You are here

الجالية الأرمنية: بين الشتات والدولة

أوراق بحثية
TitleDownload
لتحميل الورقة

مُلخّص

يعتبَر الشتات الأرمَني نموذجياً من حيث أنه يتميَّز بخصائص كلا الشتاتَين الكلاسيكي والحديث. ومع ذلك، نراه يواجِه، بسبب الصعوبات الاقتِصادية الحاليّة في جمهوريّة أرمينيا، مجموعةً جديدة من المضاعفات ويعيد تشكيل نفسِه في وحدةٍ متعددِّة ما-بعد حداثويّة. تستند هذه الورقة على رؤية عامة تاريخية، لتقدّم تحليلاً إمبريقيّاً )تجريبيّاً( للشتات الأرمنيّ المتعدِّد الجوانب، وتتحرّى تحوُّلاته التي أعقبَت الإبادة الجماعيّة، ثمّ تستكشِف المؤسّساتِ الرسميةَ وغير الرسميّة في البلدان المًضيفة التي تهدِف إلى الحفاظ على الهويّة الأرمنيّة والشبكات التي كانت تحافظ على صلات مع أرمينيا السوفياتيّة.

 وبالإضافة إلى ذلك، تقيّم الورقة التحوّل في طبيعة الشتات من جراء استِقلال أرمينيا بعد الاتِّحاد السوفيتي، وتُركِّز على مسألة الهويّة والاندِماج، كما تستكشِف عواملَ مختلفة، كاللغة والزواج والمشاركة السياسيّة والتناقض بين البلد المتبنَّى وأرض الأجداد، فضلاً عن التناقض بين دولة ضعيفة غير جذّابة وحياة يوميّة صعبة. كما تبيِّن الورقة كيفية تجلِّى هذه الازدواجيّة والاستجابات المتباينة للأرمن عند اندلاع حرب أهليّة في المجتمعات المضيفة أو عندما يكون البلد المُضيف في حالة حرب مع بلد مجاور.

تبحث هذه الورقة بشكل خاص، في دور النُّخُب سواءً أفي البلدان المضيفة أو في الوطن الأم. وستركز الورقة على فترتَين زمنيَّتَين مختلفتين: الحقبة السوفياتية (1920 - 1991) وعصر العوْلمة (1991 - 2015).

 

مقدمة

يتَّسم تاريخ الهجرة الأرمنية، الذي قد يعود إلى أوائل القرن الرابع، بتجزؤ الأمة الأرمينية، وضرورة الاختيار بين العقيدة والاضطِهاد، والتوتر بين التراث الثقافي والاندماج. ولعلَّ أوَّلَ هجرة أرمنية تمَّ رصدُها تعود إلى مرحلة تأسيس المسيحيّة كدين للدولة في أرمينيا. ففي ظلِّ غريغور المنوِّر (257م – 331م)، أُرغِم الأرمن على الاختيار بين اعتِناق المسيحية أوالاضطهاد – وهو سيناريو سيكرِّر نفسَه بعد قرن من الزمن تحت تأثير ميسروب ماشدوتس، واضعِ الأبجدية الأرمنية[1]. كان من شأن تلك الأحداث أن خلَقت انقِساما دينيّاً داخل البلد، أسهَم في وقوع خلافاتٍ بين الأرمن في وقتٍ لاحق. لكنّ الهجرةَ الجماعيّة بدأت حقيقةً مع سقوط مملكة باغراتوني في وسط أرمينيا في القرن الحادي عشر. وبعد أكثر من قرن، أدى تراجع مملكة قيليقية، التي أنشأها في الأصل لاجئون أرمن، إلى حدوث موجات جديدة من الهجرة، ممّا سبب مزيداً من الانقسامات. وتعود الخلافات إلى أربعينيّات القرن الرابع عشر عندما تمَّ نقلُ الكاثوليكوسية، أي المركز الإداريِّ للكنيسة الأرمنية، إلى موقعِها الأصليّ في إتشميادزين في أرمينيا الشرقية. فمع إنشاء بطريركية جديدة في عام 1463 في القسطنطينية، غدَت قوة إتشميادزين محدودة. وقد أدّى ذلك إلى انقسامٍ بين الأرمن المتواجِدين بمعظمِهم في أراضي مملكة قيليقية السابقة الذين سعَوا إلى إعادة تشكيل ثقافتِهم، وأولئك المتواجِدين في المناطق الأخرى والذين اختاروا الاندِماج.

وقد أدّى سقوط مملكة قيليقية إلى وقوعِ هضبة أرمينيا في أيدي قوى إقليمية متنافسة، وعلى الأخصِّ الأتراك العثمانيين والفرس الصفويين، حيث قسّمت الإمبراطوريَّتان الهضبةَ إلى أرمينيا الغربيّة التركيّة وأرمينيا الشرقيّة الفارسية. واستمرّ هذا الفصل لأكثرَ من قرنين ونصف، إذ احتلَّت روسيا القيصريّة غالبيّة أرمينيا الشرقيّة، التي باتَ يُشار إليها منذ أوائلِ القرن التاسع عشر باسم "أرمينيا الروسيّة". وأدّى التقسيم الجغرافيّ هذا لأرمينيا إلى ضعفِ التماسك الاجتِماعي داخلَ الأمّة الأرمينيّة، ممّا عزّز الانقسامات الأخرى المتعلِّقة بأسلوب الحياة والثقافة والعقلية واللُّغة[2]. بهذا المعنى، يمكنُ القولُ أنَّ الفصلَ الجغرافيّ لأرمينيا في القرن الخامس عشر عزّز الانقسام الدينيّ، الذي زاد بدورِه من تفاقمِ الاختِلافات اللغويّة التي تطَورت.

على أن الأمر لم يقف عن هذا، فقد زادت بداية الثورة الصناعيّة ومجيءُ الأفكار الحديثة عن الدولة والقوميّة في انقسام الأرمن أيضاً. فمنذ أوائل القرن السابع عشر، أدّى النزوح القسري لآلاف الأرمن من سهل أراراتيان الأرميني الشرقي وناخيتشيفان إلى أصفهان في إيران الحديثة إلى إنشاء مستوطَنات أرمنيّة داخلَ الحدود الفارسيّة وخارجَها. وبخلاف الموْجات السابقة من المهاجرين، الذين كانوا يولون المسيحيّة أهميّة أكبر، فإن هؤلاء المهاجرين ونُخبَهم، وبخاصّة التجّار، أعطَوا الأولويّة للإثنيّة والوطنيّة. وبالتوازي مع هذه النخَب العلمانيّة، تأسَّست طائفة دينيّة كاثوليكية أرمنيّة في البندقيّة في إيطاليا في أواخر القرن السابع عشر. وتشاطرَت المجموعتان أمراً كان يشغلُهما، ألا وهو مسألة الدولة الأرمينيّة. وما كان من الشخصيّات العلمانيّة إلا أن استعانت بالدوَل المسيحيّة في تَوْقِها لتحقيق دَولة أرمنيّة، بينما كان رجال الدين الكاثوليك يهدُفون إلى تثقيف الأرمن. بَيد أنَّ كلا الفئتين تأثر، مع ذلك، بأفكار الوطن والوطنية والهوية الأرمينية. ولسوف تُستخدَم هذه الأدوات لاحقا من قبل نُخبِ الشتات للمحافظة على التراث والهويّة الأرمنيّة[3].

 

أولاً: فضاء أرمني في فترة ما-بعد الإبادة الجماعية: الشتات الأرمني الحديث (1920-1991)

كانت الفترة ما بين عامي 1920 و1991 حاسمةً بالنسبة للشتات الأرمني. ففي غضون ما لا يكادِ يزيد عن سبعين عاماً، أخذَ الشتاتُ الحديث شكلَه نتيجةَ التهجير القسريّ والإبادة الجماعيّة. في البداية، تشكّل الشتاتُ الحديث في مختلفِ دوَل الشرق الأوسط من اللاجئين الأرمن الذين كانوا يواجهون تحدِّياتٍ يَوميّة لأمنِهم وسبُل عيشهم. وكان على هؤلاء اللاجئين التكيُّفَ مع بيئات غير مألوفة لدَيهم وكسب لقمة عيشهم والاندِماج في المجتَمعات المضيفة والمحافظة على التواصل مع ماضيهم الأرمنيّ. كما واصلوا معارضة الأتراك سياسياً، وحرصوا، في الوقت عينه، ألا يقدِّموا مطالبَ قد تسيء للبلدانِ المضيفة لهم. ولقد واجهَ اللاجئون التحدِّيات عينها على امتِداد الشرق الأوسط، بَيد أنهم تبنَّوا استراتيجيّات مختلفة لمواجهتها وفقاً للتوجُّهات السياسيّة للبلد المضيف الذي يُقيمون فيه والتطوُّرات الدوليّة التي كانت تؤثر على العلاقات الأرمينيّة.

على أنّ هذه المرحلة كان لها أثرٌ كبير في تشكيل هويّة جديدة للشتات الأرمنيّ المنتشر في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وتجذَّرت هذه الهوية في التهجير القسريّ والترحيلِ والإبادة الجماعيّة[4] التي شهدَها الأرمن خلالَ الحرب العالميّة الأولى. وكانت تعتمد على فكرة أساسية، وهي أنّ المحافظة على الهويّة الأرمنية لا تتمُّ إلّا من خلال مُعارضة تركيا. ولكنَّ الإبادة الجماعيّة، على وجه الخصوص، كانت أكبرَ تحدٍّ للهوية الأرمنيّة السابقة لتلك الإبادة. وبعدَ الحرب العالميّة الأولى، بدأ الأرمن يعتبرون أنَّ دينَهم ولغتَهم وثقافتَهم وحقوقهم السياسيّة هي الأسبابُ الحقيقيّة للإبادة الجماعيّة التي تعرَّضوا لها. وغدَت هذه المفاهيم، بالإضافة إلى حلم الدولة ما قبلَ الإبادة الجماعية، السماتَ المميِّزة لشتاتِ الأرمن، الذين كانوا يتشاطرون المشاعر ذاتها تجاهَ تركيا ويعزِّزون الأجندة الوطنيّة نفسها.

ولا غرابة في أن تبرزَ المشاعرُ المعادِية للأتراك بين سكّان المناطق الشرقية من هضبة أرمينيا، وهو ما ساهم بدورِه في تطويرِ هويةٍ جديدة للمغتربين. وفي عام 1918، قامت أرمينيا الروسية، جنباً إلى جنب مع اللاجئين من أرمينيا الغربيّة التركية، بمحاربة الجيش التركي. وحصلت أرمينيا على استقلالِها لبرهة وجيزة، ولكنْ سرعان ما أعادت روسيا إلحاقَها بها مرّة ثانية في عام 1920. وهكذا، نجد أن أرمينيا الشرقيّة والغربية كلتَيْهما عانَتا من الوجود التركي في هذه المنطقة. ولقد وحَّدت المشاعرُ المناهِضةُ لتركيا بين المغتربين والدولةَ الأرمينية. والحال أنّ العلاقة بين الشتات والدولة قد لعبت دوراً هامّاً في تشكيل هويّة المغتربين.

لقد طمست المشاعر المناهِضة لتركيا وتجربةُ الإبادة الجماعية الانقساماتِ بين الأرمن[5] وساهمت في تطوير هوية أرمنية جديدة من خلال خَلق عدوّ مشترك، هو الترك. بَيد أن سبباً جديداً للانقسام وُلد على إثر إنشاء الاتِّحاد السوفيتي، حين باتت أرمينيا السوفيتية نقطةَ خلافٍ قويّة بين الشتات والأرمن السوفييت، بل وكذلك داخلَ الشتات نفسِه. ففي وقت مبكِّر من عشرينات القرن الماضي، تفاقمَت الهوّة الجغرافيّة بين الأرمن الغربيّين والأرمن الشرقيين المتواجدين في الاتحاد السوفييتي، بسببِ الانقِسام الأيديولوجي وستارِ الحديد الستاليني. وقد كافح اللاجئون في أرمينيا السوفييتيّة لكسب عيشِهم وأُجبِروا على الاختِيار بين دوَيلة ضعيفة في ظِلِّ الحكم السوفييتي المعادي لقوى الانتِداب الغربيّ، وبين أرضِ الأجداد المحتلّة – أرمينيا الغربيّة.

وبدورها، كافحت أرمينيا الشرقية السوفيتية على الصعيد السياسي، ولكنها كانت تفتقِر إلى سياسة خارجيّة مستقلّة، فعجزت عن اقتِطاع مساحةِ نفوذ لها في مخيّمات اللاجئين في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وكانت الكنيسة الأرمنيّة والأحزاب السياسية ونخَب المثقّفين كلُّهم عاجزين عن تقديم المساعدة لأنّهم فقدوا نفوذهم بالفعل. في هذا الوقت، كان المجتمع المدني الأرمني في أضعف مستوَياته. غير أنّ مساعدات الإغاثة الأجنبية ومنظمات الإغاثة الأرمنيّة والاتِّحادات الوطنيّة الأرمنيّة كانت مؤثرة في سدّ الفجوة بين الدولة المتعثِّرة وتوفير اللاجئين الذين يعيشون في حالة عَوَز.

وقد لعبت البعثات التبشيرية والمنظمات الخيريّة الأوروبيّة والأمريكيّة دوراً هامّاً في تقديم المعونة الخارجية. وركّزت مساهماتُها أكثرَ على رعاية العدد الكبير من الأيتام فضلاً عن إدارة دور الأيتام ومراكزَ الصحّة العامّة. وفي الوقت نفسه، نفّذت سلطات الانتداب البريطانيّة والفرنسيّة أحكام معاهدة لوزان لعام 1923، التي تسمح للّاجئين الأرمن في جميع أنحاء الشرق الأوسط بأن يُصبحوا مواطنين طبيعيّين في البلدان المضيفة لهم. وكانت عملية التجنيس الخطوَة الأولى نحو الاندِماج السياسي للّاجئين السابقين. بالإضافة إلى ذلك، وسرعان ما غدا الاتِحاد الأرمني العام للجمعيّات الخيرية (AGBO) الذي تأسّس في عام 1906 في القاهرة، منظّمة إغاثية فاعِلة. وكان لهذا الاتِّحاد دورٌ فعّال في حشدِ الشتات الأرمنيّ قبلَ الإبادة الجماعيّة لتقديم المساعدة لمواطنيهم المحتاجين. وبفضل شبكتِه الواسعة التي امتدّت إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة وسنغافورة، أصبح الاتِّحاد أبرزَ ممثِّل أرمنيٍّ لأعمال الغوث. ولا تزال منظمة AGBO والمنظمات الخيريّة الأرمينيّة الأخرى تَضطلع بدور رئيسي في إغاثة الأرمن اليوم. وبالإضافة إلى منظّمات الإغاثة، أعيد تنشيط النقابات الوطنيّة أيضا في نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد تمَّ ذلك من خلال مبادرات المهاجرين الأرمن في أوروبا والولايات المتَّحدة الذين اشتروا قطعاً من الأرض ووزَّعوها على الأرمن للحفاظ على الحياة المجتَمعية. وقد مكّن توزيع هذه الأراضي من بناء المحاكم والكنائس والمدارس.

وأدّى إنشاء منظَّمات الإغاثة والمنظَّمات الأهلية إلى تجدُّد الاهتمام بالشؤون الأرمنيّة في الشتات. ونتيجة لذلك، بدأت بقايا النخب الأرمنيّة المتعلّمة والنشطاء الحزبين يُسهِمون من جديد في قضيَّتهم الوطنيّة ويعيدون تشكيل أجنداتِهم الخاصة. وازداد نفوذ الأحزاب تدريجيّاً، متجاوزا في الحقيقة الكنيسة والنقابات الوطنية. وكان للنشطاء الحزبيّين دورٌ فعّال في توسيع المجال العام للّاجئين الأرمن من خلال الشروع في برامج الشباب والرياضة والثقافة والرقص والمسرح والكورال والكشّافة والمتطوِّعين. وأدّى ذلك إلى الشعور بالوحدة بين أفراد الشتات، بما في ذلك مجتمعات اللاجئين. وفي غياب بلد مضيف قويّ، حلّ المجال العامُّ الأرمنيّ محلَّ السماتِ السطحيّة للدولة "الفقاعة"الزائفة ]السوفييتية[، بمعنى أن الأحزاب استفادت من وجود اللاجئين الأرمن الذين تحولوا إلى زبائن لهم[6].

وكانت مسألة استفادة الأحزاب من اللاجئين ممكِناً لأنّ الشتات الأرمنيّ كان منفصِلا عن كلٍّ من البلد المُضيف الضعيفِ وأرمينيا السوفياتيّة، التي استبعدَت نفسها بسبب التطهير الستاليني والقمع الشديد للقوميّين الأرمن السوفييت. وقد أدّى نفيُ أعدادٍ كبيرة من الأرمن بعد إعادتِهم إلى أرمينيا السوفياتية بين عامي 1946 و1948 إلى تقليصِ الترابطِ بين الشتاتِ الأرمنيّ وأرمينيا السوفياتيّة وتقوقعِ غيتّوهات الشتات في الشرق الأوسط. وعلاوَة على ذلك، فإنَّ الانقسام الأيديولوجيّ في الحرب الباردة أضفى بُعدا دوليّاً على الانقسامات التي ما انفكت تتوسَّع بين الشتات وأرمينيا السوفياتيّة[7].

على أن الذكرى الخمسين لإبادة الأرمن كانت نقطةَ تحوُّل بالنسبة للأرمن في الاتِّحاد السوفييتي والشتات في منتصَف الستينيات. ففي ذلك الوقت، كانت المجموعتان أقلَّ انشِغالا بمطالبِ الحياة اليوميّة، وقد بدأ أرمن الشتات يتساءلون عن جدوى السياسات الحزبيّة في إيجاد حلٍّ للقضيّة الأرمنيّة، بينما أثار نظراؤهم الأرمن-السوفييت مخاوفَ مماثلةً مع الحكومة السوفياتيّة المحليّة. وتطرّق ذلك الجيل من الشتات أيضاً لتحدٍّ وهوَ قضيّةُ الهويّة[8] ، والشعورِ بالشك وازدواجيّة الوجود بالنسبة[9].وبينما كان العرف السائد في ذلك العصر يقتضي أن يحمل المرء هويّة حصريّة واحدة، كان هذا الجيل يُشكِّك في هويَّته الخاصة، فلا هم كانوا مواطنين أرمينيّين أصيلين ولا هم غدَوا مواطنين كاملين ومندمِجين في البلدان المضيفة لهم.

ومع تراجع تيّارات الحرب الباردة واضطِرار الاتِّحاد السوفياتي لمواجهة مرحلة ما-بعد ستالين، تمّ إنشاء لجنة العلاقات الثقافيّة مع الشتات الأرمني في عام 1964، وكان ذلك مؤشِّرا إلى محاولة رسميّة لإعادة التواصل بين الأرمن في جمهوريّة أرمينيا السوفييتية والأرمن في الشتات. وقد أدّى تدشين نَصبِ الإبادة الجماعية في العاصمة الأرمينيّة السوفياتيّة إلى تأجيج المشاعر القوميّة لأرمن الشتات تجاه أرمينيا السوفياتية، وساد اعتقاد أن أرمينيا السوفيتيّة هي في الحقيقة قوميّة أرمنيّة أكثر منها سوفييتيّة. وباتت الشخصيّات الثقافيّة الشهيرة في أرمينيا السوفييتيّة والفرقُ الرياضية وفِرق الرقص معروفةً لدى الأرمن المغتربين. واستمرَّ التقاربُ بين الشتات وأرمينيا السوفياتيّة حيث أتيحت الفرصة للطلاب من الشتات للدراسة في الجامعات الأرمينيّة السوفيتيّة مجّاناً، كما أتيح لمعلِّمي المدارس المغترِبين حضورُ دوراتٍ صيفيّة مكثَّفة، وقُدِّمت للمراهقين رحلاتٌ صيفيّة. وشارك الكتّاب الأرمن في الشتات في مؤتَمرات الكتّاب الأرمن السوفييت، وقُدِّمت الكتبُ المدرسيّة الأرمنيّة للمدارس الأرمنيّة في الشتات. ولا مراء في أنَّ ذلك كلَّه كان دعاية صرفاً للسوفييت، ممّا لم يَحُل دون جعل القوميّة والوحدة الأرمنيتَين أقوى من أيّ وقت مضى.

وبحلول منتصف السبعينيات، انتَظم الأرمن في الشتات وفي أرمينيا السوفياتيّة، بل وعلى امتداد الأراضي الأرمنيّة، في شبكة واسعةٍ من القنوات الثقافيّة والدينيّة والحزبية[10].وضمّت الفعاليات الرياضية الإقليميّة والدولية والتجمُّعات الثقافية والاتفاقيّات الحزبيّة أعضاء وشخصيات من جميع أنحاء الشتات. وحتى منتصف السبعينات، اعتُبرت الجاليات الأرمنية في الشرق الأوسط ناجحة عموماً. بَيد أن حدَثَين جللين وقعا بعد ذلك وعرّضا هذا الازدهار للانتكاس، وهما الحرب الأهليّة اللبنانيّة (1975-1990) والثورة الإيرانيّة (1979). لهذا السبب ربما، وبحلول أواخر الثمانينيات، تحوَّلت الأهميّة الديموغرافيّة للمغتربين من الشرق الأوسط إلى الغرب، الذي كان يزدهر ماليّاً منذ الخمسينيات. وبحلول نهاية الحقبة السوفياتية، كانت أهميّة الشتات الأرمنيّ في الغرب قد ترسَّخت، لكنّ التطورات المستقبليّة ستظل تؤثر على هوية الشتات.

 

ثانياً: فضاء أرمنيّ مُعَوْلم: الشتات الأرمنيّ الحديث ما بعد الحداثة (1991-2015)

في عام 1991، أعلنت أرمينيا استقلالها. وُضِعت وقائع الدولة الجديدة وجهاً لوجه مع البلاغةَ القديمة التي امتدّت عقوداً حول الوطنية الأرمنية والعودة إلى الوطن والتفوّق[11]. اختار مئات الآلاف من الأرمن السوفييت مغادرة البلاد[12]. وكان أوَّلُ ما تعيّن على الدولة المستقلّة حديثاً مواجهتَه لأمرَين: زلزالٌ كان قد وقع عام 1988 والصراعُ العنيف الذي حدث في كاراباخ، وهي منطقة أرمنيّة تتمتّع بالحكم الذاتيّ داخل جمهورية أذربيجان. ولئن كاد الزلزال اليوم يدخل طي الزلزال، ولئن  أعلن الأرمن إقامةً دولة في كاراباخ؛ إلّا أنّ الأُسَر لا تزال مشرّدة في المنطقة المنكوبة بالزلزال، الإصاباتُ لا تزال تقعُ يوميّاً تقريباً على الحدود الشرقية لكاراباخ. على الرغم من كلِّ هذا، ساهم انتصارُ كاراباخ في رفع الروح المعنويّة للأرمن في جميع أنحاء العالم، وعوّض عن إخفاقات الدوْلةِ الحديثة المنشأ.

وكان لاستقلال أرمينيا أثرٌ على هويّة الشتات أيضاً. وقد أدّت هجرة مليون أرمنيّ من الدولة المستقلّة حديثاً إلى إحداث تحوّل في بنية الشتات الأرمني وإيديولوجيّته. فلطالما تمّ تحديد الشتات الأرمنيّ الحديث على أنه نتاجُ الإبادة التركيّة، وإذا بمهاجرين جدد لم يأتوا من الإمبراطورية العثمانية. وبينما كان المهاجرون القدامى مرغمين على الفرار من بلدهم، آثر المهاجرون الجدد الرحيل بملء إرادتهم، وفي ذلك فارقٌ آخر. وقد شكّلت هذه الاختِلافات الصارخة تحدّياً لخطاب المهجر وهويّته. غير أن هذا التحوُّل في الشتات لم يتمّ النظر فيه طويلاً لأن الأنظار كانت منصبّة آنذاك على الزلزال والاستقلال وصراع كاراباخ، وانتقل اهتمام الأرمن من الحاجات المحليّة المتزايدة[13] إلى الاجتياحات الأسمى للوطن الأم. وبالإضافة إلى المسائل المُسبقة المتعلِّقة بالهوية، نشأت مسائلُ جديدة زادت في إحساس الأرمن بعدم اليقين، ومنعت الناشطين الأرمن من ترتيب أولويّاتهم الأساسية. من هذه المسائل: الرغبةُ في العودة، أَوجهُ القصور في بناء الدولة الأرمينيّة، القضايا المتعلِّقة بنزاع كاراباخ والزلزال والهجرةُ الأرمنيّة العراقيّة، إضافة إلى أزمةِ الأرمن السوريّين الحالية. زِدْ على ذلك أن أسئلةً رئيسية لم يتمّ فحصُها ودراستُها بعد، كالقضيّة الأرمنيّة والعلاقاتُ التركيّة الأرمنيّة والقضايا الحَرجة المشابِهة، مثل تعزيز العلاقات بين الدولة الأرمينيّة والسكّان الذين تدفَّقوا إلى الخارج، فضلاً عن استيعاب الهويّة الأرمنية والحفاظ عليها. ولعلّ قضيتَين ذاتَي أهميّة أُهمِلَتا: إعادةُ إدخال الأجيال الشابّة غيرالأرثوذكسية من الشتات إلى الدولة الأرمينيّة وإدماجُ المهاجرين الأرمن السوفيتيّين السابقين في الشتات.

وأدّى انعدامُ وجود مثل هذا الخطاب حول القضايا الرئيسية إلى وجود أرمن مشوَّشين وغير مبالين إلى حدٍّ كبير، وإن كان بعض الاهتمام قد تجدَّد في الذكرى المئويّة الأولى لإبادة الأرمن. ومع ذلك، ساد شعورٌ بالذعر حيث استمرّت خسارة الأرمن سواءً بسبب الهجرة من جمهوريّة أرمينيا أو اندِماج أرمن الشتات في البلدان المُضيفة. وراحت البؤر الاستيطانيّة الأصغر حجماً التي أنشئت في عشرينيّات القرن الماضي تذوبُ في المجتمَعات المضيفة وتختفي ببطء. وغدا الاندماج، حتى في مجتمعات الأرمن في الشرق الأوسط، هو القاعدة. ويتجلّى ذلك أكثرَ من غيره في معدَّل الزيجات المختلَطة الذي يتجاوز 50%، وانخفاضِ معدّلات الالتِحاق بالمدارس الأرمَنية، وإدراج اللغة الأرمنيّة الغربيّة في قائمة الأمَم المتَّحدة للُّغات المهدَّدة بالانقراض. وقد برّر أعضاءُ الشتات اندماجَهم في المجتَمعات المضيفة بإخفاقِ الدولة الأرمينيّة في معالجة أزمات الفقر والأوليغارشية في البلاد. وفي المقابل، أدّت هذه الإخفاقات إلى تحطيم الأحلام الوطنيّة للأرمن المغترِبين.

وبعد الاستقلال، بذلت جمهورية أرمينيا جهوداً لإصلاح علاقتها مع الشتات الأرمني. ومن بينِ الخطوات الأولى التي اتُّخِذت لتوطيد العلاقة بين الاتِّحاد الأوروبي وشتات المهاجرين إنشاءُ صندوق هايستان الأرمَني عام 1992 الذي دعم تطوير البنية التحتيّة في جمهورية أرمينيا. بَيد أن ذلك أثبت فشله، فقامت الحكومةُ الأرمنيّة بعرض الجنسيّة الأرمنيّة على جميع الأرمن في الشتات. وبعد فترة وجيزة، أنشئت وزارة الشتات، التي أصبحت منذ ذلك الحين مؤسَّسةَ الدولة الأكثر نشاطاً في إدماج الشتات في شؤون أرمينيا.

لعبت وزارةُ الشتات دوراً مؤثراً في تنظيم المؤتمرات الأرمنيّة والتجمُّعات المهنيّة والمعارض واليوبيلات والاحتِفالات بالتراث الثقافيِّ الأرمنيّ. وتناولت بعضُ الأحداث مسائلَ فصل الشتات عن وطنِهم، وعزَّزت على سبيل المثال اللغةَ الأرمينيّة الغربيّة المهدّدة بالانقراض، وحصلت على الاعتِراف الدوليّ بالإبادة الجماعيّة للأرمن. وقامت الوزارة بتشجيع مختلَف الأنشطة والمؤسّسات والمنظَّمات والجمعيّات في مجتمعات المغتربين، وأبرَزت إنجازاتِ المربّين والمتبرِّعين والباحثين والكتاب والمهنيّين والناشطين في الشتات. كما نشرت الوزارة معلوماتٍ عن أرمينيا، بات من السهل الحصولُ عليها من خلال إنشاء العديد من المواقع الإلكترونية وتشجيع مؤسّسات الدولة على الشفافيّة والتشارك الفعّال والسبّاق مع الشتات. والحالُ أنَّ الدولة الأرمينية اتَّخذت خطواتٍ ملموسةً لرأب الصدع بين جمهورية أرمينيا والمغتربين[14]. وحاولت الدولة رفعَ الشعور القومي بين مهاجري الشتات من خلال إظهار القوّة العسكرية للبلاد، مستشهدة بانتِصارها في صراع كاراباخ، فضلا ً عن رفع مستوى الوعي حولَ الإبادة الجماعية للأرمن. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود التي تبذلُها الدولة الأرمينية، أصيب المغتربون بخيبة أمل، بحكم آمالها التي كانت عريضة جدّاً.

وردّاً على الإحباط تجاه أداء دَولتهم، اتّخذ أرمن الشتات مبادراتٍ خاصّة بهم لتعزيز الروابط مع وطنهم. فبعد استقلال أرمينيا مباشرةً، بادر أرمن الشتات للتعبير عن دعمهم للجمهوريّة الجديدة. ونظّموا مؤتمرات في أرمينيا، ناهيك عن الرحلات والفعاليّات الرياضيّة والسياحة التاريخيّة والمعارضِ والمناسبات الثقافيّة على المستوى المحلّي. والحقُّ أنّه من النادر أن تجد منظَّمة أو حزباً أو نقابةً أو جمعيّة أو متطوِّعين أو مجموعاتٍ كشفيّة لم تعقد نشاطاً لها ولو مرّة واحدة على الأقل في أرمينيا. وقد جدَّدت هذه الأحداث اهتمامَ العديد من أعضاء الشتات الذين فقدوا اتصالَهم مع وطنهم.

 

خلاصة

ولّدت الانقسامات المؤسَّسية داخلَ الكنيسة الأرمينية والتي زاد من تفاقمِها الانقسامات التاريخيّة، انشقاقاتٍ ثقافيّةً ولغويّةً ساعدت على تطوير الهويّة الحديثة لأرمن الشتات. وكان للإبادة الجماعيّة والتطوُّرات السياسية الأخرى، مثلَ الحرب الباردة، دورٌ في تحفيز الانقسامات بين الأرمن وتحوّل هويتهم. والواقع أنّ سؤال الهويّة ينبغي أن يُفهم في سياق خصائص البلد المُضيف، كضعفِ الدوْلة ومسألةِ التسامح أو الطائفية، فضلاً عن المتغيِّرات داخلَ المجتمع الأرمنيّ نفسِه، مثلَ كثافة العدد والاتِّساق والوجودِ المؤسسي. وقد مكَنت عواملُ كهذه جماعاتِ الشتات الأرمنيّة من الحفاظ على هويَّتهم وتعزيزِها، مدعومةً بمبادراتِ كلٍّ من الدولة الأرمنية والشتات لإعادة بناءِ العلاقة المجزَّأة.

للشتات الأرمنيِّ تاريخ حافل، ومعقَدٌ أحياناً، ويواصل الشتات الحديث هذا التقليد، فهو منقسم ولكنّه متَّصِل بقوّة في نفس الوقت. ولا تزال الخلافاتُ التاريخيّة وخيبةُ الأمل من الدولة الأرمينيّة تعمل على تقسيم الشتات اليوم؛ بيد أن التكنولوجيا والمبادراتُ التي تقوم بها الحكومة الأرمينيّة ونخبُ المغتربين تعمل سويّة لمعالجة مخاوف الشتات. وقد كان للتكنولوجيا دورٌ حاسم لأنها جعلت المعلومات عن تاريخ الأرمن وثقافتهم متاحةً بسهولة، ممّا ألهم العديدَ من مجموعات المغترِبين الانخراط في تراثهم من خلال أنشطة مختلفة، بما في ذلك الرحلات إلى أرمينيا. وقد تساهم المنظماتُ التطوُّعيّة الأرمنيّة وزيادةُ الوعي بالتاريخ الأرمنيّ في إعادةِ إحياء العوامل الهدّامة للهويّة الأرمنيّة وتشجيعِ الأرمن المغتربين على إعادة الاتِّصال بخلفيَّتهم الثقافيّة وإقامةِ هويَّتهم الخاصّة داخلَ الشتات[15].  



[1] يمكن للمرء أن يرى كيف أثّر هذا الإرثَ على الخطاب الحالي على الأرمن المتأسلمين أو أولئك الذين لا يتكلَّمون الأرمنية.

[2] يجد الشباب الحاليّ من الأرمن الغربيّين والشرقيّين صعوبةً في استيعاب اللغات الأخرى بشكلٍ كامل.

[3] لمزيد من التفاصيل حول دور هذه النخب التجاريّة، راجع:

 Razmik Panossian, The Armenians: From Kings and Priests to Merchants and Commissars, New York: Columbia University Press, 2006;

 راجع أيضاً:

 Sebouh Aslanian, From the Indian Ocean to the Mediterranean: The Global Trade Networks of Armenian Merchants from New Julfa, Berkeley: California World History Library, 2011.

[4]  "... المنفى هو أيضاً مساحةٌ خصبة لوضعِ أشكال جديدة وسُبل تنظيم الخبرة، وخلقِ انتماءاتٍ واتِّحادات ومجتَمَعات جديدة، وتطوير هويات جديدة". راجع:

John Sorenson, “Essence and Contingency in the Construction of Nationhood: Transformations of Identity in Ethiopia and Its Diasporas”, Diaspora, Vol. 2, No. 2, Fall 1991, p. 201.

[5]  ولكن الحزبيّة والاختِلافات الأيديولوجيّة والطوائف الدينيّة الثلاث وقعت كلُّها تحت مظلَّة مشتركة لمصير مشترك وسمات ثقافيّة أوسع.

[6]  في البلدان الأوروبية، حيث كانت المجتمعات الأرمنية أقلَّ تحصُّناً وحيث كان نظام الدولة أكثر نشاطاً، كان للحرب العالمية الثانية آثار دمَّرت تقريباً جميعَ المساحات الصغيرة التي شيّدتها مجتمَعات اللاجئين لنفسِها.

[7] لقد لوحق أرمن الشتات الذين أعربوا عن تعاطفهم مع أرمينيا السوفييتية بتهمة الشيوعية. ومع ذلك، لم تتوقف بعض الصحف الأرمنية اللبنانية عن نشر قصص إيجابية عن التطورات في أرمينيا السوفياتية.

[8] في بعض البلدان العربية، لم تكن الأقلِّية الأرمنيّة تفضِّل التجنيد الإجباري، الذي امتدَّ أحياناً إلى 18 شهراً، وحاولت بنشاط تجنُّبَه. وفي بلدان أخرى، انضمَّ الأرمن إلى قوّات المقاومة ضدَّ النازيّين خلال الحرب العالمية الثانية (في فرنسا واليونان على سبيل المثال). في إيران، تمَّ تجنيد الأرمن وقاتلوا ضدَّ الجيش العراقي، الذي كان يضمُّ مواطنين عراقيّين من الأرمن في صفوفِه. راجع:

Eliz Sanasarian, “State Dominance and Communal Perseverance: The Armenian Diaspora in the Islamic Republic of Iran, 1979-1989”, Diaspora, Vol. 4, No. 3, Winter 1995, pp. 243-266; Իսկանդար Իսկանդարեան, Իրանին Պարտադրուած Ութամեայ Պատերազմը Եւ Իրանահայութիւնը (Iskandar Iskandarian,” The Eight-year War Imposed on Iran and the Iranian-Armenians”) կազմ. եւ խմբ. Նորայր Շահնազարեան, Թեհրանի Հայոց Թեմի Հրատարակչական Ֆոնդ, Թեհրան 2006.

وفي لبنان حافظ الأرمن على الحياد الإيجابيّ في الاقتِتال الداخلي اللبناني، في حين انضمّوا في سوريا إلى جيش الدولة وفي بعض المناطق إلى القوّات الدفاعية الكرديّة المحليّة.

[9] راجع:

 Susan Pattie, “At Home in Diaspora: Armenians in America”, Diaspora, Vol. 3, No. 2, Fall 1994, pp. 185-198.

[10] لفهم أفضل لهذه الاستراتيجيات، راجع:

 Anthony Arnove, “The Strategies of Transnational Communications”, Diaspora, Vol. 4, No. 3, Winter 1995, pp. 341-368.

[11]  زعم الأرمن أنَّ هذا النمط من الإدراك بالتفوُّق قد نشر من أجل الحفاظ على التراث في الشتات فقط.

[12] أعاد السكان الذين غادروا أرمينيا بعد استقلالِهم تعريفَ الشتات الأرمني بطريقتَين على الأقل: فهم لم يكونوا يتحدّثون الأرمنية الغربيّة ولم تكن جذورهم من أرمينيا الغربيّة، وكانوا يتألَّفون إلى حدٍّ كبير من العمّال المهاجرين.

[13] في أوائل التسعينات، شملت هذه الآثار الحربَ الأهلية اللبنانية والحرب العراقية الإيرانية، إلى جانب غزوِ الكويت من قِبل العراق، ممّا جعل العائلات الأرمنيّة عُرضة للخطر.

[14]  في البداية، دعت الدولة عدداً من كبار الخبراء والمهنيّين من الشتات وضمّتهم في أعلى الهيئات الإدارية في الحكومة ووزارات الخارجيّة والطاقة والاقتِصاد. ولكن هذا الاتِّجاه لم يستمرّ طويلاً. انظر:

 Khachig Tololyan, “Commentary”, Diaspora, Vol. 1, Number 2, Fall 1991, p. 226.

[15] يتابع الأرمن في جميع أنحاء العالم محطات التلفزيون في جمهورية أرمينيا، رغم أنهم لا يتفقون على جودة البرامج ونوعها واللغة المستخدمة. ولكن ذلك مفهوم: فالشتات شديد التنوع ومن المستحيل تلبية جميع الأذواق والمطالب.