You are here

تأثير الحركة الحقوقية في تونس بين التشريع والممارسة

أوراق بحثية
TitleDownload
تأثير الحركة الحقوقية في تونس بين التشريع والممارسةلتحميل الورقة

تلعب الحركة الحقوقية في تونس دوراً هاماً في التأثير على التشريعات والممارسات، حيث تحولت من راصدة ومنددة للانتهاكات إلى مُشارِكة في وضع تعديلات قانونية وإصلاحات في السياسات. ولم تظل بمعزل عمّا أنتجته السنوات التالية للثورة من واقع سياسي وحقوقي جديد وازدياد في الوعي بأهمية حقوق الإنسان وضرورة مواصلة النضال والاحتجاج للمطالبة بها. كيف تميّز هذا التحول في الحركة الحقوقية وما هو مدى نجاحها في التأثير من خلال الوسائل والآليات التي استخدمتها، في ظل معطيات واقع ما بعد الثورة؟

***

ملخَّص

تحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على دور الحركة الحقوقية في تونس في التأثير على التشريعات والممارسات، كما تحاول تمييز تحولها من رصد الانتهاكات والتنديد بها قبل ثورة يناير 2011 إلى المشاركة في وضع تعديلات قانونية وإصلاحات في السياسات يمكن معها التقليل من هذه الانتهاكات. لم تكن الحركة الحقوقية بمعزل عمّا عاشته تونس في السنوات التالية للثورة ونتج عنها واقع سياسي وحقوقي جديد، حيث زاد الوعي بأهمية حقوق الإنسان وضرورة مواصلة النضال والاحتجاج للمطالبة بها. وقد شهد هذا المناخ الجديد تغيّرًا؛ ليس فقط فيما يتعلق بنطاق مطالب الحركة الحقوقية، بل بالوسائل والآليات التي استخدمتها من أجل تحقيق هذه المطالب والتي نجحت أحيانًا وفشلت في أحيان أخرى.

 

مقدمة

يتعرّض هذا البحث للحركة الحقوقية في تونس مركزًا على دورها ومدى تأثيرها في القضايا التي تبّنتها على مستويات التشريع والممارسة. وعلى الرغم من الاحتفاء بثورة تونس بصفتها، في وجهة نظر البعض، انتقالاً فريدًا شبه ناجح نحو الديمقراطية في بلدان هبَّت عليها رياح "الربيع العربي" في المنطقة، مرت عدة سنوات بعد هذه الثورة التي زلزلت النظام في 14 يناير 2011 مع فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وما تزال عملية الانتقال الديمقراطي حسب رأي 72% من التونسيين غير مرضية.

وفي عامي 2012  و2013  وثقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان 173 اعتداء جسدي ومعنوي، و41 حالة لاعتداءات تتعلق بأحداث 9 أبريل 2012 (عندما وقعت اشتباكات وأعمال عنف بين قوات الأمن من جهة وبين المتظاهرين الذين أرادوا إحياء ذكرى الشهداء من جهة أخرى)، و97 حالة لمظاهر عنف من السلطة، والتعذيب والمطاردات الأمنية لسنة 2012 مقابل 28 حالة في 2013. وتصدّر أعوان الأمن قائمة الممارسين لهذه الانتهاكات، بينما احتلت عناصر محسوبة على التيار السلفي المصدر الثاني الأساسي، في حين تسبب مجهولون في الحالات الأخرى (حالات عنف مرتبط بسرقة) أو من الحق العام. وتعددت أنواع العنف وشملت الاعتداء على الحريات الأكاديمية، وحرية الملبس، والحق النقابي، والنشاط السياسي، إلخ.

وأكدت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، في تقريرها الشهري الخاص بديسمبر 2016، ارتفاع عدد الانتهاكات خلال نوفمبر 2016 مقارنة بسبتمبر وأكتوبر، مبينة أنها تلقت تقارير عن 12 حالة تعذيب وسوء معاملة داخل السجون ومراكز الأمن. وقد فسّرت الارتفاع في عدد الانتهاكات بتواتر الإفلات من العقاب وغياب المسائلة. وعلى الرغم من هذه التقارير فقد شُكِّل في تونس في السنوات الست التالية لثورة 2011 واقع سياسي وحقوقي جديد (تشريعًا وممارسة)، يمكن اعتباره قطيعة مع ما عاشته البلاد منذ تاريخ حصولها على الاستقلال في الخمسينيات، حيث ازداد الوعي بأهمية حقوق الإنسان وضرورة مواصلة النضال والاحتجاج للمطالبة بها، على الرغم مما واجهه المحتّجون، خصوصًا في أوائل الثورة من ضرب بالرصاص وغازات مسيلة للدموع. ولكن هذا المناخ الجديد شهد أيضًا مراوحة الحركة الحقوقية في تونس بين الانتكاس والنجاح، أو بين محدودية الإصلاحات والتحقيق الكامل للمطالب.

في ظل هذا الواقع الجديد طوّرت الحركة الحقوقية آليات وسبل عملها وانتقلت من الدور الأصلي للحركة المقتصر على التوثيق والإدانة والتنديد، إلى موقع فاعل مهم في عملية الحشد والضغط والعمل في الشارع أو الفضاء العام؛ حيث باتت تقترح وتساهم في إقرار تغييرات قانونية مهمة على صعيد حقوق الإنسان مثل قانون تمويل الأحزاب والجمعيات ومبدأ التناصف في القوائم المرشّحة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي لسنة 2011. وعلى الرغم من أن من طالب بالتناصف هي الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، فإن هذه الهيئة ضمت ممثلين لعدد من الجمعيات الحقوقية والنسائية مثل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية وغيرها.

وتسعى هذه الورقة للنظر في تأثير حركة حقوق الإنسان في تونس حيث تدرس الحملات التي ولدّت ضغطًا من الرأي العام في قضايا حقوق المرأة والنوع الاجتماعي، والتعذيب، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وحرية الممارسات والعقيدة الدينية، إلخ.، بالقدر الذي يوضح طبيعة العلاقة بين الإطار المجتمعي الذي تتفاعل فيه هذه الحملات وتخلق ضغطًا مجتمعيًا، والإطار القانوني الذي يستجيب لها، والخطاب الحقوقي والإعلامي لحركة حقوق الإنسان الذي يساهم في خلق هذه الضغوط وبلورة مطالبها بأشكال تصلح للتعامل مع الجمهور ومع مؤسسات الدولة.

وضمن هذا السياق تنظر الورقة إلى الخطاب الإعلامي بصفته ليس فقط قناة ناقلة بل مؤثرة بدورها في صياغة ما يجري تقديمه للجمهور، وفي كيفية صناعة الخطاب الحقوقي لذاته حيث إن قنوات الإعلام العامة والخطاب الجماهيري تؤثر مسبقًا على طريقة صياغة الخطاب وتوقيته وكيفية نشره، فلا يقتصر الأمر هنا على اختيار الألفاظ واللغة، بل على التوقيت والكيفية والممارسة نفسها، لذا فإن التأثير بين وسائل الإعلام وفاعلي حقوق الإنسان هو بشكل ما تأثير تبادلي يسير في اتجاهين.

وتبقى المشكلة المطروحة أن الأسهل أن نقوم بقياس مدى نجاح الحركة الحقوقية بتونس في الدفع نحو اعتماد مقاربة حقوق الإنسان في السياسات والنصوص القانونية، ولكن الأصعب أن نقيم تأثير الحركة الحقوقية على صعيد ممارسات أجهزة الدولة وبعض الممارسات الاجتماعية التي تتغير نتيجة عوامل عديدة ويحتاج قياس تغييرها إلى أبحاث كمية واسعة النطاق على مدى زمني معقول؛ وهو ما لا ينوي هذا البحث القيام به لأسباب عديدة.

 

أولاً: مطالب الحركة الحقوقية

يتناول البحث بالوصف والتحليل أربعة مطالب محددة للحركة الحقوقية وهي: حقوق المرأة، ووقف التعذيب، وتكريس الضمانات الحقوقية للمتهم، وإلغاء عقوبة الإعدام، ومدى نجاحها في إحداث تأثير فعلي (قانوني أو على صعيد الممارسة) في هذا المضمار. لم تكن هذه المطالب كلها وليدة فترة ما بعد الثورة فلطالما تمت المطالبة بها من طرف الحركة الحقوقية التونسية، لكن هذه الجهود تزايدت مع ما شهدته تونس من تكريس للحريات، وخصوصًا حرية التعبير والاحتجاج في الفضاء العام مع الثورة وبعدها، كما أن الخطاب الرسمي تخلى نسبيًّا بعد الثورة عن الارتكاز على المكتسبات التشريعية من أيام بورقيبة، بالنظر إلى تغيرات متلاحقة في المشهد السياسي ولا سيما على صعيد كبار السياسيين التنفيذيين في حكومات عدة متعاقبة.[1]

  1. حقوق النساء

احتلت مسألة المحافظة على مكتسبات حقوق المرأة والسعي إلى الظفر بالمزيد منها موقعًا مهمًا في صميم عملية الانتقال السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تونس، البلد الذي طالما تمّ تصنيفه على رأس الدول العربية الأكثر تقدمًا في مجال حقوق المرأة. ويعزى هذا التقدم أولاً إلى الإرث التشريعي التقدمي الذي حصلت عليه المرأة منذ أيام بورقيبة؛ المتمثل في مجلة الأحوال الشخصية التي ألغت تعدد الزوجات، واعتبرت الزواج من ثانية جنحة يعاقب عليها بالسجن والغرامة أو بإحدى العقوبتين، وحددت سن الزواج، وكرست الموافقة المباشرة والحرة للزواج، ومنعت الزواج العرفي. وتعزز هذا الإرث بإنشاء وزارة خاصة بالمرأة، وتأسيس مركز الدراسات والبحوث والإعلام والتوثيق حول المرأة "الكريديف“، بوصفه هيئة علميّة تابعة للوزارة.

 كما يعزى هذا التقدم ثانيًا إلى جهود بعض الفاعلين الحقوقيين مع وجود عدد من الجمعيات التونسية التي عملت كثيرًا على هذا المطلب، ومن أهمهم الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي سعت إلى المطالبة بدسترة حقوق النساء منذ 2012. وتحقق هذا المطلب في دستور 2014 بعد معركة طويلة خاضتها الجمعيات والأحزاب المؤيدة لحقوق المرأة؛ حيث تمت دسترة وتكريس مبدأ المساواة التامة في الفرص بين المرأة والرجل في بنوده، وخصوصًا المواد 34 و46.[2] وقد أفسح هذا المجال للمرأة في مرحلة لاحقة للترشح للانتخابات الرئاسية، فتقدمت تونسيتان لسباق الرئاسة وهما السيدة آمنة القروي التي تمت تزكيتها بـ 15,522ناخبًا، والسيدة كلثوم كنوّ؛ التي تضمّن ملف ترشحها نحو 15 ألف تزكية من الناخبين.

وبدأت المعركة من اجل الحفاظ على، بل وتوطيد حق المساواة للمرأة التونسية، عندما أقرت لجنة التشريع داخل المجلس التأسيسي الفصل 28 من مسودة الدستور الذي نص على أن "المرأة مكملة للرجل". وفي رد فعل على ما اُعتبر انتكاسة لحقوق النساء تعالت أصوات منادية بالمساواة التامة والفعلية بينهما، فاعتبار المرأة مكملة للرجل ينفي عنها استقلاليتها فتصبح في حالة تبعية للرجل بعد أن كانت على قدم المساواة معه. وخرجت في أغسطس 2012 آلاف النساء التونسيات ومكونات المجتمع المدني، وذلك في تظاهرات سلمية في كل أنحاء البلاد، احتجاجًا على ما اعتبر محاولة للتراجع عن مكسب مهم تعتز به المرأة التونسية؛ أي المساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات. وقد فشلت هذه المحاولة للانتقاص من حقوق المرأة.

وتلا ذلك نجاح أخر وهو رفع تونس لتحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو – (CEDAW كل رسمي في 23 أبريل 2014. وفي المقابل أكدت الحكومة، في تناقض واضح، أن هذا الرفع لا يمكن أن يؤدي إلى إقرار قوانين وتشريعات من شأنها مخالفة الدستور، مما يغلف بالغموض مدى جدوى رفع التحفظات، وما هي بالضبط المواد الدستورية التي تقف حائلاً دون رفع كل أشكال التمييز ضد المرأة. وفي هذا الإطار يمكن اعتبار أنه باستثناء السماح للمرأة باستخراج جوازات سفر لأبنائها، والسفر معهم دون الحصول على ترخيص مسبق من الأب،[3] ظلت بقية التحفظات المرفوعة حبرًا على ورق. ولعل أهمها هو المساواة في الإرث بين المرأة والرجل التي لم تكرّس حتى الآن قانونًا. وخلقت مبادرة النائب في البرلمان التونسي المهدي بن غربية بطرح قانون ينص على المساواة في الإرث جدلاً كبيرًا على الساحة السياسية والحقوقية التونسية، ولم ينل تأييدًا داخل البرلمان سوى من 27 نائبًا فقط.

وقررت الحكومة إنشاء مجلس استشاري جديد يسمى "مجلس النظراء للمساواة وتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل". ويعمل هذا المجلس على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي[4] في التخطيط والبرمجة والتقييم والميزانية للقضاء على جميع أشكال التمييز بين المرأة والرجل، وتحقيق المساواة بينهما في الحقوق والواجبات، وذلك تطبيقًا لمقتضيات الفصل 21 من دستور 2014. وعلى مستوى المجتمع المدني تواصلت الجهود من أجل الدفاع عن حقوق النساء والدفع بها من خلال تنظيم الاتحاد الوطني للمرأة التونسية "حملة 16 يومًا لمناهضة العنف المسلط ضد النساء" وذلك بمناسبة الأيام الدولية للأمم المتحدة، والتي انطلقت من 25 نوفمبر 2016 الموافق لليوم العالمي للقضاء على العنف المسلط ضد النساء إلى يوم 10 ديسمبر 2016 الموافق لليوم العالمي لحقوق الإنسان. وانطلقت الحملة ببث ومضة توعوية بوسائل الإعلام المسموعة والمرئية ووسائل التواصل الاجتماعي حول التحرش الجنسي تحت شعار "ماعادش نسكت".

ورغم كل هذا يظل العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، الجندر، مظهرًا قائمًا في المجتمع التونسي، ويظل شاغلاً أساسيًّا للحركات الحقوقية والنسوية التي تناضل ضد هذا العنف بكل صوره: الجسدي والجنسي والنفسي والعاطفي والاقتصادي والاجتماعي. وقد وصلت نسبة النساء اللواتي تعرضن إلى العنف في الفضاء العام في تونس بين 2011-2015 إلى 53.3%. وهذا تراجع مزعج في ضوء أن أول مسح وطني حول العنف المسلط على النساء أنجزه الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري (منظمة حكومية) في تونس بالتعاون مع عدة أطراف منها مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث "كوثر"، في عام 2010 استخلص أن 47% من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و64 سنة تعرضنَ لأحد أنواع العنف على الأقل مرة واحدة طيلة حياتهن، مع وجود تقارب كبير في هذا المعطى البياني بين الريف والمدينة. وفي هذا الإطار فإنه من الضروري التذكير بأنه "من الشائع ارتفاع العنف ضد النساء في فترات الأزمات" وربما لم تشذ تونس عن تلك القَاعدة. وفي الوقت نفسه وضع التقرير السنوي للمؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2015 تونس في المرتبة 127، وذلك بعد دولة الإمارات العربية المتحدة (119) والبحرين (123)،  وتراجعت تونس بـ 20 نقطة حيث كانت تحتل سنة 2010 الترتيب 107 أي بعد الإمارات العربية المتحدة (103) وقبل  البحرين (110). ويهدف هذا المؤشر إلى تصنيف دول العالم وفقًا لمقدار المساواة الممنوحة للرجل وللمرأة، وذلك من خلال عدة قياسات تبحث الفارق بين الجنسين من حيث المشاركة الكاملة والفعَّالة في ميادين الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة.[5]

وهكذا على الرغم مما ضمنته المرأة التونسية من حقوق في التشريعات قبل الثورة وبعدها، ورغم التقدم الذي أحرزته في هذا المجال بالمقارنة مع الدول العربية الأخرى ومنها مبدأ المناصفة والتناوب في الانتخابات،[6] إلا أنها ما تزال تتعرض إلى التمييز السلبي على أساس النوع الاجتماعي، انطلاقًا من مكان عملها فيما يتعلق بالأجور في بعض القطاعات وصولاً إلى ما تتعرض له من عنف في الشوارع وداخل الأسرة. وعلى مدى عام كان هناك جدل في أوساط الحكومة والبرلمان بين نسخ مختلفة لمشاريع قانون للقضاء على العنف ضد المرأة حتى تم إقرار قانون لا تراه كل المنظمات النسوية مثاليًا ولكنه تقدم هائل مقارنة بما سبق من اطر قانونية لهذه المسألة ويعد نجاحا كبيرا للجناح المطالب بتعريفات ادق للعنف ضد النساء وعقوبات جزائية أشد ضد مرتكبيه. وصدر القانون بعد الانتهاء من كتابة هذه الورقة وصدر في أغسطس 2017ودخل حيز التنفيذ في فبراير 2018. والقانون ختام صراع سياسي بدأ مع مشروع تقدمت وزارة المرأة والأسرة والطفولة. وقد ناقش هذا المقترح مجلس الوزراء في 13 يوليو 2016 في وجه مقترح قانون شامل لمقاومة العنف ضد النساء والفتيات قدمته كاتبة الدولة للمرأة والأسرة واعتمدت فيه المنهج التشاركي من خلال استعمال خبرات المجتمع المدني، وخصوصًا الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. وسعى المشروع الأخير إلى إدخال تعديلات خصوصًا على المجلة الجزائية فيما يتعلق بجرائم العنف الجنسي. وترى حفيظة شقير، الباحثة والناشطة الحقوقية والتي تعمل مع جمعية النساء الديمقراطيات، أن المشهد الحقوقي العام شهد "مقاربة تبلورت منذ بداية التسعينيات اعتبرت العنف شكلاً من أشكال التمييز المسلط على النساء، خصوصًا بعد التوصية الــ19 الصادرة عن لجنة سيداو المكلفة بمتابعة تطبيق اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة فيما يتعلق بمسألة العنف، دعمت المقاربة الجديدة آنذاك بالإعلان العالمي ضد العنف الصادر في ديسمبر 1993 الذي أكد على التماثل ما بين العنف والتمييز، كما اعتبر العنف تعديًّا على كيان المرأة المعنوي والجسدي والجنسي.[7]

  1. قطيعة مع التعذيب

انتظرت تونس قيام الثورة لتصادق على البروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب في يوليو 2011.[8] ويلزم هذا البرتوكول الدول المنضوية تحته بإحداث آلية وطنية للوقاية من التعذيب تكون لها ضمانات الاستقلالية والحياد، وهو ما فعلته تونس بإنشاء هيئة عمومية مستقلة، تدعى الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في 21 أكتوبر 2013.[9] وتأخر انتخاب أعضاء الهيئة الـستة عشر من قبل مجلس نواب الشعب حتى 30 مارس 2016،[10]ويرجع هذا التأخر إلى تغيب عدد من النواب عن جلسات اللجنة الانتخابية وبالتالي عدم توفر النصاب القانوني. وقد لمّح رئيس اللجنة الانتخابية في تصريح له عن "وجود رغبة لدى بعض النواب المتغيبين في عدم إحداث الهيئة لا سيَّما في ظل حديث بعضهم عن الاكتفاء بهيئة حقوق الإنسان فقط، عوضًا عن هيئة الوقاية من التعذيب." وتمّ تحديد عضوية أعضاء الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب بست سنوات غير قابلة للتجديد. ولضمان استقلالية الهيئة عن الضغوطات السياسية اشترط القانون ألا يكون الأعضاء برلمانيين أو لهم مسؤوليات سياسية، وعهد للهيئة مهام رصد ورقابة مختلف مراكز الاحتجاز وتأدية زيارات دون سابق إعلام، ولها أن تتلقى الشكاوى من المتضررين، كما أنها ملزمة إنجاز تقرير علني عن أنشطتها.

وكانت تونس من بين الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لحقوق الإنسان التي تم اعتمادها من جانب المفوّضية السامية للأمم المتحدة منذ 10 ديسمبر 1984.  ويعود تأخر تونس في المصادقة على البروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب إلى اتخاذ نظام بن علي قرارًا بعدم تقديم أي تقرير حول التعذيب أمام لجنة مناهضة التعذيب، على الرغم من أن الاتفاقية تلزم الدولة بتقديم تقرير دوري كل 4 سنوات. وفي 1998 انتهت لجنة مناهضة التعذيب في تقريرها الثاني إلى أن التعذيب في تونس كان سياسة ممنهجة. وبعد قيام الثورة وإزاحة النظام ناقشت الحكومة التونسية، خلال أبريل 2016، التقرير الدوري الثالث للاتفاقية أمام لجنة مناهضة التعذيب بمجلس حقوق الإنسان بجنيف.

ورغم هذا التطور، تبقى رغبة السلطة السياسية في القطيعة مع التعذيب على أهميتها مقيدة ومكبلة بالنصوص التشريعية حيث عجز الفاعلون الحقوقيون عن إحداث تغيير في النصوص القانونية التي تحكم عمل الأجهزة الأمنية. وأكدت منظمة العفو الدولية في مذكرة إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة في 2016 أن التعذيب ما يزال موجودًا في تونس. ومن المرجح استمرار ممارسات التعذيب داخل الأجهزة الأمنية التي لم تمر بمرحلة إعادة هيكلة ولم يمر منتسبوها بمرحلة إعادة تأهيل، إلا أنّ الفرق المهم فيما يبدو هو أن التعذيب لم يعد سياسة منهجية من جانب الدولة.

وتواصل الحركة الحقوقية التّحري وجمع المعلومات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان بما فيها التعذيب، ونشرها من أجل ممارسة الضغط على السلطات عن طريق لفت نظر الجمهور والمسؤولين الرئيسيين في مجالي السياسة والقضاء لحدوث انتهاكات وذلك من خلال التقارير الدورية التي تصدرها. ويساهم التبليغ ونشر عدد وتفاصيل حالات الانتهاكات في عدم تكرارها وإعانة الضحايا على اللجوء إلى القضاء، وهو ما تقوم به عدة جمعيات في تونس.

وتؤكد جمعيات حقوقية تونسية على استمرار استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في أثناء الاحتجاز والعنف بسبب النوع الاجتماعي على أيدي فاعلين تابعين للدولة أو غير تابعين لها. وعلى سبيل المثال أعلنت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب خلال شهر يونيو 2016، عن 6 حالات عنف وسوء معاملة وإهمال طبي في مراكز الاحتفاظ وخلال عمليات الإيقاف وفي السجون. وسجلت المنظمة في نفس تقريرها الشهري تقلص الحالات الواردة عليها خلال شهر يونيو 2016. ورجّحت المنظمة في تفسيرها هذا الأمر "ببداية تطبيق القانون الجديد المتعلق بحضور المحامي أمام الباحث الابتدائي" معتبرة ذلك انطلاقة مشجعة وتأكيدًا لموقف المنظمات الحقوقية التي أشارت إلى أن وتيرة الانتهاكات ستتقلص مع تطبيق القانون الجديد.

  1. تكريس الضمانات الحقوقية للمتهم

مع دخول القانون عدد 05 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائية حيز التنفيذ، بدأت تونس عهدًا جديدًا من المسائلة والمحاسبة؛ حيث أقر هذا القانون بإمكانية حضور المحامي لدى باحث البداية.[11] ومن أهم النقاط التي جاء بها القانون أن من حق المحامي الحضور مع أي متضرر أو مشتبه به في أي جريمة (جناية، جنحة، الخ) محتفظ به أم مطلق السراح، كما أن له الحق في زيارة موكلّه المحتفظ به مرة واحدة في كل مدة احتفاظ لا تتجاوز 30 دقيقة وعلى انفراد، ويتوفر للمحامي وسائل دفاع مضمونة بالنص؛ منها إمكانية طلب تدوين ملاحظاته في المحضر وعند الامتناع  يمكن للمحامي القيام بهذا بنفسه عند التوقيع على المحضر، كما أن له أيضًا إمكانية طلب عرض موكله على الفحص الطبي لمعاينة آثار التعذيب في أثناء المحاكمة.

وعلى الرغم من أن الحركة الحقوقية لم تنجح بعد في مساعيها من أجل إعادة بناء القطاع الأمني وتكريس الممارسات الجديدة وترسيخها، فقد مر القطاع الأمني بعدة إصلاحات في الأعوام الخمسة التالية للثورة ومنها وضع مدونة سلوك لقوات الأمن الداخلي بهدف تكريس مفهوم الأمن الجمهوري القائم على فرض سلطة القانون في إطار احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة، تماشيًا مع أحكام الدستور والمعاهدات الدولية والقوانين المنظمة لعمل قوات الأمن الداخلي. وتتضمن هذه المدونة مجموعة من القواعد السلوكية والمبادئ التي تسري على جميع قوات الأمن الداخلي مهما كانت رتبهم أو خططهم الوظيفية أو القيادية.

وفي إطار مساعيها لتقديم اقتراحات عملية لتعديل القوانين بغرض تغيير الممارسات المستقرة منذ عقود أكدت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، في تقرير لها في شهر فبراير 2015، على ضرورة تعديل التشريعات بخصوص نظام الشكاوى ضد أعوان السلطة العمومية المتهمين بارتكاب انتهاكات وحماية الشهود وعلى ضرورة توقيف الأعوان الذين ثبت إداريًّا تورطهم في قضايا تعذيب إلى حين البت فيها قضائيًّا. كما وضع مدافعون حقوقيون مقترحات وخارطة طريق لإصلاح المؤسسة الأمنية. وقامت جمعية إصلاح المؤسسات بتنظيم دورات تدريبية حول إنفاذ القانون وحقوق الإنسان وفض النزاعات لفائدة أعوان وحدات التدخل. وتقّدمت نفس الجمعية بمشروع "الأكاديمية الإقليمية للأمنيين" بغية تكوين رجال أمن مثاليين يعملون على تطبيق القانون دون أي تجاوز لمبادئ حقوق الإنسان.[12] وفي السياق نفسه تمّ العمل على إرساء سياسة وزارية لشرطة الجوار، كمقاربة جديدة في العمل الأمني، والشروع في تطبيقها على مستوى عدد من المراكز النموذجية  بغرض بناء علاقة متينة بين الأمن والمواطن. ووُضع دليل قانوني موحد لإجراءات التحفظ من أجل تطبيقه في جميع المراكز الأمنية، واستكمال إعداد كتيب دليل الممارسات المحمودة للأعوان المكلفين بإنفاذ القوانين في مجال التحفظ.

ونتج عن وجود تهديدات وعمليات إرهابية في تونس بعض التبريرات من جانب أجهزة أمنية لممارسات قد تنتهك حقوق الإنسان، الأمر الذي يرفضه الفاعلون الحقوقيون الملتزمون بحقوق المتهم بغض النظر عن التهم أو الشبهات المحيطة به. وينظر السياسيون لهذه المسألة بطريقة مغايرة؛ حيث ادعى رئيس الحكومة الأسبق الحبيب الصيد بأن هناك صعوبة في تحقيق توازن بين مكافحة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان، لا في تونس فقط بل في كل بلدان العالم، على غرار فرنسا وإيطاليا، التي عمدت إلى تغيير عدد من القوانين تماشيًا مع الوضع الاستثنائي الذي تمر به مختلف هذه البلدان المهددة بالإرهاب. ويتردد ادعاء الصيد في دول عديدة ولكنه يصبح أكثر إثارة للقلق في بلدان اعتادت أجهزتها الأمنية استخدام طرق التعذيب والإكراه مع المتهمين والمشتبه بهم وهي كلها طرق ليست فقط منافية لحقوق الإنسان وغير قانونية ولكنها تفتقر إلى أي دليل عملي على أنها ناجعة في مواجهة الإرهاب. ويخشى الحقوقيون أيضًا من استعمال هذه الادعاءات من أجل عرقلة وضع آليات محاسبة وإعادة هيكلة لأجهزة الأمن، بذريعة منح هذه الأجهزة الحرية والسرعة المناسبة من أجل مقاومة "الإرهاب". وفي هذا السياق أبدت ثمان منظمات حقوقية دولية في بيان مشترك في أثناء مناقشة قانون مكافحة الإرهاب التونسي قلقها مما اعتبرته تعريفًا فضفاضًا للإرهاب يمكن أن يؤدي إلى قمع التظاهرات السلمية، أو أي عمل احتجاجي ليس ذا طابع إرهابي.  وأكد القاضي مختار اليحياوي (الرئيس السابق للهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية) في ندوة عقدها مرصد الحقوق والحريات بتونس تحت عنوان "مكافحة الإرهاب بين المعالجة الأمنية واحترام الحقوق والحريات " في أبريل 2015، على أن غموض قانون الإرهاب يجعله سلاحًا ذا حدين يمكن تسليطه على المواطنين.

  1. إلغاء عقوبة الإعدام

على الرغم من أن تنفيذ عقوبة الإعدام مجمد في تونس منذ آخر حكم تم تنفيذه في 1991،[13] ومن أن تونس وقعت في 21 ديسمبر 2012 على توصية الجلسة العامة لمنظمة الأمم المتحدة المتعلقة بوقف تنفيذ هذه العقوبة، فإن المحاكم التونسية تواصل إصدار أحكام الإعدام تطبيقًا للقوانين السارية. وتصدر المحاكم التونسية أحكامًا بالإعدام، إلا أن رئيس الدولة يمتنع عن التوقيع على التنفيذ، مما يمنع تنفيذ الحكم نهائيًّا. لكن عدم التنفيذ الفعلي لهذه العقوبة لا يمنع المحاكم الجزائية من إصدار هذه الأحكام، وهو ما أكده وزير العدل وحقوق الإنسان في نظام بن على في عام 2008.[14] وتبعًا لذلك يبقى المحكوم عليه بالإعدام في السجن دون أن يكون له الحق في الزيارة. لكن بعد ثورة ١٤ جانفي قررت وزارة العدل رفع حظر الزيارات عن المساجين المحكوم عليهم بالإعدام، وتمكينهم من حق زيارتهم من قبل أقاربهم المخول لهم قانونًا، إلى جانب تمكينهم من حق تلقي المؤنة منهم مرة كل شهر، وهي حقوق كانوا محرومين منها طول الفترة السابقة.

وتؤسس الحركة الحقوقية التونسية طرحها المتمثل في ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام على عدم التناغم بين دستور 2014 والتشريعات السابقة له والمنتمية لإطار دستوري آخر (الدستور السابق لسنة 1959). ففي حين يضمن الدستور الجديد الحق في الحياة ما يزال الإعدام مدرجًا في القانون كعقوبة؛ حيث يعاقب القانون التونسي على 21 جريمة بالإعدام.[15]

ولم تنج مطالبات منظمات حقوقية بإلغاء العقوبة ومن ضمنها الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية والمعهد العربي لحقوق الإنسان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وهناك بالفعل تجمع منذ 14 يونيو 2007 يُدعى الائتلاف الوطني التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام؛ وهو تحالف يجمع سبع منظمات مستقلة؛ وهي الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية والمعهد العربي لحقوق الإنسان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء للبحث حول التنمية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والجامعة التونسية لنوادي السينما وجمعية الصحافيين التونسيين، التي عوضتها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين. ويضم الائتلاف أكثر من 100 شخصية وطنية تونسية مشهود لها بدفاعها عن حقوق الإنسان، وتضم محامين وسينمائيين وإعلاميين ومسرحيين ووزراء سابقين. ويجمع هذا الائتلاف العديد من الفاعلين الهادفين إلى إلغاء هذه العقوبة وحشد الرأي العام ضدها وعضويته مفتوحة لجميع المنظمات المستقلة والافراد. وقد نظم الائتلاف اجتماعات مع أعضاء البرلمان التونسي نتج عنها تقديم مشروع قانون يلغي العقوبة من القانون التونسي.[16]

وتقدم النائبان المحاميان مصطفي اليحياوي وعبد الملك العبيدي بمشروع القانون للبرلمان في مارس 2008 وحصلوا على دعم 23 نائبًا ينتمون إلى أحزاب معارضة، وقعوا جميعهم على مشروع القانون وقدموه إلى مكتب ضبط مجلس النواب، حتى يتمكن رئيس المجلس من النظر في إمكانية عرضه على الجلسة العامة لدرسه والتصديق عليه أو رفضه. ومثل التقدم بهذا المشروع خطوة جريئة غير مسبوقة منذ انتخاب أول برلمان تونسي في سنة 1956. وتجاهل البرلمان المشروع. وفي 2013 طالب الائتلاف والمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب في بيان بالعمل الجاد من اجل الغاء عقوبة الإعدام. ولكن كل هذه الجهود لم تسفر عن أي نتيجة إيجابية، بل على العكس من ذلك صار الإعدام بين العقوبات الموقعة على المدانين في القانون الجديد لمكافحة الإرهاب.

 

ثانيًا: توسيع نطاق وآليات الدفاع عن المطالب الحقوقية

صعدت في تونس إثر الثورة موجة جديدة من الحركات الحقوقية بعد أن كان الركود إن لم يكن التراجع يميّز المشهد السياسي والحقوقي على مدى عقود. وأفرزت هذه الموجة جمعيات حقوقية وفاعلين جدد في المجتمع المدني أو تجمعات وشبكات خارجة عن الأطر الحاضنة والتنظيمية المعتادة على شاكلة الجمعيات والأحزاب والنقابات.[17]وانتجت هذه الموجة من المطالبات الحقوقية ضغوطًا من الأسفل إلى الأعلى، وأزعجت السلطات والمؤسسات الرسمية، بل وعرقلت عض أجنداتها.

ولا شك أن الثورة فتحت الباب أمام استخدام وسائل غير معتادة أو الدفاع عن قضايا وحقوق كانت في ذيل اهتمامات الفاعلين الحقوقيين التقليديين، أو حتى خارج نطاق اهتمامهم تمامًا، لأن الثورة مثلت بشكل ما تحديًّا للمحافظة الاجتماعية النسبية السائدة في الفضاء العام التونسي وخصوصًا خارج مراكز المدن. فاعتمدت حركة "فيمن" مثلاً على آلية "صادمة" للرأي العام للفت الانتباه لقضاياها وهي وقوف نساء عاريات في الشارع للدفاع عن حرية المرأة ورفضها لمفاهيم تقليدية للشرف والسلوك، بينما جرت حملة "مقاومة الفحص الشرجي بالنسبة للمتهمين بالمثلية الجنسية" في علانية واهتمام بحقوق فئة من الأقليات في المجتمع التونسي هم المثليون.

وفتحت الثورة أيضًا المجال أمام تنظيم أفعال حقوقية حول قضية واحدة بعينها مثل حملة "مانيش مسامح" (لن أسامح) التي انبثقت من مجموعة من الشباب غير المعروفين في المجال العام ونظمت العديد من الوقفات الاحتجاجية تنديدًا بمشروع قانون للمصالحة الاقتصادية مع كبار المستفيدين من فساد النظام السابق، خصوصًا وأن المسودة المُقدمة شملت منح عفو عن التجاوزات الاقتصادية السابقة لنحو 7000 شخص، بما في ذلك رجال أعمال وموظفين صغار اتهموا بتبييض الفساد والتهرب من المحاسبة. ومن ناحيتهم فشل أنصار مشروع القانون في التدليل على وجود فوائد عامة له، وفي تحديد قيمة الأموال التي يتوقعون عودتها لخزانة الدولة بسبب تطبيقه المحتمل، بينما أثارت حملة "مانيش مسامح" جدلاً واسعًا في الساحة السياسية التونسية، وما لبثت أن حظيت بدعم أحزاب معارضة ونجحت في نهاية المطاف في وقف تمرير المشروع في البرلمان حتى منتصف عام 2016.

ولم تقتصر الحركات الحقوقية على الدفاع عن الأفراد بل تعدتها إلى الدفاع عن مناطق بعينها أو محافظات برمتها ومنها الطلب الذي رفعه سكان القصرين في 2015 إلى هيئة الحقيقة والكرامة، باعتبارهم ضحية جماعية "للتهميش المنهجي والإقصائي" لمنطقتهم. وتعددت التكييفات القانونية لطبيعة هذه القضية ولكن أهمها كان المعاملة التفضيلية الناجمة عن السياسات العمومية، ولا سيما قبل الثورة، لمناطق الساحل التونسي على حساب المناطق الداخلية. وأوضح استطلاع رأي أعده المعهد الوطني للإحصاء على المستوى الوطني، أن 37% من سكان القصرين يشعرون بأنهم يتعرضون للتمييز على أساس الدخل، فيما كانت النسبة 5% في المناطق الساحلية، بما في ذلك العاصمة. وشعر 23% من مواطني القصرين أنهم يتعرضون للتمييز على أساس منطقتهم، بالمقارنة مع 8% في المناطق الساحلية والجنوب غربية، كما أعرب السكان عن معدلات عالية من الاستياء إزاء تدني مستوى الخدمات الصحية والاجتماعية. وأعرب نحو 70% ممن شملهم الاستطلاع أن عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين يستحقون دعم مؤسسات وخدمات الرعاية الاجتماعية لا يحصلون عليه.

وعلى صعيد آخر تزايد الاهتمام بدور المنظمات الحقوقية في تقديم التقارير للمنظمات الدولية وأثر هذا المجهود. وعلى الرغم من أن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان أقر منذ عام 1993 بأهمية دور المنظمات غير الحكومية أو الحركة الحقوقية عمومًا في تعزيز مختلف حقوق الإنسان والأنشطة الإنسانية على المستويات الوطنية والإقليمية الدولية، إلا أنها لم تلعب هذا الدور بحرية في تونس قبل الثورة. ولم تهتم الحكومة التونسية بدور يمكن للحركة الحقوقية أن تلعبه في تغيير الواقع الحقوقي والتشريعي للدولة من خلال مراجعة التشريعات الوطنية وتحديد الثغرات والمساهمة في وضع قوانين وسياسات جديدة.

وتولي الأمم المتحدة أهمية خاصة للتقارير المقدمة من الجمعيات غير الحكومية، وتعتبرها مكملة للتقارير الحكومية؛ وذلك بالنظر إلى ما تحتويه هذه التقارير من معلومات قد لا ترد في التقارير الحكومية، كما تتمتع هذه التقارير عادة بالمصداقية والجرأة في الطرح. وتوجه التقارير البديلة أو الموازية ذات العلاقة بحقوق الإنسان إلى لجان الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان (اللجان التعاقدية وغير التعاقدية). وينضوي تحت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجان فرعية وفرق عمل تتخصص في مختلف المجالات الحقوقية، مثل التعذيب والاختفاء والمحاكمات غير العادلة، ومنع حرية التعبير، والتمييز ضد المرأة، .. إلخ. وتتلقى هذه اللجان تقارير من الحكومات ومن الهيئات غير الحكومية على أن تكون التقارير معدة بطريقة احترافية، ويجري تسليمها في توقيتات محددة. ولعبت عدة جمعيات حقوقية تونسية دورا مهما لسنوات طويلة في إعداد مثل هذه التقارير ومن بينها بالخصوص الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.[18]

وقد تغير الخطاب الرسمي في تونس بعد الثورة فيما يخص التقارير البديلة أو الموازية حيث صرح وزير مكلف بالعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، برغبة اللجنة الوطنية للتنسيق وإعداد وتقديم التقارير ومتابعة التوصيات في مجال حقوق الإنسان المكلفة بصياغة تقرير الدولة التونسية في التفاعل مع الجمعيات والمنظمات التي تعد تقارير موازية، وذلك عن طريق تنظيم جلسات مشتركة لتبادل الآراء والمقترحات حول المسائل التي تمت إثارتها في هذه التقارير.

  1. أثر الحركة الحقوقية على الساحة السياسية: الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان نموذجًا

فتحت التحولات السياسية والجمعياتية التي عاشتها تونس منذ يناير 2011، آفاقًا جديدة للعمل الحقوقي. ولم تكن الرابطة التونسية لحقوق الإنسان بمعزل عما فرضه التحول الديمقراطي من مهام تاريخية وتحديات جديدة. فهذه المنظمة الحقوقية معروفة بتاريخها النضالي الذي يعود إلى 4 عقود حيث تأسست في 1977، وبرصيدها في التصدر للمعارك الحقوقية والديمقراطية والحريات الفردية والعامة قبل ثورة 2011. وضمت عضوية المنظمة حوالي 4200 شخص في الثمانينيات ثم تقلص عدد المنخرطين إلى حدود 3000 عضو في 2008 خاصة وقد جمدت الرابطة طلبات العضوية الجديدة منذ 1994 خوفًا من اختراق مناصري النظام للرابطة، وبالتالي تغيير مسارها. وقد تغير هذا الموقف مع سقوط النظام في 2011 وبعد انعقاد مؤتمر الرابطة في سبتمبر 2011 واتخاذ قرار بالانفتاح على الشباب والنساء أكثر وتشبيب الرابطة. ويدفع العضو اشتراكا سنويا عشرة دنانير؛ وهو مبلغ زهيد لا يغطي نفقات المنظمة وأنشطتها، كما أن أعضاء المكتب التنفيذي يعملون تطوعًا دون رواتب. وللرابطة عدة مكاتب جهوية إلى جانب المكتب الرئيسي في العاصمة. وقبل الثورة لعبت الرابطة دورًا مهما في احتضان المعارضين السياسيين ولعب دور جماعة الضغط ضد النظام القمعي. وبعد الثورة شاركت الرابطة في تكوين مدربين وملاحظين لمراقبة شفافية انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وقد تم ذلك بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان في إطار عمل جمعيات شكّلت المرصد الوطني لمراقبة الانتخابات.[19] وخلال الازمة السياسية كانت الرابطة أحد المنظمات الأربع الراعية للحوار الوطني إلى جوار الاتحاد العام التونسي للشغل (النقابة العمالية الأولى في تونس) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة أرباب العمل)، والهيئة الوطنية للمحامين (نقابة المحامين).

وتشكلت الوساطة الرباعية في يوليو 2013 لإنقاذ عملية الانتقال الديمقراطي إثر تفجر أزمة سياسيّة عقب اغتيال النائب محمد براهمي. ورسمت لجنة الوساطة خارطة طريق للخروج من الأزمة أعلنتها في سبتمبر 2013 واشتملت على تشكيل حكومة تكنوقراط ترأسها شخصية وطنية مستقلة، على ألا يترشح أعضاؤها للانتخابات التالية، وعلى أن تتعهد الحكومة بتقديم استقالتها في أجل لا يتجاوز ثلاثة أسابيع من موعد انطلاق الحوار الوطني. ودعت المبادرة الأحزاب السياسية إلى الاتفاق على الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة الانتقالية خلال أسبوع واحد، والانتهاء من وضع الدستور وتنظيم انتخابات قبل نهاية ديسمبر 2014. وأكدت الرابطة منذ نهاية أغسطس 2013 على ضرورة التنسيق مع بقية المنظمات الراعية للحوار الوطني "لاتخاذ المواقف والإجراءات المؤدية إلى حمل الترويكا وحلفائها على التعاطي الجاد مع مقتضيات الوضع بالاستجابة للمطالب التي رفعتها الحشود الجماهيرية أيام 06 و13 و24 أغسطس 2013". وحظي الحوار الوطني بدعم 21 حزبًا سياسيًّا من أصل 24 وأدى في نهاية المطاف إلى تشكيل حكومة تكنوقراط. ونجحت المبادرة في تجنيب البلاد موجة محدقة من العنف والاقتتال الداخلي مما سمح بإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي.

وفي أكتوبر 2015 حصل الرباعي التونسي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام وكان هذا بمثابة تتويج للمجتمع المدني ممثلاً في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وللدور الذي لعبه في تأمين الحوار والخروج بالبلاد من نفق الانقسام والعنف السياسي واعترافًا له بما تحقق على مستوى فرض المرجعيات الديمقراطية في الدستور التونسي (دسترة الحقوق الفردية والعامة والمساواة بين الجنسين وحرية المعتقد والضمير). وكان هذا الاعتراف مفارقة مذهلة إذ فرضت الرابطة نفسها في بلد كان نظامه الحكم على مدى عقود طويلة يسعى إلى تدجينها والسيطرة عليها. ونجحت الرابطة في تغيير التصورات القديمة حول دور الفاعلين الحقوقيين المقتصر لحد كبير على الضغط على النظام الحاكم. فعن طريق لعب دور أساسي في مرحلة الانتقال الديمقراطي أظهرت الرابطة دورا جديدا للفاعل الحقوقي ومنظمات المجتمع المدني "في بناء ديمقراطية تعددية" كما أعلنت لجنة جائزة نوبل في حيثيات منح الجائزة للرباعي التونسي.

وإلى جوار السعي لتعديل القوانين والتشريعات من خلال إدخال إصلاحات ضرورية باتت الرابطة وغيرها أيضا يعملون كجهات رقابية غير رسمية لضمان تنفيذ التشريعات مما يدفع باتجاه دمقرطة مؤسسات الدولة من خلال السعي إلى تطوير الممارسة الانتخابية، والأهم، تكريس مشاركة المواطنين، وتعبئة الرأي العام بصفة مستمرة وليس فقط خلال مواسم التصويت من اجل منع أي انزلاق نحو التسلط والحكم الفردي.

 

الخاتمة

حاولت هذه الورقة رصد الدور الذي لعبته الحركة الحقوقية في إحداث التغيير في تونس، وخصوصًا تحولها من دور الراصد للانتهاكات والمندد بها قبل الثورة، إلى دور المشارك في وضع تعديلات وإصلاحات يمكن معها التقليل من هذه الانتهاكات. وتقر الورقة بأنها لم تقم بربط سببي واضح لكل حملة وتحرّك جمعياتي بالتغيير القانوني أو المؤسساتي الذي نجم عنه، وذلك لأسباب منهجية أهمها غياب البراهين القاطعة أو الأدلة على أن التغيير القانوني أو في الممارسات نتج عن تحرك احتجاجي، أو ضغط أو اقتراحات من الحركة الحقوقية فحسب، ولم تساهم فيه قوى اجتماعية أخرى قامت كلها معًا بدفع المشرعين والبيروقراطية في هذا الاتجاه. ولا شك أن هناك دائمًا مشكلة منهجية في إثبات علاقة سببية بين جهود وتحركات الحركة الحقوقية والتغييرات المجتمعية، إذ ليس هناك في الأغلب علاقة ميكانيكية بين تحرك الفاعل والنتيجة، ويتطلب الأمر استخدام مناهج بحث كيفية وكمية معقدة لإثبات مثل هذه العلاقة السببية، وأفرادًا فاعلين محددين مسؤولين عنها. وأخيرًا فإن أي ظاهرة اجتماعية مثل تغير القوانين أو ممارسات أجهزة الأمن لا يمكن إرجاعه عادة إلى سبب أو فاعل واحد، وبالتالي يمكن أن يكون فاعلو الحركة الحقوقية أحد أسباب تحرك قانوني ما (مثل التصديق على رفع تحفظات اتفاقية سيداو) أو عرقلة قانون المصالحة المالي الخاص بأموال الفساد) ولكن ليس السبب الوحيد.

 


 

[1] أُقيلت حكومة محمد الغنوشي (15 يناير 2011) لصالح حكومة الوحدة الوطنية التي شكلها الباجي قائد السبسي (27  فبراير 2011 -24 ديسمبر 2011). وعلى اثر انتخابات المجلس الوطني التأسيسي تشكلت حكومة ائتلاف حزبي ثلاثي برئاسة حمادي الجبالي (24 ديسمبر 2011- 13 مارس 2013 ) والتي تركت مكانها لصالح حكومة جديدة برئاسة على العريض (13 مارس 2013- 29 يناير 2014) بعد اغتيال النائب شكري بلعيد في 06  فبراير 2013. وفي 25 يوليو 2013 شهدت تونس ثاني اغتيال سياسي للنائب محمد البراهمي  واسفر عن تعيين حكومة تكنوقراط بقيادة المهدي جمعة (29 يناير 2014- 6 فبراير 2015) وحتى الانتخابات الرئاسية (23 نوفمبر 2014). وأسفرت هذه الانتخابات عن توازن سياسي جديد حيث جرى تعيين حكومة الحبيب الصيد (06 فبراير 2015- 27 أغسطس 2016) والتي تلتها حكومة يوسف الشاهد (27 أغسطس2016- وحتى الآن) وهما ينتميان لنفس الأغلبية الحكومية.

[2]حسب الفصل 34 من دستور 2014 فإن "حقوق الانتخاب والاقتراع والترشح مضمونة طبق ما يضبطه القانون. وتعمل الدولة على ضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة". وينص الفصل 46 على أن تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات، وتسعى إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة، وتتخذ التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة.

[3]انظر القانون الأساسي عدد 46 لسنة 2015 المؤرخ في 23 نوفمبر 2015 والخاص بتنقيح وإتمام القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرخ في 14 مايو 1975 والمتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر.

[4]ونعني باعتماد مقاربة النوع الاجتماعي تطبيق استراتيجية لجعل المسائل الخاصة بالنساء والرجال عنصرًا أساسيًّا في تصور وتنفيذ ومتابعة وتقييم السياسات والبرامج في كل مجالات التنمية وعلى جميع المستويات وفي كل المراحل من طرف أصحاب القرار والمتدخلين والمساهمين في وضع السياسات.

[5] في 2015 صنف المؤشر 145 دولة بينما اقتصر مؤشر 2010 على 134 دولة.

[6]الفصل 16 من المرسوم 35 لسنة 2011 المؤرخ في 10 مايو 2011 والمنظم لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

[7] حفيظة شقير، "العنف في ظاهره تمييز مسلّط على النّساء وفي باطنه انتهاك لحقوق النّساء"، في العنف المسلّط على النّساء في الفضاء العام، كريديف، ص.15 -16.

[8]راجع المرسوم عدد 5 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فبراير 2011 والمتعلق بالموافقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

[9]  انظر القانون أساسي عدد 43 لسنة 2013 مؤرخ في 21 أكتوبر 2013 المتعلّق الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب.

[10]تتكون هذه الهيئة من ستة ممثلين لمنظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان (مسعود الرمضاني، لطفي عز الدين، مروة الردادي، عفاف شعبان، ضياء الدين مورو وحميدة الدريدي) و أستاذين جامعيين  من ذوي الاختصاص في المجال الاجتماعي (راضية الحلواني وفتحي الجراي) ومختصة في مجال حماية الطفولة (السيدة مبارك) و قضاة متقاعدين (التهامي حافي، نبيهة الكافي) إلى جانب محامين (الطاهر كداشي، نورة الكوكي) وأطباء (محمد ياسين بينوس، سليم العنابيولمية فتح الله ).

[11]ويقصد ببحث البداية التحريات التي يقوم بها رجال الشرطة أو الحرس الوطني قبل وضع قاضي التحقيق يده على القضية قصد التأكد من حدوث الجريمة وجمع الأدلة عنها وكشف مرتكبها. وفي مرحلة البحث الأولّي التي تسبق مرحلة تعهد حاكم التحقيق بالقضية يقوم أعوان الضابطة العدلية (الشرطة القضائية) بمعاينة الجرائم وجمع أدلتها والبحث عن مرتكبيها. وأعوان الضابطة العدلية هم رجال امن مكلفون باستقصاء الجرائم، وجمع أدلتها، والقبض على فاعليها، ثم إيداع الملف في يد القاضي المكلف بالتحقيق فيه من جهاز الضابطة العدلية.  ويقوم بوظائف الضابطة العدلية المدعي العام ومساعدوه، ويقوم بها أيضا قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها مدعي عام.

[12] مشاركة جمعية إصلاح المؤسسات في أشغال الندوة الإقليمية حول الأمن بشمال أفريقيا بتاريخ 4 يونيو 2013.

[13]عقوبة الإعدام هي "قتل" محكوم عليه وحرمانه من الحياة على نحو قطعي ونهائي لأسباب جزائية أو سياسية تنفيذا لحكم قضائي بات صدر عن قاض عدلي أو عسكري مداوم أو استثنائي. وقد ورد لفظ "القتل" مرادفا للفظ "الإعدام" في صياغة الفقرة الأولى من الفصل الخامس من المجلة الجزائية قبل تنقيحه. ونقحّ هذا الفصل بمقتضى القانون عدد 46 لسنة 2005 المؤرخ في 6 يونيو 2005 فحل لفظ "الإعدام" محل لفظ "القتل" وبذلك تم توحيد المصطلح في المجلة الجزائية.  وتهدف عقوبة الإعدام إلى تحقيق رد عقابي فوري لكل شخص طبيعي أتى أفعالا تجرّمها القوانين الجزائية. ونُفذت آخر عملية إعدام في تونس في 1991 ضد ناصر الدامرجي الذي أشتهر بلقب "سفاح نابل".

[14]صرّح وزير العدل وحقوق الإنسان في 2008 أنه" يجب التوضيح بأنه لأسباب إنسانية لا يعطي رئيس الدولة أمرا بتنفيذ الإعدام. ولكن في القانون التونسي عقوبة الإعدام موجودة.. وهناك لدى فئات دعوة لإلغائها ونحن نحترم رأي الآخر ولكننا نحترم رأي الأغلبية واعتقد أن الشعب التونسي حاليًا غير مهيأ لإلغائها". أنظر صحيفة الصريح، 8 يونيو 2008، ص. 5.

[15] تتعلق جلّها بأمن الدولة الداخلي والخارجي والاعتداء على موظف عمومي والاغتصاب المصحوب بعنف والاعتداء بالعنف المرفق باستعمال سلاح أو التهديد به على قاض في أثناء الجلسة، والخيانة المرتكبة من طرف عسكريين، والاستيلاء على سفينة بالعنف من كل ربان أو ضابط وتسليم السفينة إلى عدو من طرف أي عضو في طاقم سفينة، وتخريب السكة الحديدية أو إحداث خلل بها أو وضع أشياء أو القيام بأي فعل من شأنه إخراج العربات عن السكة وتسبب ذلك بوفاة شخص. وتنفذ أحكام الإعدام إما شنقًا بالحبل أو رميًا بالرصاص.

[16] "مشروع قانون يتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام يحظى بتوقيع 25 نائبا من مختلف الأحزاب الممثلة بمجلس النواب"، الصباح، 6 مارس 2008، و"تعليق على ما قبل المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام."، الصباح، 21 مارس 2008.

[17]يعرّف الأستاذ محمد كرو الفاعلين الجدد الاجتماعيين أو السياسيين بأنهم مجموعة الأشخاص الذين يقومون بأفعال جماعية ذات صبغة عامة تتكون خارج المجال السياسي القديم وتحمل تحولات كبيرة على مستوى الدوافع والغايات السياسية. راجع:

Mohamed Kerrou. 2012. « les nouveaux acteurs de la révolution et de la transition politique : La transition démocratique en Tunisie : Les Acteurs ». L’Observatoire Tunisien de la Transition Démocratique. p. 218.

[18] Emna Jablaoui. 2012. “Le rôle de la société civile dans la transition démocratique: Suivi des acteurs des droits de l’homme”. L’Observatoire Tunisien de la Transition Démocratique. p. 337.

[19] Emna Jablaoui. “Le rôle de la société”. p. 337-. 338.

 

الصورة : الرباعي التونسي الراعي للحوار الوطني، الفائز بجائزة نوبل للسلام لعام 2015 ، في مؤتمر صحفي في أوسلو ، النرويج، كانون الأول/ديسمبر 2015 | ©  EPA.