You are here

القوّات الروسيّة في سوريا والتأسيسُ لتواجد عسكريّ مُستَدام - 1

بدائل سياسات
TitleDownload
القوّات الروسيّة في سوريا والتأسيسُ لتواجد عسكريّ مُستَدام -1لتحميل الورقة

الجزء الأوّل: نحو إعادة هيكلة الجيش السوري

 

ثمة "صراع ناعم" يدور بين روسيا وإيران على الأرض السورية، بدأ يتبلور حين قررت روسيا التدخل عسكرياً عام 2015 لجانب النظام السوري المتداعي.  تقدم مبادرة الإصلاح العربي دراسة حصرية مكونة من جزءين حول طبيعة هذه العلاقة في مناطق سيطرة النظام، حول الألية التي تعتمدها القوات الروس للتأسيس لتواجد مستدام، من تثبيت لقواعدها العسكرية وهيكلة للجيش السوري بما يتناسب مع رؤيتها (الجزء الأول)، إلى تحييد تدريجي للدور الإيراني الذي يعتمد أصلاً على تفعيل دور الميليشيات (الجزء الثاني، ينشر لاحقاً(.   

***

ملخَّص

ورث الجيش السوري بعض الأعراف التي اعتمدها الفرنسيون لإدارة شؤون الجيش إبّان الاحتلال الفرنسي، والتي لم يكن من بينها القوانين الناظمة لعمل الجيش. وبعد تولّي البعث السلطة، وخاصّة بعد تولّي حافظ الأسد الأب السلطة، اندثرت الأعراف الضامنة للحقوق الدنيا للجنود وصفّ الضبّاط والضباط تدريجياً، لتحلّ محسوبيّات السلطة والتملّق والولاء للشخص والنظام محلّها. وأصبحت هي الضامن الوحيد للعسكر للحصول على حقوقهم، وأصبح قادة القطع العسكريّة بمثابة ولاة على قطعاتهم، لا يتحرك شيء فيها إلا بحسب رغبة القادة ورضاهم.

وضع الروس يدهم على الجيش السوري، بشكل كامل، وبدؤوا فعليّاً بترسيخ قوانين ناظمة للجيش، تكون ضامناً فعليّاً لانضباطه وتحويله لقوّة محترفة قادرة على تحقيق مهام فعليّة على الأرض، بما في ذلك ترسيخ الولاء العسكري للضبّاط الروس بين الجنود وصف الضبّاط، وترهيب الضبّاط السوريين لمنع أيّة محاولة لفرض سلطتهم، وجعلهم يحرصون على مراكزهم وامتيازاتهم، وترسيخ الروس بوصفهم قادة فعليين في أذهان عناصر الجيش.

هذا الأمر يحيل مسؤوليّة كل الفظائع التي ترتكبها قوّات الأسد بقيادة روسيّة، على الروس بشكل أساسي. وبالتساوي مع ضبّاط النظام والشخصيّات القياديّة فيه، فرغم عدم قدرتهم على اتخاذ القرارات؛ فإنهم مسؤولون من حيث الشكل والتموضع السياسي، عن كل قضايا القتل الجماعي والهجمات الكيميائيّة والتهجير والتجويع.. إلخ.

لذلك بات من الصعب في الشأن السوري أن نفصل بين القيادة الروسيّة والنظام السوري، إلّا بما يتعلق بالفصل القائم على التفريق بين القائد والتابع، هذا الفصل الذي تعمل روسيا على ترسيخه إعلاميّاً ودبلوماسيّاً، بوصفها تساعد على تحقيق السلام ومحاربة الإرهاب، في الوقت الذي تستحق بشكل لا ريب فيه صفة المحتل القائم بكل صغيرة وكبيرة على الأرض السوريّة.

مقدمة

بدأت القوّات الروسيّة بالدخول إلى الأرض السوريّة، بعد أن قامت حكومة النظام بتقديم طلب رسمي لمساعدتها في المعارك الدائرة في البلاد في أيلول/سبتمبر 2015، حيث وصلت قوات النظام وحليفه الإيراني، لما يشبه حال انهيار كامل على معظم الأرض السوريّة، ما جعل روسيّا منقذاً للنظام السوري وإيران، في حربهما ضد قوات المعارضة السوريّة، وكان الإنقاذ هذه المرّة بشكل مباشر وعلى الأرض وبعيداً عن مجلس الأمن.

تحاول هذه الورقة مقاربة طبيعة علاقة هذه القوات مع جيش النظام والميليشيات التابعة له والميليشيات التابعة لإيران، والإجابة عن تساؤلات تخصّ سيادة النظام في دمشق، وقدرته على اتخاذ قراراته التي تخص الجانب العسكري، أو قدرته على التحكّم بسيرورة المعارك وإدارتها، والإمساك بمجريات الأحداث في المناطق التي يسيطر عليها الثلاثي؛ النظام والإيرانيون والروس.

ولدراسة طبيعة هذا التحالف عسكريّاً؛ سيركز الجزء الأول من هذه الورقة على جيش النظام، وهو المجال الحيوي الذي كان بعيداً عن الإيرانيين، في الفترة التي سبقت التدخّل الروسي، باستثناء ما يُسمّى بجيش سهيل الحسن، والذي يتعاطى معه الروس كأي لواء تابع للجيش في المعارك، لصعوبة حلّ هذه الميليشيا، ولاستفادة الروس منها كجيشٍ موازٍ.

وستستكمل الورقة في جزئها الثاني البحث في الميليشيات الطائفيّة والميليشيات التابعة لإيران، والاحتكاك الروسي-الإيراني.

 

1. ليس النظام السوري كتلة واحدة

عمدت وسائل الإعلام الموالية والمعارضة إلى اعتبار النظام كتلةً واحدة، تسعى للسيطرة على كامل الأرض السوريّة، باتفاق مُعلن يهدف إلى بقاء نظام الأسد واستمرار حكمه. وهذا ما اصطُلِح على تسميته انتصاراً للنظام على المعارضة، مع وجود تمايز بين النفوذ الإيراني والنفوذ الروسي، يعبر البعض عنه بوصفه صراعاً ناعماً بين الحليفين.

ولكن الواقع يؤكّد التمايزّ شديد بين الرؤية الإيرانيّة لشكل النظام في دمشق، والرؤية الروسيّة. لذلك من الصعب اعتبار التدخّل الروسي على الأرض استكمالاً لمشروع النظام بالقضاء على كافة أشكال المعارضة، وإن كان ذلك أحد المشتركات بين الحلف الثلاثي؛ الروسي، الإيراني، النظام السوري.

فعلى الرغم من أن الدخول العسكري الروسيّ المادي على الأرض السوريّة، جاء بغية إنقاذ النظام من مأزق عسكري خانق، فهو جاء وفق شروط مغايرة. حيث يُسجَّل للروس رشاقتهم وقدرتهم على التحرّك بين جميع الأطراف الدوليّة والإقليميّة الفاعلة في الملف السوري، والتفاوض مع جميع الفصائل على الأرض، باستثناء الفصائل الجهاديّة المتشددة جدّاً. كما أنهم بدؤوا بتفعيل آليات مختلفة، ببطء شديد وبعيداً عن الإعلام، بغية إنتاج نظام جديد في دمشق، قد يحافظ على شكل النظام السابق، لكنّه يحمل في بنيته الداخليّة شروطاً تجعله قادراً على الاستمرار وتناسب الروس ، وتختلف عن تلك التي كانت موجودة سابقاً، أو عن تلك التي كان يريدها الإيرانيون.

وستحاول الورقة تلمّس التغييرات العسكريّة في جيش النظام وقواه الأمنيّة، ومدى تأثيراتها على شكل بنية النظام الحالي، كما ستعرض شهادات لعسكريين في جيش الأسد، أجرى الباحث مقابلات معمّقة معهم، دون ذكر أسمائهم الكاملة حرصاً على حياتهم، وستقوم الورقة بتحليل هذه المشاهدات والتجارب الجديدة مع القوّات الروسية  في جيش النظام.

 

2. القوّات الروسيّة في سوريا: قواعدُ عسكريّة و كتائب حراسة

انتشرت القوات الروسيّة في سوريا بدايةً في مرفأ طرطوس البحري، وقاعدة حميميم الجويّة. وعمد الروس إلى تجنّب الاحتكاك المباشر مع العنصر البشري السوري، إلا ضمن سياقات محدودة. واتّسع الاحتكاك لاحقاً بشكل مدروس وضمن الإطار العسكري، حيث شمل شريحة من الضبّاط الروس، تولوا مهام قيادة الفرق العسكريّة في سوريا وتدريبها، والتي سنتحدث عنها لاحقاً.

تبحث هذه الفقرة في الفرق العسكريّة التابعة لنظام الأسد والتي تولّت حراسة القواعد العسكريّة الروسيّة، وفي طبيعة علاقتها بالجنود والضبّاط الروس، وذلك من خلال ثلاثة أمثلة: مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم ومطار المزة العسكري.

  • مرفأ طرطوس

يتألّف المرفأ من جزأين، عسكري ومدني. وقبل قدوم القوّات الروسيّة إلى هذه القاعدة البحريّة، كانت البحريّة السوريّة تعسكر في جزئه العسكري، بالإضافة إلى خبارء وضبّاط روس كانوا متواجدين في المرفأ، وذلك ضمن بروتوكولات التعاون بين النظام السوري وروسيا، بدأت منذ تولي البعث السلطة في سوريا.

حين وصلت القوات الروسية إلى مرفأ طرطوس، تمّ اقتطاع بضعة أرصفة تجاريّة من الجزء المدني وضمُّها إلى الجزء العسكري، وقامت بعدة أعمال صيانة لتهيئة المرفأ. كما قامت القوات الروسيّة بنشر عناصر الحراسة على كامل محيط المرفأ المدني والعسكري، واستُقدمت لهذه المهمة، سرايا حراسة تابعة للفرقة الرابعة التابعة لجيش النظام، لتعمل مباشرة تحت إمرة ضبّاط روس.

أحكم الروس عمل سرايا الحراسة، وضبطوها بشكل ملحوظ، إذ سيّروا دوريّات تراقب عمل عناصرها، وتعاقب الضابط السوري المسؤول عن أية مخالفة. وتبدأ عقوبات الضبّاط الروس من التحقير والتأنيب للضابط السوري أمام عناصره، وتنتهي بالسجن العقابي. وقد لا يسلم ضابط سوري، مهما علَت رتبتُه، من الضرب أو التعنيف الجسدي والمعنوي في حال إبدائه أية مقاومة،.

يقول المساعد أول (ح. م) من مرتبات الفرقة الرابعة والعاملة في حراسة المرفأ: "نظّم الضبّاط الروس نوبات الحراسة على كامل محيط المرفأ، وسيّروا بشكل يومي دوريات على المَحَارِس. كما فرضوا تعليمات وقوانين تخصُّ العاملين المدنيّين بالمرفأ تبدأ بالتفتيش الدقيق، وصولاً إلى الدراسات الأمنيّة حول الموظفين. وهم لا يتوانون عن تطبيق قوانينهم بالحراسة بأدق تفاصيلها، إذ يتعرّض ضباطنا للتأنيب والتحقير أمام العناصر، إزاء أية مخالفة تتعلق باللباس أو وضعيات الحراسة، أو أي تفصيل يخصّ العمل. كما أنهم يتدخَّلون في الحياة العسكريّة للجنود والضباط السوريَّين، فهناك قوانين تحكم تصرفات العسكر كلها، وهم حريصون على تطبيقها دون هوادة، حيث لا يسلم من عقابهم أحد، وخاصّة ضبّاطنا، إذ يتعمّدون معاقبة الضابط أكثر من العناصر".

اتخذ الضبّاط الروس مبنى حزب البعث القديم مكاناً لإقامتهم، إضافةً لبعض الفنادق، كما يتمّ الآن إنشاء منتجع سياحي على الكورنيش البحري كاستثمار عسكري للقوات الروسيّة. ولا تتوفر معطيات كثيرة حول هذا المشروع، الذي قد يكون مقرّاً بريّاً لعوائل العسكريين الروس، الذين لا يختلطون إلا فيما ندر بالعنصر السوري المدني.

  • حميميم

قام الروس بتوسيع مطار حميميم منذ دخول قوّاتهم الأرض السوريّة، وهو القاعدة الجويّة الرئيسيّة للروس في سوريا.

تحرس المطار كتيبتان من القوات الخاصة السورية، بشكل كثيف، كما تقوم بتقديم الخدمات للعساكر الروس في القاعدة الجويّة، من طعام وماء، وكافة مستلزمات الحياة اليوميّة، بما فيها توصيل العسكريين الروس إلى فنادقهم في اللاذقيّة. ومن اللافت أن سائقي الروس هم ضبّاط سوريون، تم تعيينهم منذ دخول القوات الروسيّة إلى المطار. وتؤكِّد معظم الشهادات الواردة من هناك الأسلوب الروسيّ المتبع في القاعدة البحريّة لإدارة هذه الكتائب، وطرق التعامل معها.

  • مطار المزّة العسكري

كان هذا المطار الاستراتيجي المهم تحت الإدارة المباشرة للمخابرات الجويّة السورية، وعندما تدخّل الروس عسكريّاً في سوريا، بسطت القوات الروسيّة سيطرتها عليه بالكامل، فأُخرجت منه عناصر المخابرات الجويّة كافة، مستبقية كتائب الدفاع الجوي، التي تقوم بخدمات الحراسة وخدمات الأخرى. ويستخدمه الروس كمقر للقوّات البريّة، أكثر منه مطاراً عسكرياً. ولا يتدخّل العنصر السوري في إدارة المطار وشؤونه.

 

3. فيالق عسكريّة تتشكَّل وفقاً لمنظومة تعامل مُختلِفة

أعلن القوات الروسية عن تشكيل الفيلق الرابع في صيف عام 2016، أو ما يُسمّى الخط الأحمر، وكان مركزه في مدينة مصياف التابعة لمحافظة حماه، على مشارف الساحل السوري. ويتألّف الفيلق الرابع من ألوية وكتائب وسرايا تابعة لجيش النظام السوري، تحت إدارة روسيّة مباشرة. حيث يُشرف ضبّاط روس على التدريبات، والحراسة، والتذخير، وتوزيع القوى، والتخطيط العسكري الكامل. كما يُشرف الروس على إجازات العناصر السوريّة، وعلى دفع رواتبهم بالدولار الأمريكيّ (تبدأ من 250 دولاراً أمريكياً) والتي تُعتبر عالية نسبياً، إذ لا تتجاوز معظم رواتب عناصر جيش النظام 100 دولار أمريكي.

وأعلن النظام عن تشكيل الفيلق الخامس-اقتحام، ومقرّه في اللاذقيّة، معسكر الطلائع (معسكر سابق لتلامذة المدارس قرب مدينة اللاذقيّة ). بدأ الروس ببناء قوامه من المتطوِّعين الذين أغرتهم الرواتب الجيّدة. وكما في الفيلق الرابع، كان كلّ شيء تحت إشرافهم المباشر. وكذلك الأمر بالنسبة للفيلق السادس في قطنا في دمشق حيث تتواجد الفرقة العاشرة التابعة لجيش النظام، والتي تمّ تحويلها مع مقرّاتها بالكامل لمقدّرات الفيلق السادس. وتميّز الفيلق السادس، باستقبال المجنَّدين الإجباريين، والاحتياط من قوّات النظام، كما سِيق إليه المتخلِّفون عن الخدمة الإلزاميّة وعن الالتحاق بدعوة الاحتياط، وفيه يعمل الضبّاط السوريون تحت إشراف الضبّاط الروس.

أما فيما يخصّ ما يُسمّى "جيش سهيل الحسن"؛ فقد جرت تحوّلات كبيرة في طبيعة تعاطي هذا "الجيش" مع الأحداث وقياداته، كما أن ثمّة تحوّلات بنيويّة تهمّ الروس في صفوف القادة الميدانيين لهذا التشكيل العسكري.[1]

يقول (هـ.ع) وهو ضابط فرّ من الخدمة الاحتياطيّة بعد أن تمّ القبض عليه من قبل دوريّات الشرطة العسكريّة في اللاذقيّة، وأُلحِق بالفيلق السادس في قطنا: "يقوم الضابط الروسي منذ السادسة صباحاً، برفقة ضبّاط سوريين، بالتفتيش على النظافة العامة وترتيب المهاجع، حيث يصرخ بأعلى صوته إذا وجد حذاء جندي سوري يبعد عن مكانه المفترض عدّة سنتيمترات، ثم يشتم الضباط السوريين بشتائم محليّة. بعد ذلك تبدأ دروس الرياضة والدروس التكتيكيّة ودروس السلاح، وكل ذلك من قبل ضبّاط روس. كل شيء يمشي كالساعة السويسريّة، ولا شيء يحكم في الفيلق السادس سوى القانون، الأمور تسير حسب قوانين تنظيم الخدمة الروسيّة والتي تُطبّق حرفياً.

لم يعد باستطاعة أي من الضبّاط السوريين فرض شيء على الجنود خارج القانون. ولم أشعر أنني في الجيش السوري حيث كنّا نرى في قائد القطعة والياً يستبيحها بمن فيها حسب رغباته الشخصيّة، والقوانين إن وجدت لم تكن تُطبّق إلا في العقوبات، ففي جيش الأسد كانت العقوبة هي القانون. أما قوانين الفيلق السادس فهي طعام جيّد، وإجازات عادلة، وأوقات راحة، وأوقات عمل، كل شيء مُنظّم وعادل، والجندي يشعر بامتلاك حقوقه وقدرته على ممارسة حياته، دون التذلّل لضبّاط النظام. وهؤلاء يُلاقون معاملةً قاسية من الضبّاط الروس، فقد رأيت بأمّ عيني كيف انهال مُلازم روسي على عقيد سوري في الفيلق بالضرب المُبرِّح، عندما أوقف العقيد سيّارة الضابط الروسي وحاول فرض سلطته عليه".

 

4. معارك أساسية بقيادة روسيّة كاملة

بدأ التدخّل الروسي في إدارة معارك النظام بإرسال خبراء صواريخ ومضادات دبابات وخبراء استطلاع، مرافقين لقوّات النظام والقوات الإيرانيّة. ومع معركة تدمر الثانية في 4 آذار/مارس 2017 تسلّم الروس قيادة العمليات العسكريّة، حيث وُضِع ضبّاط جيش النظام والضبّاط الإيرانيون تحت إمرة الضبّاط الروس، الذين تواجدوا في معظم الجبهات مع جنودهم وبعض آلياتهم. ولم يُسجّل حتى الآن دخول قوّات بريّة مُدرّعة أو دبابات روسيّة في المعارك، إنما لوحِظ تواجد عناصر روسية في الخطوط الخلفيّة ومراكز القيادة.

أمّا أهم المعارك التي صاغها الروس فهي: معركة حلب، والمعارك الأخيرة مع داعش في البادية السوريّة، وتحرير دير الزور والرقة، ومعارك دمشق الأخيرة، حيث تولّى الضبّاط الروس التخطيط والهجوم وعقد الهُدَن والتسويات، فضبطوا تحرّكات جيش النظام والميليشيات الإيرانيّة بدقّة، وحدّوا بشكل كبير من الفوضى التي كانت تنشأ بين الحين والآخر على الجبهات.

يقول (ج.ض) هو ملازم في جيش النظام، يخدم في معسكر اللواء 550 في تدمر: "اتّخذ الروس مبنىً قياديّاً في اللواء مقرّاً لهم، وضِعَت عليه حراسة روسية كجزء مستقلّ كليّاً عن اللواء. إلا أنّهم كانوا متحكّمين بكلّ شيء، حيث يُشرِف ضبّاطهم على عمل اللواء، ويتفقّدون كلّ شيء، ويتدخّلون في التفاصيل، كمهاجع العناصر، ومخازن الذخيرة، ومكاتب الضبّاط السوريين، والعقوبات، والإجازات، وإجازات الضبّاط، وطريقة تعاطي الضبّاط مع الجنود السوريين. كلّ شيء.

أذكر مرّة أنّ ضابطاً روسيّاً كان يتفقّد المهاجع، فوجد باباً مُقفلاً وسأل اللواء عن سبب إقفال هذا الباب، فقال له اللواء السوري: هكذا ارتأيت كي لا يسرق أحد الذخيرة. عندها قام الضابط الروسي بجرّ اللواء من رتبه نحو الباب، وانهال عليه بالشتائم، وبرطم ببضع كلمات عربية تعني: لست أنت القانون يا...، ثم أسرع اللواء بإحضار المفاتيح وفتح الباب".

كما أكّد الملازم (ج.ض) أنّ الضباط الروس غالباً ما يتدخّلون لصالح الجندي السوري، لتمييز حقوقه وواجباته، ومنع الضبّاط السوريين من التنمُّر عليه، الأمر الذي كان في صلب العرف الخاصّ بجيش النظام.

ثمة شهادة أخرى من معارك الغوطة الشرقيّة الأخيرة للمقاتل في صفوف جيش سهيل الحسن (ف.ح)، يقول فيها: "أعطاني العقيد قائد المحور المهاجم أمراً بإطلاق قذيفة دبابة على هدف داخل الأحياء السكنيّة، بعد الاشتباه بوجود تجمّع للمسلحين هناك، فنفّذت، وبعد أن أطلقت النار للمرة الأولى، اندفع الضابط كثيراً وأمرني بإطلاق المزيد من القذائف على المنطقة نفسها، فنفّذت الأوامر، وما هي إلا دقائق قليلة حتّى حضر ضابط روسي، وأنَّب العقيد الذي كان يرتجف، وقال له: طلقة واحدة يعني طلقة واحدة، نحن لا نلعب كرة القدم هنا. ثم سحب رتبه وأشار له بالتوجه إلى السجن، ونظر إلينا وقال مُنبّهاً: طلقة واحدة يعني طلقة واحدة".

شهادات عديدة أكّدت السيطرة الكاملة للروس على إدارة العمليات العسكريّة على الأرض السوريّة، والتحكّم المطلق للعسكريين الروس في مجمل الحياة العسكريّة العامة. في حين لم نتلقَّ أية شهادة معاكسة، باستثناء بعض العناصر المتحفِّظة التي رفضت التفاعل مع أسئلتنا.

 

خلاصة

- يُدرك الروس تماماً أنّ ثمّة استحقاق تاريخيّ في سوريا لا بدّ منه، ويعلمون جيّداً أنّه من غير الممكن إعادة تأهيل نظام الأسد وَفْق بنيته السابقة. ولذلك يعملون على تشكيل نظام جديد، قد يحمل في أطواره الأولى شكل النظام السابق، ويضمن لهم انتقالاً سَلساً لشكل الدولة التي تضمن مصالحهم لعقود قادمة من الزمن.

- بدأ الروس بوضع اليد على الجيش، وعملوا على إعادة تشكيله، ليضمنوا لنفسهم السيطرة على الأرض. كما قاموا بتغيير دور الميليشيات وشكلها، وحافظوا مبدئيّاً على هيكلة الأجهزة الأمنيّة، التي تشكّل أحد أهمّ أعمدة النظام السابق.[2]

- لا ينوي الروس وجميع القوى الأخرى الفاعلة في الملف السوري، التوجّه لعدالة انتقاليّة إبّان حركتهم البطيئة لتصنيع نظام جديد في دمشق، ومن هنا نطلق تحذيراتنا بضرورة التمسّك بهذه النقطة؛ لأهميتها البالغة في ترسيخ السلام، والعمل على مشروع وطني جامع لكل السوريين.


[1] سنتطرّق لهذا الجانب في الجزء الثاني من الدراسة التي ستنشر لاحقاً.

[2]  المرجع نفسه.

 

الصورة : جنود سوريون وروس أثناء مسيرة استعدادا لاستعراض عسكري في قاعدة حميميم الجوية، اللاذقية ، سوريا – أيار/مايو 2016  | © EPA