You are here

الحركة الحقوقية في المغرب: جدلية التأثير قبل الحراك العربي وبعده

أوراق بحثية
TitleDownload
الحركة الحقوقية في المغرب: جدلية التأثير قبل الحراك العربي وبعدهلتحميل الورقة

لعبت الانفاضات التي شهدتها اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ دوراً مهمّا - ولو جزئياً - في تغيير بنية الحركة الحقوقية المدنية في المغرب، حيث ساهمت في توسيع دائرة المطالب. فانتقلت هذه الأخير ة إلى البعد الميكرو-حقوقي المرتبط بحقوق المواطن المغربي اليوميّة. كما سرّعت شبكات التواصل الاجتماعي وتيرةَ تحقيق بعض هذه المطالب الحقوقية ومن تمَّ تفسيح دائرة تأثير المجتمع المدني الحقوقي بالمغرب. من أهم نتائج هذا التحول أن توسَّعت قاعدة المدافعين عن حقوق الإنسان وازداد وعي المواطنين والمواطنات بضرورة الدفاع عن حقوقهم الأساسيّة بطرق سلميّة وأكثر براجماتية.

***

ملخص

يتطلب الحديث عن تأثير المجتمع المدني الحقوقي بالمغرب الوقوف على عدة محددات سوسيولوجية، ترتبط بخريطة الفاعلين الحقوقيين بالمغرب، وتفاعلهم مع محيطهم، وسيرورة تفعيل المطالب الحقوقية وتعزيز مكتسباتها.

في هذا الإطار، كان للحراك الذي شهدته اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ دور مهم ولو جزئيًا في تغيير بنية الحركة الحقوقية المدنية بالمغرب، حيث ساهم في توسيع دائرة المطالب الحقوقية من خلال الانتقال من البعد الماكرو-حقوقي (القانوني والهيكلي) إلى البعد الميكرو-حقوقي المرتبط بالحقوق اليومية المُعاشة للمواطن المغربي. ولعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا إيجابيًّا، حيث سرّعت وتيرة تحقيق بعض هذه المطالب الحقوقية ومن تم توسيع دائرة تأثير المجتمع المدني الحقوقي بالمغرب. وساهم التشبيك بين مكونات المجتمع المدني الحقوقي في تعظيم التأثير بشكل ملحوظ بعد الحراك العربي.

ولعل هذا البعد التطوري -من حيث الحدة والدرجة لا من حيث النوع والطبيعة- هو الذي ميّز منظومة الأنشطة والمشاريع التي اشتغلت عليها الحركة الحقوقية المدنية بعد الحراك العربي؛ حيث إن وتيرة الاشتغال هي التي عرفت تغيَّرًا وارتفاعًا بعد الحراك العربي، بينما تم الاعتماد تقريبًا على نفس آليات وأنماط الاشتغال. وكان من أهم نتائج هذا التحول توسيع قاعدة المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث تزايد وعي المواطنين والمواطنات بضرورة الدفاع عن حقوقهم الأساسية بطرق سلمية وأكثر براجماتية.

مقدمة

ربما لا يمكن الحديث عن الحراك العربي[1] دون التعامل مع خطابات وممارسات الدَّمقرطة وحقوق الإنسان والنظر في تأثير هذا الحراك على قوة وأنشطة المجتمع المدني، ودور هذا الأخير على ضعفه المفترض في خلق هذا الحراك ذاته. ويعود التباين الواسع وتعدد وجهات النظر التحليلية حيال هياكل ومؤسسات ونظم مثل المجتمع المدني والديموقراطية وحقوق الإنسان في معظم المجتمعات العربية إلى تباين المنطلقات النظرية وإلى المنشأ الغربي عادة لمعظم هذه المصطلحات لوصف ظواهر نمت في فترات تاريخية محددة. وما لا خلاف كبير عليه هو أن المواطنة كثقافة اجتماعية وعلاقة سياسية بين الفرد وأجهزة الدولة لم تترسخ بعد في معظم هذه المجتمعات مما يضعف من أسس قيام الديموقراطية كثقافة سياسية وممارسات اجتماعية مستقرة.

ويرتبط أول تعريفات المجتمع المدني بمبدأ الاستقلالية، حيث يعرفه بادي بأنه "مجموع المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع دون تدخل أو وساطة من الدولة"، وفي الإطار نفسه ينخرط تعريف أشفورد الذي يضع تحت مظلة المجتمع المدني "كل المؤسسات الحرة القائمة بين الفرد والدولة مثل الأسرة والكنائس والنوادي الرياضية والمؤسسات الخيرية".[2] المجتمع المدني إذن هو جملة مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تعمل في استقلال نسبي عن سلطة الدولة وعن تأثير الشركات الخاصة.[3]

وتُعرف جمعيات ومنظمات المجتمع المدني في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وكذا في المؤسسات الدولية عمومًا، بالمنظمات غير الحكومية، حيث تختصر عادة بأنها NGOs وهي الأحرف الأولى لتعبير منظمات غير حكومية بالإنجليزية؛ وهذا مؤشر آخر للنظر إلى هذه الكيانات بصفتها مستقلة عن الحكومات ولكنها مرتبطة بها في الوقت نفسه في علاقات شد وجذب وصراع وتعاون حسب نوع النظام السياسي. ولكن هذه "الاستقلالية" ليست مكتملة لأن هذه المنظمات ذاتها خاضعة لقوانين حكومية، ولضغوط سياسية داخلها ومن خارجها، ولاعتبارات تتعلق بتمويلها خصوصًا وأن معظمها يعتمد على التمويل الخارجي، مما يسمح بالتشكيك في مصداقية بعضها وتمثيله للفئات المجتمعية التي يدعي الدفاع عنها.[4]

ويسعى بحثنا حول تأثير الحركة الحقوقية بالمغرب إلى تسليط الضوء على الإشكالات التي ترتبط بالاستقلالية التي يتمتع بها المجتمع المدني، مع التأكيد على أن هذه الاستقلالية هي في علاقة اعتماد متبادلة مع مبادئ ومؤسسات المواطنة والديموقراطية.[5] وعلى الرغم من أن بعض التحديات والقيود التي تواجه عمل حركة حقوق الإنسان ليست هي المبحث الرئيسي لهذه الورقة، إلا أننا سننظر في بعضها لفهم مدى وكيفية تأثير الحركة، وخصوصًا تلك القيود المفروضة على حرية العمل والتمويل[6] والتحديات الداخلية في جوانب المهنية، والإمكانات والتنسيق، وتداخل الحقوقي بالسياسي.[7]

سيكون حقل اشتغالنا إذن هو المجتمع المدني الحقوقي، أي مجموع المنظمات والجمعيات والشبكات التي تعمل في إطار حقوق الإنسان كما هو متفق عليها دوليًّا، وذلك لتمييزها عن باقي أطياف المجتمع المدني التي لا تنخرط في هذا الإطار. ولذا لن تتعامل هذه الورقة مع المنظمات الحقوقية إسلامية الطابع، التي نرى أنها في نهاية المطاف تُشكِّل جزءًا من الحركة الإسلامية، وتتبنى خطابًا انتقائيًّا لحقوق الإنسان، بل تقوم بعملية "تشكيك انتقائي"، كما يقول عبد الباسط بن حسن، حول حقوق الإنسان، حيث ترى إنها نشأت في الغرب ومرتبطة بدينه وتراثه، ولا علاقة لها بالإنسان العربي المسلم الذي له خصوصيته وشخصيته المختلفة. من هذا المنطلق، سيكون حديثنا حول "المجتمع المدني الحقوقي" الذي يرى أن "حقوق الإنسان ليست فكرة مجردة بل هي عمل تاريخي متواصل" باعتبار أن المكتسبات الحقوقية ليست معطاة بشكل نهائي ومحتم، وأن إمكانية تحولها مرتبطة بالتفاعل المجتمعي والصراع الأيديولوجي.[8] ومن بين أهم آليات عمل هذا المجتمع الحقوقي:[9]

·         تعميق الوعي الحقوقي ونشر الثقافة الحقوقية بالمحاضرات والندوات والإعلام.

·         فضح الخروقات والانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان.

·         صيانة الملف المطلبي الحقوقي، وذلك من خلال التقاضي والمناصرة من أجل ضمانات قانونية أكثر ثباتًا ووضوحًا.

وفيما عدا استبعاد الفاعلين الذين لا يعملون من منطلق كونية وشمولية حقوق الإنسان وذلك من وجهة نظر ان الحقوق تتحول وتتبدل من مجتمع لأخر بناء على نظرة ثقافوية ولا تاريخية وثابتة، تتبنى هذه الورقة إطارًا واسعًا لاختيار الفاعلين الذين قمنا بدراسة تأثيرهم على أرض الواقع وسبل هذا التأثير، ويشملون شبكات وتحالفات وجمعيات وائتلافات ومنظمات تنخرط في مجال حقوق الإنسان بدرجات متفاوتة من خلال مجالات متنوعة. على هذا الأساس، قام ٥٤ من هؤلاء الفاعلين بملء استمارة الاستبيان الذي يقوم عليه هذا البحث، أو تم تحليل معطيات شبكات التواصل الاجتماعية الخاصة بهم.[10]

في وكانت أهم التساؤلات التي سعى الاستبيان وتحليل شبكات التواصل الاجتماعي للاشتباك معها هي:

  •     هل كانت المكتسبات الحقوقية ما بعد الحراك مكتسبات عرضية أو هي ترجمة فعلية لسنوات من النضال والعمل الحقوقي؟
  •     هل؟ وكيف غيّر دستور 2011 بالمغرب خطاب وممارسة الحركة الحقوقية المدنية فيما يتعلق بالتأثير والتغيير الاجتماعي؟
  •     ما الجديد في نطاق تأثير المجتمع الحقوقي بعد حراك 2011، وهل أصبح أكثر جرأة في التطرق لمواضيع الرأي العام، وكيف تطورت آليات التأثير؟
  •     ما الظروف الاجتماعية والسياسية التي شجعت أو عرقلت نجاح الحركة الحقوقية في تحقيق التأثير المطلوب في ظل الحراك؟
  •      ما الإمكانات الجديدة التي وفرها الحراك للمجتمع الحقوقي بالمغرب والتي سهلت التأثير الواقع المغربي؟
  •     هل ثمة آليات جانبية للحراك حالت دون تحقيق التأثير الحقوقي المرجو؟

أهم الفرضيات التي سنحاول اختبارها هي:

  •     كان الحراك نقطة تحول في سيرورة تحقيق مطالب الحركة الحقوقية.
  •     كان لشبكات التواصل الاجتماعي دور محوري في عملية التأثير بل والتعريف بالحركة الحقوقية ومجالات عملها على نطاق أوسع.
  •     فيما بعد الحراك لم تعد نجاحات أو إخفاقات الحركة الحقوقية تعتمد في نهاية المطاف أو بشكل رئيسي على استجابة الدولة، ويزيد عنها في الأهمية تفاعل الحراك الاجتماعي مع ممارسات المجتمع الحقوقي لتحقيق التأثير المنشود ولو بدرجات متباينة.

على هذا الأساس، تنقسم بقية الورقة للمواضيع التالية:

1)      المجتمع المدني الحقوقي: معطيات أولية.

2)      الحراك المغربي وتحول المجتمع المدني الحقوقي.

3)      نمط الأنشطة والمشاريع الحقوقية قبل وبعد الحراك.

4)      الاشتغال مع مكونات المجتمع المدني قبل الحراك وبعده.

5)      إشكالية التمويل الأجنبي: بين طبيعة التمويل ومستوى التأثير.

6)      جدلية التأثير والتأثر قبل الحراك وبعده.

7)      شبكات التواصل الاجتماعي وعملية التأثير قبل وبعد الحراك.

8)      صفحات الفيسبوك فضاءً لتوسيع دائرة التأثير: معطيات تحليلية

 

لمتابعة القراءة، إضغط هنا

 


[1]  اخترنا كلمة "حراك" لأنها أكثر حيادية تجاه ما يحدث في المجتمعات العربية، على عكس كلمة "الثورة" التي تعني تغيرًا جذريًّا في البنى الاقتصادية والسياسية، وكذا كلمة "ربيع" باعتبارها حكم قيمي إيجابي تجاه التحولات القائمة؛ أما بخصوص وصف الحراك بأنه عربي فقد استعملت بمعناها الحضاري الواسع ولا يجب أن تُفهم في سياق المغرب على أساس عرقي-إثني. ونؤكد على ذلك لأن بعض مكونات المجتمع الحقوقي الذي اشتغلنا عليه، تحفظ على كلمة "عربي" لاعتبارها إقصائية لمكونات لغوية بدول شمال أفريقيا، وخصوصًا الأمازيغي.

[2] Bertrand Badie, Sociologie politique. Paris: Presses universitaires de France. p. 105, 1997.

[3] محمود قرزيز ومريم يحياوي، دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية الشاملة في الجزائر: بين الثبات والتغير، جامعة بسكرة، 2008.

[4]  عنصر العياشى، ما هو المجتمع المدني؟ الجزائر نموذجًا، ورقة مقدمة لندوة "المشروع القومي والمجتمع المدني"، تنظيم قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سورية، جامعة دمشق، 2008.

[5] عزمي بشارة، المجتمع المدني، دراسة نقدية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2008.

[6]  ميرفت رشماوي وموريس تيم، نظرة شاملة عن المجتمع المدني في العالم العربي، الدراسة العشرون لأمثلة التطبيق العملية. انتراك، 2008.

[7]  نور الدين علوش، المنظمات غير الحكومية ورهان حقوق الإنسان: نموذج المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، دار ناشري للنشر الإلكتروني، ص. 5.

[8] ﻋﺒﺪ اﻟﺒﺎﺳﻂ ﺑﻦ ﺣﺴﻦ، 2014، ﺣﻘﻮﻗﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﺜﻘـﺎﻓﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، المنظمة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﺤﻘﻮق اﻹنسان، ص. 22.

[9] نور الدين علوش، المنظمات غير الحكومية، ص. 5.

[10]  انظر ملحق البحث.