وضوح الصورة فيما إذا كان المغتربون سيستطيعون تغييرَ "قواعد اللعبة" في لبنان"، وكيف ستبدو العقَبات الانتخابيّة التي سيواجهونها
  4. إلّا أنّه مع كلِّ هذه القيود، شارك الشتات اللبنانيُّ في البناء الوطنيّ من خلال مشاريعِ التنميَة والمبادرات الخيريّة وجهود إعادة الإعمار. وقد قام العديد من اللبنانيّين البارزين في الخارج بتعزيزِ رأس المال البشريّ والاجتماعيّ للبنان من خلال نشر نقلِ المعارف والمعايير الثقافيّة والسياسيّة. وقد أدّت المبادرات التي انخرَط فيها المغتربون اللبنانيّون مع الحكومة اللبنانيّة والمنظَّمات الدوليّة إلى مجموعةٍ متنوِّعة من المشاريع المحلّيّة في مجالات التعميرِ والتعليم والتنميَة.
  5. استنادا إلى هذه الأفكار، فإنّ المبادرات البحثيّة المهتمة بتقصّي كيف يمكن للشتات السوريّ أن يلعب دوراً في إعادة الإعمار ما بعدَ الصراع يجدر بها أن تعمل على استِكشاف كيف يمكن للبنى السياسيّة والاقتصاديّة في مرحلة ما بعد الصراع في سوريا أن تؤطر مساهمات المغتربين السوريّين: فإمّا أن يكونوا بُناة أمّة أو يكونوا عناصرَ تَعمل على إدامةِ الانقِسامات داخلَ الدولة. وفي الوقت نفسِه، من المتوقع أن إشراك مجموعات المغتربين السوريّين في سوريا بعد انتهاء الصراع سيتمّ من خلال عدسة متعدِّدة الطبقات تتشكّل من عدّة عوامل: طبيعةُ النظام السوريّ في المستقبل واستراتيجيّته تجاه المغتربين وإدماج السوريّين والجماعات في الخارجِ والمواردِ التي تتصرَّف فيها هذه المجموعات، بالإضافةِ إلى التحالفات والمظالمِ التي ستُفصِح عنها هذه المجموعات في مجالِها الاجتماعي العريض العبروطني.
  6.                             

مراجع


Abdelhady, Dalia. 2008. “Representing the Homeland: Lebanese Diasporic Notions of Home and
       Return in a Global Context.” Cultural Dynamics 20(1): 53–72.             
      doi: 10.1177/0921374007088055        

Abdelhady, Dalia. 2006.
“Beyond Home/Host Networks: Forms of Solidarity Among Lebanese
        Immigrants in a Global Era.” Identities: Global Studies in Culture and Power 13 (3):427–
        453. doi:
http://dx.doi.org/10.1080/10702890600839595       

Adebayo, Peter.
2010. “Transnational Networks of the Lebanese-Nigerian Diaspora.” Middle
        East Institute.
http://www.mei.edu/content/transnational-networks-lebanese-nigerian-diaspora

Asal, Houda. 2012. “Community Sector Dynamics and theLebanese Diaspora: Internal
        Fragmentation and Transnationalism on the Web.”
[Working Paper] Fondation Maison des
        Sciences de L’Homme and e-Diasporas.
http://www.e-diasporas.fr/working-papers/Asal-Lebanese-EN.pdf

Burgess, Katrina. 2017. “Emigrants as Outsiders or Insiders? Long-Distance Advocacy in Post-
        1980 Democracies” [Conference Paper] Oxford University.

Charafeddine, Raed. 2015. “The Lebanese Diaspora: A Civil Solution for Extreme Choices.”
       
Banque Du Liban. http://ulcm.org/docs/default-source/emigration/the-lebanese-diaspora-nbsp-a-civil-solution-for-extreme-nbsp-choices-.pdf?sfvrsn=0
 

 De Bel-Air, Françoise. 2017. “Migration Profile: Lebanon.” [Policy Brief] Migration Policy
        Centre. http://cadmus.eui.eu/bitstream/handle/1814/46504/RSCAS_PB_2017_12_MPC.pdf?sequence=1&isAllowed=y

 

Dibbeh, Ghassan, Ali Fakih and Walid Marrouch (2016). Decision to Emigrate amongst the Youth in Lebanon: the role of socio-economic factors. SAHWA Scientific paper. Available from http://bit.ly/2g59Dvy

 

Fakhoury, Tamirace. 2014. “Do Power-Sharing Systems Behave Differently amid Regional Uprisings? Lebanon in the Arab Protest Wave.” Middle East Journal, 68 (4): 505–520.

 

Fakhoury Tamirace. 2011.  “Lebanon against the Backdrop of the 2011 Arab Uprisings: Sectarian Chains and Divided Loyalties.” New Global Studies 5, 1 (4): 1–11.


Hourani, Guita. 2007. “Lebanese Diaspora and Homeland Relations” [Discussion Paper] AUC  Egypt.

http://schools.aucegypt.edu/GAPP/cmrs/Documents/Guitahourani.pdf

Humphrey, Michael. 2014. “Lebanese Identities: Between Cities, Nations and Trans-Nations” \ Arab Studies Quarterly 26 (1): 31–50. ISSN Online: 2043–6920

Jaulin, Thibaut. 2006. “Lebanese Politics of Nationality and Emigration” [Working Paper] 
European University Institute and Robert Schuman Centre for Advanced Studies. http://cadmus.eui.eu/bitstream/handle/1814/6225/RSCAS_2006_29.pdf?sequence=1&isAllowed=y
 

Koinova Maria. 2011. “Can Conflict-generated Diasporas be moderate actors during episodes of contested sovereignty?” Lebanese and Albanian diasporas compared”, Review of International Studies 37 (1): 437-462


Leichtman, Mara A. 2010. “Migration, War, and the Making of a Transnational Lebanese Shi’i Community in Senegal.” International Journal of Middle East Studies 42 (2):269–290.  http://www.jstor.org/stable/40784726

Pearlman, Wendy. 2014. “Competing for Lebanon’s Diaspora: Transnationalism and Domestic Struggles in a Weak State” International Migration Review 48 (1): 34–75.
       doi: 10.1111/imre.12070

Stel, Nora. 2013. “Diaspora versus Refugee: The Political Economy of Lebanese
       Entrepreneurship Regimes.” [Working Paper] Maastricht School of Management. https://www.msm.nl/resources/uploads/2014/02/MSM-WP2013-16.pdf

 

Nora Stel. 2014.  “Governance and Government in the Arab Spring Hybridity: Reflections from Lebanon,” Contemporary Readings in Law and Social Justice 6 (2014): 49–69.

 

Tabar, Paul. 2014. “‘Political Remittances’: The Case of Lebanese Expatriates Voting in
       National Elections” Journal of Intercultural Studies 35 (4): 442–460.
       doi: 10.1080/07256868.2014.913015

 

Skulte-Ouaiss  Jennifer and Paul Tabar. 2015. Strong in Their Weakness or Weak in Their Strength? The Case of Lebanese Diaspora Engagement with Lebanon, Immigrants & Minorities, 33:2, 141-164,

Trent, Deborah Lee. 2012. “American Diaspora Diplomacy: U.S. Foreign Policy and Lebanese
       Americans” [Discussion Paper No. 125] Netherlands Institute of International Relations
      ‘Clingendael’
. https://www.clingendael.org/sites/default/files/20121206_discussionpaperindiplomacy_125_trent_beveiligd.pdf 

World Bank. 2011. “Migration and Remitances Factbook 2011”. The World Bank. https://siteresources.worldbank.org/INTLAC/Resources/Factbook2011-Ebook.pdf



[1] Christian Lebanese Union in Britain CLUB; Canadian Lebanese Christian Heritage Club (CLCHC) World Maronite Union-European Chapter (WMU-Europe)

[2] على سبيل المثال محاربو القوات اللبنانية القدامى في المهجر.

[3] على سبيل المثال تيار المستقبل السنية في أوتاوا.

[4] بعض الأمثلة تشمل المجلس الوطني لثورة الرز ونادي حراس الأرز في بريطانيا، إضافة إلى اللجنة الدولية لثورة الأرز في لبنان.

[5] من مثل اتحاد الطلاب اللبنانيين في بيركلي.

[6] See Lebanese Expats Lobby Online for Cheaper MEA Tickets, The Daily Star, 9 June 2017, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2017/Jun-09/409093-lebanese-expats-lobby-online-for-cheaper-mea-tickets.ashx?utm_source=Magnet&utm_medium=Related%20Articles%20widget&utm_campaign=Magnet%20tools

[7]  قد اقتبسنا من أشخاص بارزين من مثل غسان سلامة وجورج قرم.