You are here

الأمن الرقمي لمراقبة من؟ قانون الجرائم الإلكترونية في فلسطين

بدائل سياسات
TitleDownload
الأمن الرقمي لمراقبة من؟ قانون الجرائم الإلكترونية في فلسطينلتحميل الورقة

في حزيران/يونيو 2017 ، أصدر الرئيس محمود عباس قانون الجرائم الإلكترونية دون سابق مشاورات.  و بدلا من أن يعزز  القانون الأمن الرقمي للمواطنين،  أصبح أداة لقمع المعارضة الداخلية. مما أثار حفيظة  مؤسسات المجتمع المدني التي طالب بتعديل القانون، مسلطة الضوء بذلك على أزمة الشرعية في حكومة السلطة الفلسطينية.

***

تحدّد هذه الورقة القضايا الأساسية المتعلقة بالشفافية في العمليات التشريعية والمساءلة الحكومية خلال وضع الأُطر القانونية لحماية المواطنين في السياق الفلسطيني. وتعرض كيفية تحوّل قانون الأمن الرقمي إلى أداة لقمع المعارضة المدنية وإسكات المعارضة السياسية، وهو القانون الذي يُفترض أنه وُضِع لحماية المواطنين، ولتعزيز الأمن الرقمي لهم.

لا شكّ في أنّ ممارسات الحكومة الإسرائيلية -المتمثلة في الإشراف الشامل على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتحكّم فيها- تحدّ من القدرة الحمائية لتدابير الأمن الرقمي الفلسطينية. وعلى أهمية ذلك؛ فإن هذه الورقة لن تركّز على دور الحكومة الإسرائيلية، بل على الدور الذي لعبته الحكومة الفلسطينية في زيادة خوف مواطنيها من الرقابة وانعدام الأمن على المنصّات الرقميّة.

كما ستناقش الورقة، من خلال فحص التشريع الأول للجريمة الرقمية للسلطة الفلسطينية؛ القانون رقم (16). وستبيّن كيف أن هذا القانون قد عصف بالحريّات المدنية والمناخ السياسي العامّ، تاركاً آثاراً سلبية عليهما. وستبيّن أيضاً دور منظمات المجتمع المدني في الضغط على الحكومة لإصدار تشريع جديد للجرائم الإلكترونية مُتمثِّلاً في القانون رقم (10).

 

التشريع الضروري والتشريع الباطني

في 24 حزيران/يونيو 2017، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) بموجب مرسوم رئاسي. وقد تمّ إقراره بسريّة وفُرِض مباشرة بدون تشاور مع منظمات المجتمع المدني. قبل إصدار القانون، كان المُدَّعُون العامّون الفلسطينيون في الضفة الغربية يستخدمون قانون الاتصالات اللاسلكية لعام 1996، وقانون المعاملات الإلكترونية لعام 2013 وتفسيرات قانون العقوبات الأردني لعام 1960 لمقاضاة الجرائم التي كانت تُرتكب عبر شبكات الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

غير أن التشريع الجديد يُجرّم في الغالب المخالفات ضدّ الأصول والهويّات الماديّة دون الافتراضية، ولا تزال ثمّة ثغرات في الأساس القانوني للملاحقة القضائية. وفي هذا المجال يشدّد خبراء قانونيون مثل مصطفى عبد الباقي على أن الإطار القانوني الموجود في فلسطين قبل إصدار قانون الجرائم الإلكترونية يتطلّب تطويراً في تعريف الجرائم الرقمية، وليس كافياً لمكافحة إساءة استخدام الإنترنت والبيانات ونُظُم الكمبيوتر.[1] وتشارك الشرطة الفلسطينية هذا الرأي، مُؤكِّدة أن القانون الجديد سيُمكِّن من التجريم الفعّال والملاحقة القضائية وجمع الأدلّة المُتعلِّقة بالجرائم الرقمية.

منذ عام 2015، ازدادت الجرائم الإلكترونية في فلسطين، في قطاع غزّة الذي تسيطر عليه حماس وفي الضفة الغربية على حدٍّ سواء. وتشمل هذه الجرائم سرقة الهوية والتشهير والابتزاز وبخاصّة ابتزاز النساء. وقد شرعت وحدة الجرائم الإلكترونية الفلسطينية في إجراء تحقيقات في الجرائم الرقمية التي ارتُكِبت من قبل مواطنين فلسطينيين أو ضدّهم من دول مثل نيجيريا والمغرب. وكانت الوزارات والمسؤولون الفلسطينيون قد استُهدِفوا هم أنفسهم من قبل حملات التصيّد الإلكتروني الاحتيالي والقرصنة. ووفقاً للشرطة الفلسطينية، يُعزى هذا الارتفاع في الجريمة الرقمية إلى عاملين رئيسيين: الأول هو زيادة الاتصال بالإنترنت واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، والثاني هو عدم وجود قوانين تسمح لموظفي إنفاذ القانون بمقاضاة الجرائم التي تُرتكب من خلال شبكات الكمبيوتر.[2]

 

يتضمّن قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني رقم (16) 61 مادّة تُعاقب على سرقة الهوية والاحتيال والتزوير ونشر المواد الإباحية للأطفال فضلاً عن الجرائم الأخرى المُرتكبة عبر الوسائل الرقميّة وشبكات الكمبيوتر.[3] ووفقاً للمسؤولين الفلسطينيين والشرطة الفلسطينية؛ فإن التشريع ضروري لإغلاق الثغرات والسماح بمقاضاة الجرائم الإلكترونية. غير أن منظمات المجتمع المدني الفلسطينية أطلقت حملات دعت إلى مقاطعة القانون والمطالبة بإصلاحه، وذلك بسبب الطريقة السريّة التي تمّ بها تمرير القانون، وبسبب استخدامه فوراً وبدون إبطاء بهدف مقاضاة السجناء والنشطاء الفلسطينيين وسجنهم.

 

البناء على سياسات المراقبة الإسرائيلية

لطالما راقبت السلطات الإسرائيلية عن كثب النشاط الفلسطيني عبر الإنترنت، من خلال سياسات الرقابة الجماعية لتقصّي الدعوات إلى المقاومة أو العنف، فضلاً عن استقصاء المعلومات التي يمكن استخدامها لإرغام الفلسطينيين على التعاون مع قوات الأمن الإسرائيلية. ويُستخدم مصطلح "إسقاط" بشكل شائع بين الفلسطينيين عند الإشارة إلى المُمارسات التي تقوم بها وحدات الاستخبارات الإسرائيلية مستخدمة معلومات أو صوراً يتمّ جمعها بهدف ابتزاز الفلسطينيين من أجل التعاون مع القوات الإسرائيلية. وقد تحدّث جنود سابقون في جيش الدفاع الإسرائيلي عن هذا الأسلوب، وهم يشيرون إلى أن وحدات الاستخبارات تنتهك حقوق الأفراد دون مُبرّر، وفي بعض الأحيان تبتزّ الأفراد لإرغامهم على التعاون.[4] وبسبب الموقف السلبي من المجتمع تجاه التوجهات الجنسية لدى البعض؛ فإن الجماعات ذات الميول المثلية جنسياً هي الأكثر عرضة لهذا الابتزاز من أجل الــ "إسقاط".

وفوق ذلك، يواجه الفلسطينيون خطر اتهامهم بالتحريض على العنف عندما يقوم شخص ما، على سبيل المثال، بتوثيق المواجهات مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ويشارك لقطات منها، أو حين ينشر قصائد تدعو إلى "المقاومة". وبالنتيجة، فإن ممارسات الرقابة الجماعية على الإنترنت والتجريم القاسي تؤدّي إلى تقييد نقد سياسات الاحتلال وتوثيقها. ومع ذلك، فإن المحاولة الإسرائيلية لكبح العنف لا تزال من جانب واحد، حيث لا يوجد سوى القليل من الجهود للتصدي للتحريض الإسرائيلي.

وتوصّلت دراسة أجرتها مؤسسة "حملة" ومؤسسة "فيغو سوشيال إنتلجنس" ومؤسسة "بيرل كاتزنيلسون" عام 2018 إلى أن الإسرائيليين ينشرون كل 71 ثانية تعليقاً تحريضياً يدعو إلى العنف ضدّ الفلسطينيين.

وهكذا، فمن مشروع قانون الفيسبوك الإسرائيلي المثير للجدل الذي يُسهِّل إغلاق صفحات التواصل الاجتماعي الفلسطينية إلى التشريع الذي يُجرِّم تصوير الجنود الإسرائيليين؛ يُعدّ المجال الرقمي أبعد ما يكون عن كونه مساحة آمنة لحرية التعبير الفلسطينية.[5]

ومع صدور قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16)؛ فإن الشاغل الرئيسي هو الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا القانون في تعميق الرقابة الإسرائيلية، إذا أخذنا بالاعتبار التزام السلطة الفلسطينية المثير للجدل بالتنسيق الأمني ​​مع الوحدات الأمنية الإسرائيلية.

 

القانون رقم (16) وتهديد الحريّات المدنية والخصوصية وحريّة الصحافة

يفرض قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) عقوبات بما في ذلك السجن وغرامات تتراوح ما بين 2,000 و10,000 دينار أردني (2820 - 14000 دولار أمريكي) لجرائم الإتجار بالبشر والتمييز العنصري وتمويل الإرهاب والترويج للمخدّرات والعقاقير الطبيّة المُهدِّئة، وغيرها من الجرائم التي تُرتكب عبر الإنترنت وتقنيات الكمبيوتر. كما يفرض القانون عقوبات مماثلة على أولئك الذين يُنتِجون أو ينشرون "المواد غير الأخلاقية" رقمياً، أو المواد التي تُعرِّض "النظام العام" للخطر، مما يسمح بمزيد من العقوبات الاجتماعية والمراقبة من قبل قوات الأمن.

ومثل التشريعات الأخرى في المنطقة؛ تفتقر تشريعات عام 2017 إلى تعريفات واضحة لمصطلحات مثل "الأخلاق العامّة" و"النظام العامّ" و"الأمن القوميّ" و"الوحدة الوطنيّة"، الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى إساءة استخدام مثل هذه الموادّ العمومية.

في غياب تشريعات حماية البيانات والضمانات اللازمة، وغياب المشاورات مع منظّمات المجتمع المدني العاملة في مجال الحقوق الرقمية؛ فإن القانون رقم (16) يترك بيانات المواطنين عرضة للانتهاك من قبل أجهزة أمن الدولة، ويُهدّد الحقّ في الخصوصية. ويمنح القانونُ السلطات الحقّ في الوصول إلى بيانات المواطنين بموجب المادة 32، التي تُلزِم مُزوّدي خدمات الإنترنت بتوفير المعلومات وحجب بيانات المُشتَرك لمدة ثلاث سنوات ورصد الاتصالات بناء على طلب السلطات، حتى من دون إبلاغ مزودي خدمة الإنترنت الفلسطينيين (ISP) أو طلب المشورة منهم.

إن مثل هذه التشريعات التي فُرِضت من قبل السلطة بدون نقاش مع مزودي خدمات الإنترنت ومع المجتمع المدني؛ لا تسمح للمواطنين بمعرفة مثل هذه التدخّلات، مما يزيد من خطر انتهاك اتصالاتهم وبياناتهم.

 

رد فعل المجتمع المدني وضغطه من أجل التعديلات

يشكّل القانون رقم (16)، تهديداً أيضاً لحرية التعبير والوصول إلى المعلومات وخاصة حرية الصحافة. وقد ألقت قوات الاستخبارات الفلسطينية القبض على ستّة صحفيين فلسطينيين استناداً إلى المادة 20، في الشهر الأول فقط من دخول القانون حيّز التنفيذ. وكان الستة مشتبهاً بتعاونهم مع جهات معادية غير مُحدَّدة الهوية. ومعظم الصحفيين المعتقلين يعملون في وسائل إعلامية مرتبطة بحماس.

وتستهدف المادة 20 على وجه التحديد نشر الأخبار التي تهدّد "الوحدة الوطنية" للدولة، و"الأمن القومي"، و"النظام العامّ". وقد جادل الناشطون الفلسطينيون بأن الاعتقالات كانت ذات دوافع سياسية، وأن التهم غير مدعومة بالأدلّة، ومن ثمّ طالبوا بالإفراج عنهم، بل تفاقم الوضع إلى حدّ القيام باعتصامات، بالإضافة إلى حملات على وسائل الإعلام الاجتماعية مثل حملة #الصحافة_ليست_جريمة.

كما تمّ استهداف نشطاء حقوق الإنسان بموجب القانون رقم (16). ففي 4 أيلول/سبتمبر 2017، ألقِي القبض على الناشط البارز في مجال حقوق الإنسان عيسى عمرو بسبب دعوته للإفراج عن صحفي مسجون بسبب سخريته من الرئيس محمود عبّاس. ونتيجة لذلك، تمّ تشكيل لجنة قانونية من قبل ائتلافٍ مُكوَّنٍ من 11 منظّمة من منظّمات المجتمع المدني، وقدّمت اللجنة مذكّرة إلى حنان عشراوي، رئيسة دائرة الثقافة والإعلام في منظّمة التحرير الفلسطينية، وحوت المذكّرة اعتراضات مُفصّلة على أحكام القانون.[6]

وبعد ردّ فعل المجتمع المدني هذا، نظّمت وزارة العدل الفلسطينية جلسات حوار -اعتبر الكثيرون أنها تأخّرت كثيراً- مع منظمات المجتمع المدني لعرض التعديلات على القانون ومناقشتها.

لقد كان قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) في نهاية المطاف عبئاً جديداً أُضيف إلى القيود المفروضة على وسائل الإعلام الفلسطينية وحرية الصحافة من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، مما يساهم في خلق بيئة قاتمة من الخوف والمراقبة الجماعية. ويزوّد القانون قوات الأمن الفلسطينية بآلية قانونية للحدّ من حرية الوصول إلى المعلومات ويمكِّنها من احتجاز الصحفيين والنشطاء بشكل تعسفي. والحال أن عدد انتهاكات الحريات الإعلامية التي ارتكبتها قوات الأمن الفلسطينية في حزيران/يونيو 2017 كان أعلى من تلك التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وقد بلغت هذه الانتهاكات ذروتها بعد صدور القانون (16)،[7] كما يُظهِر ذلك تقريرٌ صادر عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية.

ولا شك أن استخدام القانون رقم (16) لقمع المعارضة المدنية وحرية التعبير يثير المزيد من القلق بسبب تأثيره على احتمالات التغيير الإيجابي المُستدام الذي يعتمد بشكل كبير على عوامل وهي انفتاح المجتمع الفلسطيني والثقة في قيادته، ولا سيّما في المجالات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية في فلسطين. وقد اهتزّت هذه العوامل جرّاء هذه الحملة على الحرّيّات المدنية وحريّة التعبير.

وبسبب ضغط التحالف، تمّ نشر قانون مُعدّل للجريمة الرقمية، وهو القانون رقم (10)، في 3 أيار/مايو 2018 ليحلّ محلّ القانون رقم (16).[8] وقد نجح التحالف في الضغط لإزالة المادة 20، وتخفيض العقوبات القاسية، وإلغاء التجريم المتعلّق بمصطلحات غير مُحدّدة بشكل واضح، مثل "الوحدة الوطنية" و"النظام العامّ"، كما أُضِيفت أحكام جديدة مثل المادة 21 التي تحمي وسائل الإعلام والنشر والحريّات الفنية.

وعلى الرغم من هذه التعديلات؛ فإن القانون الجديد لم يعالج مصادر القلق كلها، وأبرزها في القانون رقم (16) تلك المُتعلِّقة بالصلاحيات المفرطة وجمع الأدلّة بشكل غير قانوني، حيث بقيت دون تغيير في قانون 2018. كما أبقت المادة 39 في القانون الجديد رقم (10) صلاحية حجب مواقع الإنترنت بيد السلطة، كما كانت عليه الحال في المادة رقم 40 من القانون رقم (16).

وأكّدت منظمات مثل اللجنة الفلسطينية المستقلّة لحقوق الإنسان، ومؤسسة "حملة" أن العديد من الأحكام المُسبِّبة للمشكلات التي تنتهك التزامات فلسطين الدولية لا تزال قائمة. ومع ذلك، تم إصدار المسوّدة الجديدة ونشرها في الجريدة الرسمية في أيار/مايو 2018 دون إجراء مشاورات كافية.

 

التشريع الباطني في سياق أزمة الشرعية

يُعتبر قانون الجرائم الإلكترونية الأصلي رقم (16) جزءاً لا يتجزّأ من النهج الأمني ​​للسلطة الفلسطينية، إذا أخذنا آثاره الاجتماعية والسياسية بالاعتبار، إذ يعتمد النظام على أجهزته الأمنية ومؤسّساته لتوطيد حكمه، مع مواجهة أزمة شرعية وزيادة استياء المجتمع المدني من الوضع الراهن الراكد. وخلال العقد الماضي، ازداد عدم الرضا عن فشل الجهود التي تبذلها القيادة لإنهاء الاحتلال أو لتوفير المستلزمات الأساسية لمواطنيها وحكمهم حكماً رشيداً.

وقد أفاد استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2017 أن ثلثي الفلسطينيين يريدون لعباس أن يستقيل بعد 11 سنة من الحكم بموجب مرسوم رئاسي.[9] ووفقاً لنشطاء المجتمع المدني، فإنّ القانون الجديد هو محاولة لتدعيم حكومة تفقد شرعيتها في عيون شعبها، بواسطة خلق الخوف من الرقابة والاعتقال بدلاً من بناء بيئة حمائية قائمة على الثقة. بيد أن استخدام قانون الجرائم الإلكترونية للسيطرة على المجال الرقمي، وهو أحد المجالات القليلة المتبقّية للتعبير السياسي الحرّ في فلسطين، هو إشكالي أيضاً؛ لأنه يؤدّي إلى الرقابة الذاتية، ويخنق إمكانات التغيير على مستوى الشارع ويقمع المناقشات الضرورية حول القيادة الفلسطينية.

أضف إلى ذلك أن المجلس التشريعي الفلسطيني كان عاطلاً منذ فشله الذريع في تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2007. ونتيجة ذلك، تمّ تركيز السلطات التشريعية والقضائية بشكل مفرط في أيدي السلطة التنفيذية. وبموجب القانون الأساسي في فلسطين، يمكن إصدار تشريع بموجب مرسوم رئاسي في حالات الضرورة. ولكن التشريع بمرسوم في حالات الضرورة أصبح القاعدة المُتّبعة منذ عام 2007، بالنظر إلى استمرار الانقسامات الفلسطينية وعدم القدرة على إنعاش المجلس التشريعي الفلسطيني. وما تشريع الجرائم الإلكترونية سوى واحد من بين مئات القرارات التي تمّ اتّخاذها بهذه الطريقة.

ويجعل هذا المأزق من الأهمية بمكان أن تمارس السلطة التنفيذية في الحكومة هذه الصلاحيات بطريقة شفّافة واستشارية. إن بيئة يتزايد فيها عدم الثقة وعدم الرضا عن حكم السلطة الفلسطينية، مصحوبة بجهود الرئيس أحادية الجانب لسنّ مثل هذه التشريعات، تثير أسئلة أكبر حول مساءلة الحكومة الفلسطينية.

 

أثر القانون رقم (16) على التعددية السياسية

نظراً إلى أن البيئة الفلسطينية قائمة على الصراع السياسي المتواصل، فليس من الغريب أن يترك القانون رقم (16) آثاره على مسألة التعددية السياسية في المجتمع الفلسطيني، وأن يساهم في تعميق المنافسات السياسية، وقد تمّ استخدامه لإسكات المعارضة السياسية لرئاسة عباس من قبل حماس أو مناصري محمد دحلان. حيث تسمح المادة 40 من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) لقوات الشرطة والأمن أن تطلب من النائب العامّ إغلاق المواقع التي تنشر محتوى يهدّد "النظام العامّ" أو "السلم العامّ" وحجبها في غضون 24 ساعة. تحت هذه التعريفات الفضفاضة، تستطيع السلطات أن تحجب المواقع التي لا تعزّز مصالحها ولا تتلاءم مع أجندتها السياسية الخاصّة. وقد تمّ بالفعل إغلاق 29 وسيلة إخبارية وإعلامية تابعة للمعارضة السياسية أو مستقلّة لأنها تنتقد قيادة السلطة الفلسطينية، وذلك استناداً إلى المادة 40. وقد احتفظت النسخة الجديدة من قانون الجرائم الإلكترونية، قانون رقم 10 الصادر في 2018 بهذه المادة.

هاجم نوّاب حماس قانون 2017، بسبب ما يرونه عملية تشريعية غير شرعية لا تؤدّي إلا إلى تعزيز المصالح الضيّقة للسلطة الفلسطينية. بيد أن هذا لا يعني أنّ حماس لم تلعب دوراً مماثلاً في إسكات المعارضة الداخلية. ويشير تقرير لمنظمة العفو الدولية عن حال حرية التعبير في فلسطين إلى أن الحكومتين كلتيهما (في رام الله وغزّة) تستخدمان أساليب "الدولة البوليسية"، وأن قوّات الأمن التابعة لحماس اعتقلت أيضاً 12 ناشطاً وصحفياً عبّروا عن معارضتهم عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية، في حزيران/يونيو 2017.[10]

إن مثل هذه التحرّكات لإسكات الأصوات المعارضة والرقابة على المعارضة وحرية التعبير تتناقض مع المبادئ الديمقراطية وتسهم في ترسيخ ما يعتبره الكثير من الفلسطينيين قاعدة غير شرعية. علاوة على ذلك، فإنّ الانقسام السياسي الفلسطيني ظلّ لفترة طويلة عقبة رئيسية أمام عملية السلام وبناء الدولة وإنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي استمرّ 70 عاماً.

 

التحديات والاستنتاجات: قانون للجريمة الرقمية من دون استراتيجية للأمن الرقمي

في مواجهة التهديد المتزايد للجريمة الرقمية، لا يمكن أن يكون سنّ التشريعات الجديدة جهداً مستقلاً، بل ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية شاملة للأمن الرقمي. وفقاً لتقرير للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لعام 2014، فإنّ فلسطين تتعثر في ذيل الدول فيما يتعلق بالمستويات الفنية والقانونية والتنظيمية وبناء القدرات والتعاون. وهي تفتقر إلى المعايير الرسمية للإشراف على تنفيذ المعايير والاتفاقيات الدولية للأمن الرقمي، وليس لديها إطار عمل لقياس تطوّر الأمن الرقمي الوطني، ولم يكن لديها، حتى وقت قريب، فريق استجابة لحالات الطوارئ في مجال الكمبيوتر، ولا توجد أُطُر عمل رسمية للتعاون الإقليمي والدولي مع القطّاع العامّ.[11]

ووفقاً لدراسة أجراها الاتحاد الدولي للاتصالات، يجب أن تكون تدابير الأمن الرقمي الوقائية شاملة، وأن يتمّ اتخاذها ضمن الركائز الخمس لبرنامج الأمن الرقمي العالمي، والتي تشمل بناء القدرات والتدابير القانونية والتعاون الدولي. ومن ثمّ تطوير استجابة ملائمة للضعف الرقمي في فلسطين. كما أن الوعي الرقمي والثقافة الإلكترونية يحتاجان إلى إضفاء الطابع المؤسسي من قبل مزوّدي الخدمات والمستخدمين، كما يتعين تعزيز التعاون بين القطاعين العامّ والخاص بطريقة شفّافة وتشاركية.

وبالنظر إلى الخطوة التي اتّخذتها الحكومة لتوفير الرعاية للمواطنين من خلال الخدمات الإلكترونية ورقمنة جميع أنواع بيانات المواطنين، ومع ارتفاع صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتصل إلى نسبة 10% في الاقتصاد الفلسطيني تقريباً؛ فإن استراتيجية الأمن الرقمي يجب أن تحمي مصالح المستخدمين والأعمال والحكومة على حدٍّ سواء. كما يجب تطوير تشريع جنائي رقمي يكون جزءاً من هذه الاستراتيجية. ويتّصل ذلك بأهمية وضع التشريعات من خلال عملية تشاورية، مع الحفاظ على مبادئ الشفافية والمساءلة.

إن ما يدعو إلى التشكيك في قدرة التشريع الأصلي على توفير الحماية وعلى مساءلة القيادة والشفافية المؤسّسية هو أن هذا التشريع قد تمّ في سرّية تامّة. ولا شكّ أن التحديات المؤسّسية، مثل عطالة المجلس التشريعي، تعوّق العملية التشريعية والقدرة المؤسّسية على مكافحة الجريمة، بيد أن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولية إعلام المجتمع المدني والتشاور مع مؤسّساته وتحالفاته قبل تفعيل أية تشريعات جديدة.

يبقى أن ثمّة جانب إيجابي يتمثّل في الحراك الشعبي الفلسطيني والنضال ضدّ هذه السياسات، وهو ما يقدّم بارقة أمل بأن الانزلاق نحو الاستبداد لن يمضي بدون مقاومة. ففي نظامٍ خالٍ من الضوابط والتوازنات، يلعب المجتمع المدني دوراً أساسياً في كشف التدابير الحكومية غير الدستورية والقمعية وإدانتها، ويجب تشجيعه على ذلك. وقد استبسلت منظّمات المجتمع المدني الفلسطينية في الدفاع عن حقّها في الانتقاد السلمي للحكومة واستفادت من المنصّات الرقمية ووسائل المناصرة الإعلامية، لزيادة الوعي التنظيمي والمجتمعي بالمفاهيم الأساسية للأمن الرقمي. وتحقيقاً لهذه الغاية، قامت منظمات مثل "حملة" والمركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي بقيادة الجهود لإشراك المواطنين وتوعيتهم بالتطوّرات التي تؤثّر على حقوقهم الرقمية.

وأخيراً، كانت قدرة الأمن الرقمي في فلسطين تتأثر دائماً بسيطرة الحكومة الإسرائيلية على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية وواردات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتردّدات الاتصالات. وفي ظلّ وجود حاجة مُلحّة إلى زيادة القدرة على وقاية الأمن الرقمي في فلسطين؛ فإنّ ذلك لا بدّ أن يتمّ بما يتفق مع الالتزامات الدولية للسلطة الفلسطينية فيما يتعلّق بالخصوصية والحريات الفردية، والامتناع عن التعدي على النشاط السياسي الذي يُسهم في تحقيق الديمقراطية والانفتاح الضروريين للمجتمع الفلسطيني.

 


[1] عبد الباقي، مصطفى، المجلة العالمية للقانون المقارن، "سن تشريع الجريمة الرقمية في مسعى لمكافحة الجريمة الرقمية في فلسطين"، 30 تموز /يوليو 2016.

[2] دنيا الوطن، "المرأة الفلسطينية تُستهدف بشكل متزايد عبر الإنترنت"، 31 كانون الثاني/يناير 2016، مُتاح على:

https://english.alwatanvoice.com/news/2016/01/31/860172.html

[3] للحصول على النص الأصلي للقانون، يُنظر: حملة، "الترجمة الإنجليزية الكاملة لقانون الجرائم الإلكترونية الفلسطينية"، 2 آب/أغسطس 2017، مُتاح على:

https://7amleh.org/2017/08/02/the-full-english-translation-of-the-palestinian-cyber-crime-law/

[4] الجارديان، "أي فلسطيني يتعرّض للرصد من قبل الأخ الأكبر الإسرائيلي"، 12 أيلول/سبتمبر 2014، متاح على:

https://www.theguardian.com/world/2014/sep/12/israeli-intelligence-unit-testimonies

[5] لمعرفة المزيد عن التشريعات الإسرائيلية وتأثيرها على الحريّات الرقمية، يُنظر: حملة، "هل ستضعف موجة جديدة من التشريع الإسرائيلي الحرّيّات في الإنترنت؟"، 14 آب/أغسطس 2018، مُتاح على:

http://7amleh.org/2018/08/14/هل-ستضعف-موجة-جديدة-من-التشريع-الإسرائ/

[6] مدى، "إنهاء عمل لجنة تعديل قرار بقانون الجرائم الإلكترونية وتجديد المطالبة بإلغائه"، 14 أيلول/سبتمبر 2017، متاح على:

https://www.madacenter.org/report.php?lang=2&id=1742&category_id=6&year=

[7] مدى، "مدى: 51 انتهاكات للحريات الإعلامية في فلسطين خلال يونيو 2017"، متوفر على الرابط:

http://www.madacenter.org/report.php?lang=1&id=1719&category_id=13&year=2017

[8] للوصول إلى قانون الجرائم الإلكترونية الجديد رقم (10)، يُنظر: وكالة الأخبار والمعلومات الفلسطينية، "التشريع بموجب المرسوم رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجريمة الرقمية"، 03 أيار/مايو 2018، مُتاح على:

 http://www.wafainfo.ps/pdf/Excellent_16.pdf

[9] المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، "نتائج استطلاع الرأي العام رقم (63)"، 26 آذار/مارس 2017، متاح على:

http://www.pcpsr.org/ar/node/689

[10] منظمة العفو الدولية، "فلسطين: تصعيد خطير للهجمات على حرية التعبير"، 23 آب/أغسطس 2017، مُتاح على:

https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2017/08/palestine-dangerous-escalation-in-attacks-on-freedom-of-expression/

[11] الاتحاد الدولي للاتصالات، "بروفايل الإنترنت الرقمي، دولة فلسطين"، مُتاح على:

https://www.itu.int/en/ITU-D/Cybersecurity/Documents/Country_Profiles/Palestine%20.pdf

 

الصورة: الأمن الرقمي لرقابة من؟ قانون الجرائم الإلكترونية في فلسطين.