You are here

أوروبا هي اللاعب الرئيسي في سوريا: نموذجٌ بديل للانتقال

بدائل سياسات
TitleDownload
أوروبا هي اللاعب الرئيسي في سوريالتحميل الورقة
 

إن الاتحاد الأوروبي اليوم ، أكثر من أي لاعب آخر، بما في ذلك روسيا بجيوشها على الأراضي السورية، يمتلك مفتاح إعادة دمج سوريا في الحظيرة الدولية أو حرمان نظام الأسد من الانتصار والحفاظ على عزلته. في هذه اللحظة يمكن القول إن للاتحاد الأوروبي الدور الأكثر أهمية في تحديد المسار المستقبلي لسوريا وهو في وضع يمكّنه من تحديد نتيجة الصراع. الرئيس بوتين وبالتأكيد الأسد يعيّان هذا جيداً، ربما أكثر أفضل من الاتحاد الأوروبي ذاته. لذلك يجب تفعيل الموقف المعلن للاتحاد بأنه لن تكون هناك إعادة بناء بدون انتقال سياسي لكي يستخدم نفوذه الكامل لتشكيل حل للنزاع في سوريا.

***

لن يستطيع الاتحاد الأوروبي وحده إحداث أي تغييرٍ حاسم في ديناميكيّات الصراع، ما دامت الوسائل العسكريّة هي السائدة في تقرير مصير سوريا؛ وهذا ما كان الأسد يسعى دائمًا إلى إثباته على نحوٍ ثأري، ليقول إن قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير في الصراع لم تكن كافية. وكان من حظّ الأسد أن بوتين قد عقد العزم على أن يمنع سقوطه، وألقى بكامل ثقله وراءه للحفاظ على حكمه.

ولكن أيتعيّن، عندما تسكت المدافع في النهاية، أن تقبل الدول الرئيسيّة في أوروبا أو أن يقبل الاتحاد الأوروبي ببساطة "الحقيقة المحزنة" – حقيقة أن النظام السوري سيعود إلى فرض سيطرته الكاملة على البلاد؟ هل سيقومون بتوجيه الأموال للأغراض الإنسانيّة والتعافي المبكر وما بعد الحالات الطارئة من خلال النظام المالي للدولة، وهم يعلمون جيّدًا أن قسمًا كبيرًا جدًا من أموال دافعي الضرائب الأوروبيّين قد تجد طريقها في النهاية إلى جيوب عائلة الأسد و"كليبتوقراطية" (Kleptocracy) المحيطة به،[1] ومتابعة مخطّطه الطائفي لتغيير التركيبة السكّانية في سوريا على أسُسٍ دينيّة وعرقيّة؟

إن تأطير النقاش فيما يتعلّق بقبول بقاء الأسد وإعادة تأهيله أم لا إنّما هو إضعافٌ للاتحاد الأوروبي، لأنه يقوم على أساس أن القوّة العسكريّة وحدها هي التي تحدّد نتيجة الصراع والمصير السياسي للبلاد. ولو رضيت أوروبا بهذا المنطق، فلسوف تقضي على كل ما تمثّله، وستكون عاملاً مساعدًا في تنفيذ استراتيجيّة الأسد لدفن جماعات المجتمع المدني التي ساعدت هي في تنظيمها، وإسكات القوى الديمقراطيّة وأولئك الراغبين في رؤية سوريا تشبه أوروبا من حيث قيمها ونظامها السياسي على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، والموجودين في كلّ فئات المجتمع.

إن الموقف المعلَن للاتحاد الأوروبي بأنه لن تكون هناك إعادة إعمار في سوريا بدون انتقالٍ سياسي لهو موقفٌ مشرّف، غير أنه لا يزال بحاجةٍ إلى تفعيلٍ إذا ما أراد الاتحاد الأوروبي تحويله إلى سياسة، وإذا ما رغب في استخدام نفوذه الكامل للوصول إلى حلٍّ للنزاع.

 

أوروبا هي نافذة سوريا على العالم

على مدى أكثر من سبع سنوات، ثبّت الاتحاد الأوروبي أرضِيّته الأخلاقيّة في الصراع في سوريا، مواصلاً الدفاع عن حقوق الإنسان ومساعدة المدنيّين على مواجهة صعوبات الصراع من خلال تقديم مساعداتٍ إنسانية سخيّة. على أنه لم يقف عند هذا الحدّ، بل عمل جاهدًا أيضًا لإيجاد قنواتٍ بديلة لقنوات النظام لكي يتمكّن من إيصال المعونات عبر الحدود من البلدان المجاورة. كما دعم المجالس المحليّة التي ظهرت في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وطوّر قدرات جماعات المجتمع المدني على الأرض في سوريا وفي البلدان المجاورة، ومكّن النساء حيثما أمكن، وعمل على تدريب المواطنين-الصحفيين على إعداد التقارير المهنيّة، وكذلك الناشطين في مجال توثيق جرائم حقوق الإنسان، وساعد الأطباء على تنظيم الدعم الطبّي والمحامين والقضاة على تشكيل النقابات، ودعم تعليم الشباب السوري على جميع المستويات. بالإضافة إلى ذلك، كثّف الاتحاد الأوروبي استراتيجيّته من أجل وضع حدٍّ للإفلات من العقاب في سوريا من خلال تخصيص تمويلٍ كبير للآليّات الدوليّة والحياديّة والمستقلّة وضمان استمرارها.[2]

من خلال هذه الاستراتيجيّة، كانت البوصلة الأوروبيّة تشير إلى اتّجاهٍ واضح: اتّجاه المواطنة السوريّة المتحرّرة والمجتمع المتنوّع الشامل لجميع مكوّناته. وهذا بالضبط ما أثار حفيظة الأسد ورجاله، ولكنّه كان آنئذٍ في حربٍ شاملة ضدّ مجتمعه، وطالما كان قادرًا على أن يعتمد على قدراته العسكريّة وقدرات حلفائه في كبح كلّ من يقف ضدّ حكمه، كان بإمكانه أن يتجاهل الاتحاد الأوروبي ويهمل إداناته ويستمر في تدمير البنى المدنيّة التي يدعمها الاتحاد.

واليوم، بعد سبع سنواتٍ من القمع والتدمير والجرائم الجماعيّة، لا يزال الأسد يعتقد أنه، باستعادة جميع الأراضي السوريّة، سوف يقضي على كل البنى والقنوات البديلة لنظامه، وسيتمكّن من استعادة سيطرته الحصريّة على المجتمع. فأمّا المجتمع المدني والمجموعات التي حصلت على دعم المانحين الأوروبيّين فسيتم القضاء عليهم، وأمّا هياكل الحكم المحليّة التي تم انتخابها من قبل الشعب فسيتم إزالتها، وأمّا المحامون والقضاة الذين رفضوا الخدمة في نظامٍ قضائي منتهَك، فلن يجرؤوا على العودة إلى سوريا، ولن يكون أمام أوروبا حينئذٍ من خيار سوى التعامل مع الأسد مرّةً أخرى.

بيد أن هذا السلوك الاستفزازي والمثير للاشمئزاز لا ينبغي أن يحجب الحقيقة؛ وهي أن أوروبا كانت تمثّل على الدوام، قبل عام 2011، القطب الرئيسي لاهتمام الأسد والهدف الأول لحملته الإعلاميّة المكلّفة، ومحاولة تكوين صورة لائقة عن نفسه والقيام بحملات استقطاب. فإن كان الحال كذلك قبل العام 2011، فإنه لا يزال نفسه الآن وربّما أكثر من أي وقتٍ مضى. وثمّة أسباب موضوعية لذلك، فأوروبا كانت أوّل شريكٍ تجاري لسوريا، وأول مصدرٍ للمساعدات الاقتصاديّة قبل الصراع، كما تعتبر الدول الأوروبيّة الوجهة الأولى للطلاب السوريّين والمهنيّين الشباب لاكتساب المعرفة والدراية. باختصار، كانت أوروبا دائمًا وستظل نافذةً لسوريا على العالم. وهي، لذلك، في وضعٍ يؤهّلها لطرح رؤيتها الخاصّة حول انتقالٍ آمن وحقيقي.

 

خارطة طريقٍ لحكم القانون: تحدّي روسيا واستعادة المصداقيّة

يحتاج الاتحاد الأوروبي، من أجل إظهار نفوذٍ حقيقي في سوريا، إلى اتّخاذ موقفٍ استباقي بشأن قضيّة إعادة الإعمار ومستقبل البلاد. فحتّى الآن، لا تعدو خارطة الطريق التي اقترحتها روسيا لإنهاء الصراع أن تكون تهدئةً للمجتمع السوري بعد الحملات العسكريّة القاتلة وإعادة تأهيل الأسد وتنظيم العودة المتعجّلة للاجئين، في حين لا يتمّ اتّخاذ أي تدابيرٍ لجعل البلاد آمنة لعودة اللاجئين إليها، ومن ثمّ القيام بعمليّةٍ رمزيّة تقوم على صياغة الدستور والدعوة إلى انتخابات. بيد أن الاتحاد الأوروبي يستطيع، ردًّا على هذه الخطة التي لن تجلب السلام إلى سوريا ولا تضمن عودة اللاجئين، أن يطرح نموذجًا بديلاً للانتقال.

أولاً: يمكن أن يبدأ الاتحاد الأوروبي بوضع قضيّة سيادة القانون كأولويّةٍ في صلب نهجه، وأن يعتبرها المؤشّر الرئيسي للتغيير الحقيقي. وقد تبدو مقاربة سيادة القانون في المقام الأوّل وكأنّها عمليةٌ مُسَيَّرة من القمّة بمشاركةٍ محدودة من المواطنين في المرحلة الأولى، ولكن ثمّة حالات قد يكون من الحسن فيها إعطاء الأولويّة لتأمين إطارٍ قانوني سليم قبل أن تتم استشارة السكّان بأمان، خاصةً عندما يكون الناس قد حُرِموا من ممارسة المواطنة لفترةٍ طويلة كما هو الحال في سوريا. علاوةً على ذلك، عندما تتعرّض سيادة البلد للأذى في المراحل الانتقاليّة التي تلي الصراع، يكون ثمّة خطر في أن يقع الناخبون تحت تأثير الأطراف الخارجيّة والقوى غير الديمقراطيّة، أو أن تذهب أصواتهم إلى خياراتٍ غير ليبراليّة من شأنها إخافة الأقليّات. إن المجتمع الدولي يريد التأكّد من استقلال الزعماء المنتخبين ديمقراطيًّا واحترامهم لجميع حقوق المواطنين وسيادة القانون والمؤسّسات الديمقراطيّة. وقد يكون من الحكمة، في السياق الحالي، التأكّد من تقييد السياسيّين بالقانون والقضاء الفعّال قبل أن يتم إخضاعهم للمساءلة أمام الناخبين.

يبدأ نهج سيادة القانون بالمطالبة بشكلٍ ملموس بالإلغاء الفوري لجميع الولايات القضائيّة الاستثنائيّة، وتعليق جميع القوانين التي تسمح بالممارسات التعسفيّة، والإفراج عن جميع السجناء (أو من تبقّى منهم على قيد الحياة)، وتعيين مدّعٍ عام مستقلّ، وسنّ القوانين التي تضع قواعد وإجراءات واضحة لمكافحة الفساد، مع اعتماد وسائل فعّالة لإنفاذ هذه القوانين من خلال المحاكم المدنيّة ذات المصداقيّة. وبالنظر إلى أن النظام القضائي في سوريا فقد استقلاله ومصداقيّته على مدى عدّة عقود، فإن الاتحاد الأوروبي هو بلا شك الأكثر تأهيلاً لتقديم دعمه في هذا المجال. على المدى القصير، قد يكون من المفيد إدخال بعض القضاة الدوليّين والعرب إلى النظام القضائي السوري، للعمل جنبًا إلى جنب مع زملائهم السوريّين لتسريع عمليّة إعادة بناء النظام القضائي السوري الذي لا يمكن لسوري من دونه أن يشعر بالأمان في بلده. أمّا على المدى الأطول، فسيبقى الاتحاد الأوروبي أفضل شريك، إن لم يكن الشريك الوحيد، الذي يستطيع بناء قدرات القضاة والمحامين السوريّين لإحياء القضاء الذي كان في يومٍ من الأيام مؤسّسةً محترمة في سوريا.

ثانيًا: تعتمد العمليّة التي تقودها الأمم المتّحدة على خلق بيئةٍ آمنة ومحايدة كشرطٍ أساسي لتنفيذ أي اتّفاق. وتتطلّب مثل هذه البيئة، أولاً وقبل كل شيء، مجموعةً من القواعد القانونيّة التي يوافق جميع اللاعبين على الالتزام بها، والتي تحمي أمن المواطنين وحقوقهم وممتلكاتهم. وسيكون الاتحاد الأوروبي قادرًا، من خلال صياغة خريطة طريق لإرساء سيادة القانون في سوريا، على مواجهة روسيا بمطالب ملموسة وإعطاء دفعةٍ جدّية من المصداقيّة للعمليّة السياسيّة الشاملة.

ثالثًا: إن إعادة الإعمار هي في الأساس مسألةٌ تتعلّق بسيادة القانون، وبوجود حوكمةٍ ذات مصداقيّة ويمكن التنبّؤ بنتائجها. ويَعرف الأسد نفسُه أنّه بحاجةٍ إلى إرساء الأسس القانونيّة من أجل مخطّط إعادة الإعمار الخاص به والمصادرات التي يخطّط للقيام بها، كما يشير قراره بسنّ القانون رقم 10 سيء الذكر[3]. وسيكون أهمّ دور لأوروبا في هذا الصدد هو الطلب من روسيا (وليس الأسد نفسه) إلغاء هذا القانون. ويجب أن تصرّ أوروبا على أن أي حكومةٍ تحكم سوريا يجب أن تلتزم بمجموعةٍ من المعايير الصارمة (شفافية العمليّات والحياديّة وعدم التميّيز)، وأن تطلب أدلّةً على تحقيق ذلك قبل أن تشرع الحكومات الأوروبيّة والشركات الخاصة في توقيع عقودٍ ذات صلة بإعادة الإعمار مع أي شركةٍ أو مؤسّسةٍ سوريّة. ولا بدّ من تحقيق معايير محدّدة إذا كان من المقرر تقديم المساعدات الإنسانيّة من خلال قنوات الحكومة المركزيّة، بما في ذلك قناة الهلال الأحمر السوري الذي بدأ الأسد استخدامه كواجهةٍ للشروع في جهود إعادة تأهيل نظامه.

رابعًا: يمكن للاتحاد الأوروبي أن يدعم إنشاء هيئة مراقبةٍ مستقلّة تكون مهمّتها مراقبة استخدام أي أموالٍ دوليّة مقدّمة إلى سوريا، سواء من خلال القنوات الحكوميّة أو غيرها. ويشرف على هذه الهيئة خبراء دوليّون مستقلّون يتقنون أساليب مكافحة الفساد بمشاركةٍ نشطة من المواطنين السوريّين، ممّا يسمح للسوريّين بمعرفة أن الأموال التي يتبرّعون بها إنّما تنفَق على خير وجه.

خامسًا: ثمّة مجال مهمٍّ آخر هو العقوبات. فلا تزال العقوبات التي تستهدف الأفراد المرتبطين بالنظام أداةً قويّة إذا استُخدِمت بحكمة. إن الأسد والرئيس بوتين يتطلّعان بقوّة إلى رفع العقوبات، وهما يقومان بجهدٍ كبير للضغط في أي بلدٍ مستعدٍّ للاستماع في الاتحاد الأوروبي. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل ّعلى أن العقوبات تحدث فارقًا حقيقيًّا بالنسبة للأسد وحاشيته. وفي الواقع، عندما صوّت الاتحاد الأوروبي على فرض العقوبات في عام 2011 ضد أفرادٍ سوريّين متورّطين مباشرةً في قمع الانتفاضة، كان تأثير ذلك مدمّرًا على مجتمع الأعمال وعلى النظام، بينما بقي تأثيرها السلبي على السكّان محدودًا. لقد غدا النظام السوري منبوذًا، وكان رجال الأعمال الكبار يتوقون إلى الابتعاد عن عائلة الأسد؛ حيث انهارت البنى الاقتصاديّة والماليّة التي تربطهم بالنظام (اتحاداتٌ ماليّة ومشاريع مشتركة وغرفٌ تجاريّة تسيطر عليها الدولة والصناعة) أو تجمّدت، في حين سارع الأسد إلى استبدالهم بشخصياتٍ فارغة لكي يوحي أن كل شيءٍ يسير على ما يرام. قد لا يكون التأثير الاقتصادي والسياسي بارزًا جدًّا، ولكنه كان كبيرًا. لقد فقد الأسد معظم قدرته على الاعتماد على الموارد التي يحتفظ بها القطاع الخاص، وكان عليه الاعتماد بشكلٍ متزايد على دعم حلفائه الأجانب، ممّا جعله أكثر اعتمادًا عليهم ماليًّا قبل أن يصبح معتمدًا عليهم عسكريًّا. وهذا دليلٌ على أن الاتحاد الأوروبي يمتلك ورقةً قويّة ذات نفوذٍ حقيقي، لذا يتعيّن على الاتحاد الأوربي، بدلاً من النظر في رفع العقوبات ذات الصلة بسوريا، أن يعزّز قدرته على الرصد من أجل تحديد أفرادٍ وشركاتٍ جديدة تعمل بمثابة غطاءٍ لتسهيل الممارسات المفترضة لنظام الأسد، وتحديث قوائم العقوبات على أساسٍ مستمر.

أخيرًا وليس آخرًا، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يلقي دون تأخيرٍ بثقله وراء منظّمات المجتمع المدني التي دعمها على مرّ السنين، بغية تحويلها إلى أطرافٍ فاعلة رئيسيّة في عمليّة إعادة الإعمار. هذه المنظّمات لم تقدّم خدماتٍ حيويّة للسكّان فحسب، بل اكتسبت أيضًا، بفضل الدعم الأوروبي، خبرةً ثمينة في إدارة مؤسّساتها وفقًا لممارسات الحوكمة الرشيدة، وتعلّم قادتها مهاراتٍ جديدة وطوّروا قدرتهم على العمل مع شركاء خارجيّين. في المشهد المهجور لبلدٍ مدمَّر، ستكون منظّمات المجتمع المدني هذه هي الدماء الجديدة التي تدور في عروق المجتمع. وبدلاً من أن نتساءل بلا حيلةٍ حول ما إذا كان الأسد سوف يسحقهم أو يسمح لهم بالوجود، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يوفّر لهم الحماية والقدرة على العمل كشرطٍ أساسي في استعداده للتعامل مع الحكومة المركزيّة. من الناحية العمليّة، فإن خارطة طريقٍ للانتقال – تتمحور حول تأسيس سيادة القانون – يجب أن تتضمّن قانونًا قويًا للمنظّمات غير الحكوميّة يحمي هذه المنظّمات ويسمح لها بالعمل بالحريّة اللازمة.

لقد عزّز الاتحاد الأوروبي، من خلال مؤسّساته المختلفة، رؤيته لمستقبل سوريا المتمركزة حول مواطنيها والمجتمع المدني النابض بالحياة، وهو ما لا يروق الرئيس بوتين أو الأسد. لذلك نجد أن روسيا تحاول التقليل من أهمّية دور الاتحاد الأوروبي بفي السعي إلى تسوية، بينما يقوم الرئيس بوتين في الوقت نفسه بممارسة الضغط القوي على كل زعيمٍ أوروبي يقابله لإقناعه بضرورة المساهمة في إعادة الإعمار،؛ إذ يعلم، كما يعلم الأسد جيّدًا، أنه لن يكون هناك سلامٌ في سوريا بدون مشاركة أوروبا الواسعة. فبدلاً من الاستسلام للاعتقادات الانهزاميّة القائلة بأن "انتصار" الأسد العسكري هو واقعٌ يجب على العالم أن يتصالح معه، حان الوقت لأن يستفيد الاتحاد الأوروبي ممّا لديه من إمكاناتٍ كبيرة بشكلٍ يؤهّله لأن يكون صانع السلام الرئيسي في سوريا.



[1]  تقرير "السياسة الخارجية" (Foreign Policy) ، أنيس باروس

[2]     يشار إليها بشكلٍ أكثر شيوعًا باسم "الآليّة" أو "IIIM"، وقد تم تأسيسها بموجب قرار الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2016 للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائيّة بموجب القانون الدولي للأشخاص المسؤولين عن أخطر الجرائم التي ارتُكبت في الجمهورّية العربيّة السوريّة منذ مارس 2011.

[3]     انظر مبادرة الإصلاح العربي، "القانون رقم 10 بشأن إعادة الإعمار: قراءة قانونية لمصادرة جماعية منظمة في سوريا"، 28 حزيران/يونيو 2018، متاح على الرابط:  https://www.arab-reform.net/en/node/1312

الصورة: منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ ، مارك لوكوك ، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمنية، فيديريكا موغيريني ، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ، ستافان دي مستورا ، في مؤتمر بروكسل 2 حول سوريا – أبريل 2018  |  EPA ©