You are here

انتخابات 2018 النيابية في العراق: بين الطائفة والوطن

بدائل سياسات
TitleDownload
انتخابات 2018 النيابية في العراق: بين الطائفة والوطنلتحميل الورقة

مقدمة: نحو قراءة حذرة

حفلت انتخابات مجلس النوّاب العراقي الأخيرة في 12 أيار/مايو، وهي الرابعة منذ سقوط نظام صدّام حسين عام 2003، بمفاجآت ومفارقات مثيرة لا تستقيم قراءة هذه الورقة من دون البدء بالإشارة إلى أولاها، وهي حجم الاعتراضات والتشكيك غير المسبوق بصحة النتائج التي أعلنتها المفوضيّة العليا المستقلّة للانتخابات.

في الدورات الانتخابية السابقة كان ثمّة اعتراضات وشكاوى، لكنها لم تصل الحد الذي يُؤثِّر سلباً على شهادات نظافة الانتخابات التي أصدرتها المنظَّمات الدولية والمحلية، أو على مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائجها. أمّا في الدورة الحالية فقد وصل الأمر إلى أن يشكِّل مجلس الوزراء "لجنة أمنية عليا" تتولّى التحقيق في التهم المُوجَّهة إلى المفوضيّة وأن يُوجِّه مُمثِّل الأمم المتحدة في العراق رسالة إلى المفوضيّة يطالبها فيها بأن تقوم بإجراء عمليّة فرز الأصوات وعدّها يدوياً لنسبة عشوائيّة من الصناديق للتأكد من مطابقتها مع نتائج الفرز الإلكتروني الذي تمّ اعتماده للمرّة الأولى هذا العام.
ولا تزال هذه الدراما تتوالى فصولاً، وقد وصلت الآن إلى اتّخاذ البرلمان، في جلسة استثنائية، قراراً بتجميد عمل المفوضيّة العليا للانتخابات وتكليف هيئة من تسعة قضاة بالقيام بوظائفها، وإلغاء نتائج انتخابات النازحين عن أماكن سكنهم (حوالي ثلاثة ملايين) ونتائج انتخابات العراقيين في الخارج (حوالي مليون ونصف المليون).

البدء بالإشارة إلى التشكيك بصحّة الانتخابات هدفه التنبيه إلى أنه ينبغي التعامل مع النتائج ببعض الحذر لأنها مُرشَّحة للتغيّر، وهي في معظمها تتعلَّق بالمحافظات ذات الأغلبية السنّية (الأنبار وصلاح الدين)، أو الكردية (السليمانية وأربيل ودهوك)، أو المناطق المختلطة قومياً (كركوك التي يتنازع العرب والتركمان من جهة، والأكراد من جهة أخرى على عائديتها).

ومن ثَمَّ فإنّ القرارات التي ستُتَّخذ بشأن هذه الطعون لن تغيّر الصورة العامّة، إذ ليس هناك تشكيك جدّي بصحة النتائج في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية وهي التي تشكّل الثقل السكّاني في العراق.

ويمكن أن نقرأ ظاهرة لجوء حركات سياسية لعبت أدواراً مهمّة في المشهد السياسي العراقي منذ عام 2003 إلى التزوير الواسع غير المسبوق في الانتخابات الأخيرة؛ كإقرار ضمنيّ من جانبها بفقدانها لثقة قطّاعات واسعة من جمهورها الانتخابي، وهو أمر كان واضحاً لمعظم المراقبين منذ فترة غير قصيرة. وتجلّى فقدان الثقة في الانخفاض المريع في نسب المشاركة في التصويت رغم الرهانات الكبيرة التي تنطوي عليها انتخابات هذا العام. فمن بين حوالي 24.5 مليون عراقي يحقّ لهم التصويت؛ لم يبلغ عدد المشاركين أكثر من 11 مليوناً، أي 44.5%. في حين كانت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة جميعها، فضلاً عن انتخابات مجالس المحافظات، تزيد عن 60% وتقارب الثلثين في بعض الحالات. وتكتسب هذه النسبة المتدنّية دلالة خاصّة في التعبير عن يأس جمهرة كبيرة من الناخبين من إمكانية تغيير الطبقة السياسية المهيمنة على الحكم، رغم تغيّر التشكيلات الحزبية وأسماء القوائم الانتخابية.

فعلى عكس الانتخابات السابقة حين كان فوز قوى الإسلام السياسي الشيعي يتصدّرها حزب الدعوة الإسلامية مضموناً؛ انطوت انتخابات 2018 على صراع حادٍّ بين رؤى سياسية شديدة التباين لكلّ منها تبعاته الجديّة على توجّهات العراق وشكل الدولة التي سيُعاد بناؤها بعد الخراب الذي ألحقته داعش وسياسات الحكومات السابقة. ومع هذا لم ترَ أغلبية الناخبين في التنافس الانتخابي الشرس سوى تكراراً للوجوه والمواقف والسياسات ذاتها.

 

الشعبوية مقابل الطائفية

ساهم العزوف عن المشاركة في التصويت في تحقيق مفاجأة انتخابية أخرى هي حصول قائمة "سائرون" التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر على المركز الأول، مُستحوِذة على 54 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 329 مقعداً. اعتكف اليائسون في بيوتهم فيما كانت نواة فاعلة تعبّئ الساخطين للتصويت لقائمته. فطوال السنوات الثلاث السابقة على الأقل، نجح "الصدريون" في تصوير حركتهم الشعبوية حاملة لكل هموم المواطن العراقي ومشاركة إياه في السخط على طبقة الحكم الذي اتّخذ أبعاداً غير مسبوقة بسبب التحوّلات المزلزلة التي حدثت في العراق إثر انتخابات 2014 التي جاءت بالسيد نوري المالكي رئيساً للوزراء.

انطلقت شرارة التحوّلات من الانهيار المذهل للجيش العراقي الذي أُنفِقت مليارات الدولارات على بنائه أمام بضعة آلاف من داعش احتلّوا خلال أقل من شهر ثلث أراضي العراق بما فيها الموصل -ثاني أهمّ مدنه- واقتربوا من بغداد. أفاق العراقيون من الصدمة موجّهين أصابع الاتهام بالفساد والطائفية إلى الحكومة التي همّشت السنّة ودفعتهم إلى عدم مقاومة داعش. كانت النتيجة المباشرة لهذا الزلزال إجبار نوري المالكي على التنحّي عن منصبه وتكليف الدكتور حيدر العبادي برئاسة الوزارة. لكن ردّ الفعل الشعبي كان أكثر جذرية إذ بدأت جمهرة من الناشطين المدنيين بالتحشّد في ساحة التحرير ببغداد تطالب بمحاربة الفساد ومحاكمة رموزه، لتتوسَّع وتمتد إلى معظم محافظات العراق. وقد استطاع "الحراك المدني" -كما بات يُسمّى- أن يحشد جمهرة ربما بلغ عددها خمسين ألفاً أسبوعياً، حتى قرّر السيّد مقتدى الصدر دفع أتباعه للانضمام إلى هذا الحراك الذي أغرق المدنيين ليصل ذروته حين اقتحم المتظاهرون "المنطقة الخضراء" المُحصّنة، وهي مقر الحكومة، واجتاحوا البرلمان وعبثوا بمحتوياته.

هنا كانت نواة تحالف "سائرون" التي يعتبرها كثير من المراقبين اختراقاً للنظام السياسي العراقي، مع أن ثمّة مؤشِّرات قد لا تُبرِّر هذا التفاؤل. فحين بدأ الحراك المدني حركته الاحتجاجية، كان تيار مقتدى الصدر –ولايزال- مكوّناً أساسياً في التحالف الشيعي الحاكم، له 35 مقعداً في البرلمان وخمسة وزراء ونائب لرئيس الوزراء، الذي كان أحد رموز الفساد الذين طالب المتظاهرون بمحاكمتهم. بدا لوهلة أن حركة الاحتجاج المدنية التي مرّت عليها أربع سنوات تملك حظّاً بالحصول على نحو 10 مقاعد في برلمان 2018، إذ حصل تحالف مدني على ثلاثة مقاعد في برلمان 2014 حين لم يكن السخط الجماهيري قد وصل إلى ما وصل إليه اليوم. هكذا تشكّل تحالف "تقدّم" (مختصر: تحالف القوى الديمقراطية المدنية) أوائل هذا العام، وكان الحزب الشيوعي عنصراً أساسياً في تشكيله، لكي يتفاجأ أركان هذا التحالف بخروج الحزب منه بعد أقلّ من شهرين وانضمامه شريكاً هامشياً مع الصدر في قائمة "سائرون" التي رفعت شعاري: "مكافحة الفساد، وبناء دولة المواطنة".

من بين المقاعد الأربعة والخمسين التي حصل عليها تحالف "سائرون" الصدري، كانت حصّة الحزب الشيوعي مقعدين فقط، فيما حصل مرشحّون عن قوائم مدنية أخرى على ثلاثة مقاعد.

ولكن، إن كان زلزال داعش عزّز مواقع المعادين لفساد سلطة الإسلام السياسي الشيعي الحاكم منذ عام 2006 وطائفيته؛ فإنه ولَّد ظاهرة مضادّة نتج عنها فوز قائمة طائفية شيعية بالمركز الثاني وبفارق سبعة مقاعد فقط عن قائمة "سائرون"، أي قائمة "الفتح" التي ضمّت أبرز قيادات الحشد الشعبي بعد أن أعلنوا فكّ ارتباطهم به لأن الدستور وقانون الانتخابات العراقي يحرّمان انخراط القوات المسلّحة في النشاط السياسي.

أمام انهيار الجيش العراقي في مواجهة داعش، دعا المرجع الشيعي الأعلى في النجف، السيد علي السيستاني، العراقيين إلى "الجهاد الكفائي". وسرعان ما اندفعت فيالق مُسلّحة غير نظامية مُعلِنة تلبيتها دعوة المرجع. وهكذا تشكّل ما بات يُعرَف باسم "الحشد الشعبي" الذي يُقدَّر عدد أعضائه ب 150 ألف مقاتل. ولم يكن خافياً على أحد بالطبع أن هذا الحشد هو في حقيقته ميليشيات طائفيّة مُسلّحة كانت قائمة برغم إعلانها حلّ نفسها قبل سنوات. ومع أن مرجعية السيستاني في النجف تتعارض في مواقفها الفقهية والسياسية الكبرى مع مواقف إيران وسياساتها؛ فإن قادة أهمّ فصائل هذا الحشد الذي شَرعَن السيستاني قيامه أعلنوا بصراحة أنهم يدينون بالولاء للسيّد علي خامنئي، قائد جمهورية إيران الإسلامية لا للسيستاني.

استثمر الحشد شعبية حقيقية تمتّع بها لا في أوساط الشيعة فحسب، بل في أوساط سنّية رأت فيه مُخلّصها من كابوس داعش وحامياً للعراق منها، كما استثمر عضلاته العسكرية في ترهيب وترغيب جمهور لا يزال يخضع لسلطته في المناطق السنّية المحرّرة، فضلاً عن شعبيته في مناطق الجنوب الشيعي بوصفه حامياً وربّ عمل لعشرات الألوف ممن كانوا عاطلين عن العمل.

 

تفتّت الكيانات الطائفية

كانت حصيلة متغيّرات السنوات الأربع الأخيرة، انقلاباً في علاقات القوى داخل الكتل الشيعية، وكان أكثرها درامية خسارة قائمة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي 67 مقعداً لصالح قائمة الفتح بالدرجة الأولى. لكن القوى الشيعية مجتمعة ظلّت تحتفظ بأغلبية المقاعد، بل ازدادت حصّتها بدرجة ملحوظة من 153 إلى 187 مقعداً. ويعود هذا إلى التغيّرات الحاصلة في الوسط السنّي بالدرجة الأساس.

واجهت الرموز السياسية السنّية الانتخابات وهي في أشدّ حالات التفكّك والضعف. فالمحافظات السنّية هي أكثر المناطق التي تعرّضت لإرهاب داعش والدمار الذي ألحقته بها معارك تحريرها. ولا يزال أكثر من مليوني ناخب من أبنائها يعيشون في الخيام. كان ثمة شعور واسع بالنقمة على السياسيين السنّة الذين حرّض بعضهم أبناء المناطق على القبول بداعش كردّ على النهج الطائفي لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وضاعف من هذا الشعور أن هؤلاء الساسة تركوهم لمصيرهم وتخلّوا عنهم، وشاعت نظرة بين أوساط السنّة ترى أن سياسييهم عادوا الآن ليستفيدوا من الأموال المُخصّصة لإعادة الإعمار. وترافق مع هذا الشعور تنامي ظاهرة إيجابية هي عودة ثقة كثير من الشباب السنّة بالقوات المسلّحة النظامية التي كانوا يرون فيها سيفاً طائفياً مسلّطاً عليهم في ظلّ المالكي. وهذا ما يفسِّر أن قائمة النصر التي يقودها حيدر العبادي احتلّت المركز الأول في محافظة نينوى السنّية، وهو ما يفسر كذلك أن عدداً من السياسيين السنّة خاضوا الانتخابات مرشَّحين عن قائمته لا عن القوائم السنّية (القرار، العراق هويتنا).

 

وماذا عن الأكراد؟

كانت كتلة الأحزاب الكردستانية توصف بأنها صانعة الملوك عند تشكيل كل حكومة، إذ كان الحزبان الكرديان الرئيسان: الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى جانب حركتين إسلاميتين كرديتين يخوضان الانتخابات في قائمة موحّدة تضمن لهما الحصول على أكثر من خمسين مقعداً. لكن الرياح عصفت بكل ذلك الآن، إذ أدّت مغامرة رئيس إقليم كردستان السابق مسعود البارزاني بإجراء استفتاء على استقلال الإقليم عن العراق في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي إلى أن يخسر الكرد كلّ ما حققوا من مكاسب طوال 15 سنة. فقد فرضت تركيا وإيران فضلاً عن بغداد حصاراً على الإقليم مجبرة إياه على تسليم السيطرة على منافذه الحدودية ومطاراته إلى السلطة الاتحادية، وأعادت القوات الاتحادية فرض سيطرتها على مناطق مُتنَازع عليها تمدّدت إليها قوات الإقليم بعد سقوط نظام صدّام حسين، فضلاً عن مناطق محافظة كركوك الغنية بالنفط وأجزاء من محافظة ديالى المحاذية لبغداد التي سيطرت عليها مستغلّة انشغال الأخيرة بقتال داعش.

وجاء هذا الانهيار ليُضاف إلى موجة السخط الشعبي على استشراء الفساد بدرجة قد تزيد عن مستوى فساد الحكومة الاتحادية، وتدهور مستوى معيشة سكان إقليم كردستان ليزيد من حدّة الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب وليؤدي إلى انشقاقات وبروز أحزاب جديدة دخل كل منها الانتخابات بقائمة منفردة.

إن أي مغامرة لتحليل التمثيل البرلماني الحالي للكتل الكردستانية ستنطوي على مغالطة كبيرة نظراً إلى أن ثمة شبه إجماع بين المراقبين على أن الحزبين الكرديين الرئيسين مارسا عمليات تزوير على نطاق واسع ومفضوح، ولابد من انتظار نتائج العدّ والفرز اليدوي.

 

الكتل الرئيسة الفائزة في الانتخابات

القائمة

تركيبتها

عدد المقاعد

عدد المقاعد في برلمان 2014

التغيّر

% المقاعد

سائرون

مقتدى الصدر مع حلفاء ثانويين مدنيين

54

34 (كتلة الأحرار الصدرية)

+20

16.4

الفتح

ميليشيات الحشد الشعبي المقرّبة من إيران

47

-

-

14.2

النصر

رئيس الوزراء حيدر العبادي

42

-

-

12.7

دولة القانون

رئيس الوزراء السابق المقرّب من إيران نوري المالكي

25

92

-67

7.5

الحزب الديمقراطي الكردستاني

بقيادة مسعود البارزاني

25

25

-

7.5

القائمة الوطنية

برئاسة إياد علاوي وقوى سنّية

21

21

-

6.3

تيار الحكمة

عمّار الحكيم

19

29

(تيار المواطن)

-10

5.7

الاتحاد الوطني الكردستاني

أسسه الراحل جلال الطالباني

18

21

-3

5.5

القرار العراقي

نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، قائمة سنّية

14

23

(متّحدون)

-9

3.1

 

 

مؤشّرات إيجابية

كشفت الانتخابات والمرحلة المُمهِّدة لها عن بدء انعطاف المجتمع العراقي (غير الكردي منه على الأقل) نحو استعادة هوية تتجاوز الطائفة، وتحاكم القوى السياسية وفقاً لمدى الثقة برموزها. ومن الصعب الحديث هنا عن مدى الثقة ببرامجها لأن كل الكتل خاضت الانتخابات مستندة إلى شعارات عامّة متشابهة تدور حول القضاء على نظام المحاصصة الطائفي ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات.

ومن الواضح أن قوى الإسلام السياسي الشيعي كانت واعية بوجود نزوع متصاعد رافض لها بين الناخبين مما دعاها إلى تبنّي تسميات غير دينية. فميليشيات الحشد الشعبي اختارت تسمية "الفتح" لقائمتها، وانشقّ عمّار الحكيم، زعيم المجلس الإسلامي الأعلى، عن الحزب الذي ارتبط تأسيسه وديمومته بعائلته، وأسس "تيار الحكمة الوطني" . أما حزب الدعوة الحاكم منذ عام 2006 فلم يستطع تشكيل قائمة انتخابية موحّدة بسبب التنافس بين قطبيه رئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي فتوصّل إلى اتفاق يقضي بعدم استخدام اسم الحزب في الحملة الانتخابية والنزول بقائمتين، "النصر" بقيادة الأول و"دولة القانون" بقيادة الثاني.

عبّر هذا الانعطاف عن بدء استنزاف الخطاب الطائفي الشيعي كما السنّي لطاقة الشحن التي كان يمارسها تجاه جمهوره؛ خطاب شيعي استغلّ خطر تنظيم القاعدة ومن ثُمّ خطر داعش ليخيف الشيعة من "عودة السنّة" إلى الهيمنة على السلطة، وخطاب سنّي يماهي بين مؤسسات الدولة وبين "سيطرة الشيعة" وتهميشهم للسنّة. لكن علينا عدم المبالغة في رسم صورة وردية عن التحوّلات في المزاج الشعبي، فالقوائم الانتخابية ذات النفس الطائفي الشيعي أو السنّي لا زالت تحصد عدداً لا يستهان به من الأصوات برغم تراجعها كثيراً بالمقارنة مع الدورات البرلمانية الثلاث الفائتة.

وثمة ظاهرة إيجابية كبيرة رافقت الانتخابات الأخيرة ولم يلتفت إليها معظم المراقبين، وهي ما يمكن تسميته بتراجع الوعي الذكوري لدى الناخب العراقي. وليس الارتفاع الطفيف في عدد المقاعد التي فازت بها النساء هو المؤشِّر الوحيد على ذلك. فبموجب قانون الانتخاب العراقي، يجب أن لا تقلّ نسبة تمثيل النساء في البرلمان عن 25% (81 مقعداً)، مما يضعه في مرتبة متقدِّمة بكثير على جميع البلدان العربية. لكن هذا العام شهد -عدا صعود 84 نائبة في برلمان - تشكّل قائمة انتخابية تقودها نائبة نجحت في إيصال ثلاثة من أعضائها إلى البرلمان وإن لم تحصل هي على الأصوات اللازمة. كما أن امرأة فازت بالمقعد المُخصّص (كوتا) لأتباع الديانة الصابئية.[1] ولعل ما له دلالة أكبر من ذلك كله، أن امرأة احتلت المقعد الأول لمرشحي بغداد (لها 71 مقعداً في البرلمان) عن قائمة "سائرون"،[2] وفازت بأكثر من 54 ألف صوت وهو عدد يكفي لتبيان ضخامته أن نقارنه بما حصل عليه رئيس الوزراء حيدر العبادي وهو 59 ألف صوت، وما حصل عليه رئيس الوزراء السابق إياد علاوي وهو 28 ألف صوت فقط.

وأهمية هذه المعطيات تكمن في أن عدداً متزايداً من المرشَّحات لم يعدن بحاجة إلى "الكوتا" المُحدَّدة بربع المقاعد. ففي انتخابات عام 2014، صعدت 22 نائبة بفضل عدد الأصوات التي حصلن عليها في منافسة الرجال، فيما تجاوز عددهن في هذا العام 30 نائبة.

 

أخيراً: لا حكومة جديدة في المدى القصير

من تابع المشهد السياسي العراقي خلال السنوات الخمس عشرة الفائتة والمشهد السياسي الراهن يعرف أن عملية تشكيل حكومة جديدة ستستغرق عدة أشهر. فقد استغرق تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2014 أكثر من أربعة أشهر، أما في عام 2010 فقد حطّم العراق الرقم القياسي الذي كانت تحتلّه بلجيكا ولم تتشكّل حكومته إلا بعد 289 يوماً من التصديق على نتائج الانتخابات.

ويعود الأمر أوّلاً إلى تفسير للدستور خرجت به المحكمة الاتحادية، المتّهمة بالانحياز إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، لمفهوم "الكتلة الفائزة" التي على رئيس الجمهورية تكليف زعيمها بتشكيل الحكومة. وفقاً لهذا التفسير لا تُعدّ القائمة التي تحصل على أكبر عدد من مقاعد البرلمان "الكتلة الفائزة" بالضرورة، بل إن القوائم الفائزة تشرع بالدخول في اتفاقات وتحالفات بعد المصادقة على نتائج الانتخابات، وعلى هذه التحالفات تسجيل نفسها عند انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان الجديد ليتم تكليف التحالف الأكبر عدداً بتشكيل الحكومة.

إذاً، لن يكون تكليف كتلة "سائرون" بتشكيل الحكومة تحصيل حاصل. ففي ظلّ تشظّي القوائم الفائزة لن تضمن أية قائمة الحصول على أغلبية نيابية، أي 165 مقعداً، ما لم تتحالف مع أربع قوائم أخرى على الأقل. وسيبدو من باب المفارقة القول إن هذا الأمر كان أكثر سهولة في السابق مع أن تشكيل الحكومة استغرق أشهراً. فالقوائم الانتخابية آنذاك لم تكن تخفي هويّاتها الطائفية. وكانت الكتلة الفائزة تحصل على ما بين تسعين ومئة مقعد تسهّل لها إشراك التحالف الكردستاني وقائمة تمثّل العرب السنة فتضمن بذلك الحصول على أغلبية برلمانية في ظل نظام قام على مبدأ تلفيقي اسمه "التوافق الوطني"، تشارك فيه كل الكتل الكبيرة الفائزة بشيعتها وسنّتها وأكرادها في حكومة تتوزّع المناصب فيها كإقطاعيات لكل حزب حسب ثقله.

هكذا كانت الانتخابات النيابية السابقة تنتهي بحصول حزب الدعوة الإسلامية على أعلى الأصوات، فيشكل هو والمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة آل الحكيم والتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر فضلاً عن حركات أقلّ شأناً كتلة شيعية ينضمّ إليها التحالف الكردستاني المكوَّن أساساً من الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة الراحل جلال الطالباني وقوى عربية سنّية. وكانت الصراعات المُعطِّلة لتشكيل الحكومة تدور حول توزيع المقاعد الوزارية.

تشكيل الحكومة الجديدة سيجري في ظلّ شروط وتحديات تختلف نوعياً عن الماضي بدءاً مما قد ينتج عن عملية إعادة عدّ الأوراق الانتخابية وفرزها وما يحمله من مخاطر انفجار العنف إن ظهر أن النتائج الحقيقية تختلف عن تلك التي أعلنتها مفوضيّة الانتخابات. وبافتراض أن الأمر سيمرّ بسلام، فسيكون العراق -وللمرة الأولى منذ سقوط نظام صدّام حسين- أمام إمكانية تشكيل حكومة لا تخضع للهيمنة الإيرانية، إن تحالفت كتل "سائرون" و"النصر" و"الوطنية". وفي المقابل، ثمة سعي محموم من جانب الكتل الموالية لإيران وفي مقدمتها "الفتح" و"دولة القانون" إلى جانب الحزبين الكرديين الرئيسين لكي تكوّن هي الكتلة الأكبر التي يتم تكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة. ولأوّل مرّة كذلك، سيضمّ البرلمان تحالفاً حاكماً وآخر معارضاً بدل نظام "التوافق الوطني" الذي كان غطاء لإقطاعيات تتوزعها الكتل المختلفة.

وفي الأحوال كلها، سيكون حدثاً سعيداً وغير متوقَّع أن تولد الحكومة في عام 2018!

 


[1] لمياء شاوي الهلالي.

[2] ماجدة التميمي.

 

الصورة: عراقيون يمشون بالقرب من ملصقات حملة الانتخابات التشريعية في الموصل، العراق - مايو 2018 | © EPA