You are here

الإصلاح المؤسّسي في العالم العربي: إشكاليّات وتحدّيات وآفاق

احتماليات السلام
TitleDownload
الإصلاح المؤسّسي في العالم العربي: إشكاليّات وتحدّيات وآفاقلتحميل الورقة

ملخّص تنفيذي

اندلعت الثورات العربية فخلقت آفاقاً للإصلاح المؤسّسي ومسارات مختلفة له. فعلى الرغم من التحدّيات المؤكّدة؛ فتحت هذه الثورات الباب لإصلاح القِطَاع الأمني في العديد من الدول العربية، أو سمحت، بمناقشة إشكاليّات هذه العملية الإصلاحية على الأقل. كما أعطت الفرصة لظهور تساؤلات جادّة عن دور الرِّقابة الديمقراطية والمدنية على المؤسّسات الأمنية وكيفية تفعيلها. كما برز اهتمام حقيقي بإصلاحات مؤسسية في قِطَاعات أخرى على غرار القِطَاع الماليّ والرِّقابي والجِبَائي.

تقدّم هذه الورقة عرضاً تحليليّاً لمجموعة من الأوراق البحثيّة[1] التي ركّزت على إصلاح القِطَاع الأمني بالأساس في مصر واليمن، والرِّقَابة المدنية والديمقراطية على المؤسّسات الأمنيّة في كلّ من مصر وتونس، والإصلاح الرِّقابي والمالي والجِبَائي في كلّ من المغرب وتونس. وذلك بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسية هي: إشكاليات إصلاح المؤسّسات الأمنية وتحدّياته وحدوده، تطوّرات الرِّقابة المدنية والديمقراطية على المؤسّسات الأمنية وتحدياتها وحدودها، آفاق الإصلاح الرِّقابي والمالي والجِبَائي وتحدّياته وحدوده.

وتؤكّد الورقة على ثلاث نِقَاط هي:

  • يتعيّن على المنخرطين في عملية الإصلاح المؤسّسي للأجهزة الأمنية -عند التفاعل مع الخبرات الدولية الحديثة في هذا المجال- فهم وضع هذه المؤسّسات الهيكلي والتاريخي والتشريعي، في إطار النُّظم السياسيّة المختلفة في العالم العربي، قبل الشروع في عمليّات الإصلاح المُرتقبة.
  • التركيز على تعضيد مفهوم الرِّقابة المدنية الديمقراطية على المؤسّسات الأمنية في السياق التونسي وترسيخه، والعمل على فتح أفق أوسع لها في السياق المصري.
  • ضرورة تقوية عمليات الإصلاح المؤسّسي الرِّقابي والمالي والجِبائي وتعزيزها، بشكل يراعي الخصوصية المؤسّسية من جهة، ويضمن إعمال قواعد العدالة والشفافية من جهة أخرى.

 

مقدّمة

أعطت الثورات العربية فرصة للتفاوض حول الحقوق والتفكير في الإصلاحات المؤسّسية اللازمة على أصعدة مختلفة وفي قِطَاعات عدّة على غِرار القِطَاع الأمني والرِّقابي، والجِبائي والمالي. كما طرحت تساؤلات حقيقية فيما يتعلّق بسُبل الرِّقَابة الديمقراطية والمدنية وأهمّيتها. وتعدّدت محاولات الإصلاح واختلفت إشكالياته من بلد لآخر، ومن ثَمّ اختلفت النتائج والمآلات.

تقدّم هذه الورقة عرضاً تحليليّاً لمجموعة من الأوراق البحثية التي ركّزت على:

  • إصلاح القِطاع الأمني في المنطقة العربية عموماً ومصر واليمن على وجه الخصوص.
  • الرّقابة المدنيّة والديمقراطية على المؤسّسات الأمنية، والتركيز على تجربة نِقابة الأمنيين في تونس، وتراجع السيطرة المدنية على العسكرية في الدساتير المصرية عَقِب ثورة كانون الثاني/يناير في مصر.
  • الإصلاح الرِّقابي والمالي والجِبائي، والتركيز على الإصلاح الرِّقابي والمالي في المغرب، والجِبائي في تونس.

وذلك بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسية هي: إشكاليات إصلاح المؤسّسات الأمنية وتحدّياته وحدوده، تطوّرات الرِّقابة المدنية والديمقراطية على المؤسّسات الأمنية وتحدياتها وحدودها، آفاق الإصلاح الرِّقابي والمالي والجِبَائي وتحدّياته وحدوده.

 

أولاً - إصلاح المؤسّسات الأمنية: إشكاليّاته، وتحدّياته، وحدوده

دفع الحَراك السياسي والاجتماعي المُصاحب لثورات ما عُرِف بالربيع العربي إلى التفكير في ضرورة إصلاح مؤسّسات الدولة وعلى رأسها المؤسّسات الأمنية. وهو أمر أُفرِدت له مساحة واسعة في الأبحاث المُتعلِّقة بمناقشة السياسات الأمنية في أعقاب الثورات العربية بشكل عام، وتلك التي تناولت إشكاليات إصلاح القِطَاع الأمني في مصر واليمن وتحدياته بشكل خاص.

يرصد بوحنية قوي في ورقته بعنوان "العمل الشرطي والسياسات الأمنية في دول الربيع العربي"، تطوّر دور الأجهزة الأمنية في العالم العربي والتحدّيات التي تواجه عملية إصلاحها. وأكّدت الورقة على ضرورة الاهتمام بالمقاربات الحديثة لتطوير العمل الشرطيّ العربيّ.

ومن هذه المقاربات على سبيل المثال لا الحصر:

  1. مُساءلة العمل الشرطيّ وإخضاعه للمحاسبة عبر ترسانة من التشريعات تضمن شروط النزاهة ومقتضيات الشفافية وإمكانيات المحاسبة القضائية.
  2. اقتباس بعض جوانب التجربة الغربية في الشراكة بين المجتمع والشرطة، وفق مقاربة الشرطة المُجتمعية، التي تضمن التعاون بين جهاز الشرطة والمجتمع على مستويات متعددة.
  3. تحديد نطاق الإشراف الشرطيّ على الحياة الاجتماعيّة بنصوص قانونيّة محدّدة بشكل يحدّ من السلطة التقديرية للجهاز الأمني.
  4. التفكير في مسألة تأسيس نقابة شرعيّة لتمثيل العمل الشرطيّ بهدف تمكين مهنيّي القِطَاع من المُكاشفة الموضوعية لمشكلاتهم.
  5. اعتماد مبادئ منظمة العفو الدولية فيما يتعلق ببدائل استخدام القوة، ومشروعيتها، ومقدار ضرورتها عند تطويق الحشود ومواجهة المظاهرات وغيرها، بشكل يجعل من حياة الفرد والحفاظ على سلامته مدخلاً للمحاسبة الفعالة للعمل الشرطيّ.
  6. إن اكتمال إصلاح الجهاز الأمني مشروط بشكل موازٍ بإعادة النظر في السياسات والنظم العِقابية وبرامج الإصلاح والتأهيل، وذلك من خلال استحداث قانون إصلاح وتأهيل يتلاءم مع القوانين والمواثيق الدولية، ويُركّز بشكل أساسي على التدريب المهني والعمل العِقابي والتعليم الأكاديمي داخل هذه المراكز.

وفي السياق ذاته، جاءت ورقة عبد الباسط محمد عبد الواسع بعنوان "إصلاح القِطَاع الأمني في اليمن: التحدّيات والحلول"، لتناقش إشكاليات إصلاح الجهاز الأمني في اليمن آخذة بالاعتبار أهمية الخصوصية الثقافية. وتوسّعت الورقة في ثلاثة مجالات هي:

  • الإصلاحات الهيكلية والقانونية، حيث تمَّ إنجاز جزء من الإصلاح الهيكلي خلال الفترة السابقة، ولكن التعيينات بقيت غير مُستندة إلى معيار الكفاءة بشكل كامل. ويرتبط بهذا المجال تأثير الصراعات التي عَصفت باليمن منذ عام 2011، وتسبّبت بتدمير البنية التحتية لوزارة الداخلية وآلياتها التنفيذية، ولذلك لابدّ من إعادة تأهيل تلك المباني والآليات.
  • الاهتمام برجل الأمن ورعايته اجتماعياً وصحيّاً، وحمايته أثناء أدائه لمهامه وواجباته، وسنّ القوانين واللوائح المُنظِّمة لذلك. فرجل الأمن هو حجر الزاوية في العملية الأمنية، والاهتمام به وإدارته بأسلوب يتلاءم مع التطوّرات المتلاحقة في المجال الإداري والأمني؛ سيؤتي ثماره مستقبلاً.
  • دور البرلمان وضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان الرقابة الديمقراطية على قِطَاع الأمن، فمن الضروري تعديل التشريعات التي تمنع وسائل الإعلام من إعداد أية تقارير تتحدث عن القضايا الأمنية دون موافقة وزارة الدفاع، ناهيك عن القضايا التي تتّخذ طابع السريّة الجادّة، وضرورة سنِّ القوانين اللازمة لضمان التحقيق العادل في أية انتهاكات لحقوق الإنسان، ومعاقبة مُرتكبيها.

كما حاولت يسرى الجندي، عبر التحليل التاريخي والمؤسّسي الذي قدّمته في ورقتها بعنوان "الإرث التاريخي للمؤسّسات الأمنية المصرية"، تحليل عوائق إصلاح الجهاز الأمني في مصر. فأوضحت أن تركيز كثير من الدراسات على مشكلات التعامل العنيف للشرطة دفع إلى إغفال حقيقة ضعف الجهاز الشرطي نفسه. وهو ما أرجعته الباحثة إلى تعثّر عملية بناء دولة ما بعد الاستقلال.

ثمّ حاولت الورقة إثبات أن صعوبة إصلاح المؤسّسات الأمنية أمر لا يمكن فهمه إلا بعد إلقاء نظرة أكثر شموليّة على المؤسّسات الأمنية جميعها من ناحية، والرجوع لتاريخ هذه المؤسّسات ووضعها في ظلّ توزانات القوى داخل النظام السياسيّ من ناحية أخرى. وهو أمر تزداد أهمّيته إذا ما نظرنا إلى الأبحاث العديدة التي اكتفت بالتركيز على الجوانب التقنية أو القانونية اللازمة لإصلاح هذه الأجهزة، دون العناية بتحليل الوضع الهيكلي الخاصّ بها وسلطاتها داخل النظام السياسيّ. فالمؤسّسات الأمنيّة صُمِّمت منذ عهد الضباط الأحرار في أعقاب عام 1952 بشكل يضعها في مواجهة بعضها البعض، مِمّا أدى إلى خلق صراعات داخلية طويلة تجلّت وتفجرت إثر ثورة كانون الثاني/يناير 2011، ثمَّ انتفاضة حزيران/يونيو 2013 والتدخّل العسكري الذي أعقبها. وهذه أمور تدفع إلى التساؤل عن إمكانية استمرار مثل هذه الترتيبات المؤسّسية الهشّة.

وتقترح الباحثة التركيز على ثلاث مراحل تاريخية مفصلية هي: ما أسمته بانقلاب 1952، ونكسة 1967، واغتيال السادات عام 1981. وترى أن هذه المراحل أثّرت بوضوح في مسار المؤسّسات الأمنية وشكلها. ومن ثَمّ فإنّ الهياكل التي أُنشِئت خلال تلك الفترات تمثّل نقاط انطلاق لتقييم فُرص إصلاح هذه المؤسسات والتحدّيات التي تواجهها.

واستناداً إلى ما تقرّره الباحثة، يمكن إجمال أسباب تَعثّر إصلاح المؤسسات الأمنية في مصر في نقطتين أساسيتين:

  • الأولى، انعدام وجود نظام مؤسّسي قائم على أسس قانونية واضحة، الأمر الذي دفع المؤسّسات الأمنية إلى حماية مصالحها المؤسّسية واستقلاليتها بنفسها، مما جعل تفكيك ترتيبات المصالح الخاصة بها أمراً باهظ التكلفة.
  • أما الثانية، فتتعلّق بضعف الخيار المدني تاريخياً، بسبب ضعف القوى السياسية التي تمّ تحجيمها، وخاصّة بعد 1952، فلم تتمكن من الدفع باتجاه الإصلاحات اللازمة.

 

ثانياً - الرقابة المدنية والديمقراطية على المؤسّسات الأمنية: تطوّراتها وتحدّياتها وحدودها

لا يمكن الحديث عن عملية إصلاح الأجهزة الأمنية دون التطرّق إلى إشكالية الرقابة المدنية والديمقراطية على هذه الأجهزة، وآفاق هذه الرقابة وتحدّياتها الحتميّة. فمن ناحية، تضمن تلك الرقابة إنجاح عمليّة التحوّل الديمقراطي، ومن ناحية أخرى، يبرهن خللها على تعثّر عملية الانتقال نحو نظام سياسيّ أكثر ديمقراطية. وهذه القضيّة تناقشها الأبحاث المُدرَجة في هذا القسم من الدراسة، كالورقة المتعلِّقة بدور النقابات الأمنيّة في إصلاح الجهاز الأمني وتفعيل الرقابة المدنية عليه، كما في تونس بعد ثورة كانون الأوّل/ديسمبر 2010، أو الورقة المتعلّقة بحدود الرقابة المدنية الديمقراطية على المؤسّسة العسكريّة، كما في الدساتير المصرية، ولا سيّما عَقب ثورة كانون الثاني/يناير 2011.

أوضحت ورقة وجدان المقراني بعنوان "دور النقابات في إصلاح المنظومة الأمنية في تونس"، أنّ النقابات الأمنية في تونس حقّقت إنجازات عدّة كخطوة في اتجاه إنجاز تحوّل ديمقراطي أكثر شمولاً. رغم التحدّيات المتعلّقة بإصلاح القِطَاع الأمني من زاوية تكريس الرقابة المدنية على المؤسّسات الأمنية. وفي هذا الصدد، تشير الورقة إلى الانعكاسات الإيجابية لمنح الحقّ النقابيّ لرجال الأمن، إذ ساهمت تلك الخطوة في تقديم تصوّرات ومقترحات لإصلاح المنظومة الأمنية، إلى جانب خلق أرضيّة للتواصل بين الأمنيين والمواطنين من خلال الندوات الصحفيّة والمُلتقيات التي تنظّمها هذه النقابات، ممّا خلق نوعاً من الصّراع الداخلي في وزارة الدّاخلية بخصوص القضايا الحسّاسة والمهمّة.

وعلى الرغم من ذلك، فقد أدّى نقص الخبرة، وقِصَر عمر التجربة النقابية لدى مُمثّلي هذا القطاع، واستقلال النقابات الأمنية عن الاتّحاد العامّ التونسي للشغل؛ إلى أخطاء ارتكبتها تلك النقابات، وصلت بها إلى حدّ الانفلات الذي يتعارض مع مبدأ انضباط الأمنيين. وهو أمر يزداد تعقيداً في ظلّ الأوضاع الراهنة، وتأثير الصراعات السياسيّة على مواقف بعض النقابيين الأمنيين. ومع ذلك، فإنّ المطالبة بشراكة ممثّلي المجتمع المدني ومن بينهم النقابات الأمنية في تقديم مقترحاتهم لإصلاح المنظومة الأمنية؛ هو أمرٌ مفصليٌّ لإنجاح التجربة، لا سيّما وأن إصلاح المنظومة الأمنية يتطلّب تدخّلاً متعدِّد الاختصاصات والأبعاد، ممّا يعني ضرورة مشاركة مُنوّعة من خبراء أمنيين وغير أمنيين.

وفي الإطار ذاته، أكّدت ورقة شريف محي الدين بعنوان "تطوّر المؤسّسة العسكرية في المواثيق الدستورية- آفاق الرِّقابة الديمقراطية على القوات المسلحة في مصر" على اختلاف الوضع بين مصر وتونس فيما يتعلّق بآفاق الرقابة الديمقراطية على المؤسّسة العسكرية، إثر ثورة كانون الثاني/يناير حيث تراجعت هذه الرقابة.

انعكس هذا الأمر في التفصيل الملفت لوضع المؤسّسة العسكرية دستورياً بعد ثورة كانون الثاني/يناير، فقد تضمّنت المواثيق التي تلت الثورة -لا سيّما دستور 2012 والتعديلات عليه في 2014- تفنيداً مُفصّلاً لوضع المؤسّسة العسكرية دستورياً، بعكس ما كان متّبعاً سابقاً، حيث كانت تتمّ الإحالة على قانون لتنظيم الاختصاصات والصلاحيات المختلفة، في حين يكتفي النص الدستوري بوضع مبادئ حاكمة لها لا غير.

كما تمّت للمرة الأولى شرعنة إحالة المدنيّين أمام محاكم عسكرية ومحاكمتهم في دستور (2012)، الذي تم تمريره في عهد الرئيس محمد مرسي. وتمّ الحفاظ على شرعنة هذه الحال مع تعديلات الدستور عقب الإطاحة بمرسي وصدور نسخة جديدة من الدستور في 2014. وبالتالي، لم تستطع ثورة كانون الثاني/يناير ترجيح كفّة العلاقات المدنية العسكرية لصالح الطرف الأول، بل إن التفصيل والإسهاب في وضع المؤسسة العسكرية في المواثيق الدستورية دفع إلى تراجع الرقابة الديموقراطية على المؤسسة العسكرية.

 

ثالثاً - إصلاح المؤسّسات الرِّقابية والمالية: تحدّياته وحدوده وآفاقه

من المؤكّد أن العلاقة بين استقرار النُّظم السياسية ونجاح الدول في مراحل انتقالها السياسي تتعلّق بشكل أساسي بقدرتها على إنجاز إصلاحات مؤسّسية على نطاق واسع، لا سيما على الصعيد الاقتصادي والإداري الذي يمسّ حياة المواطنين ويتقاطع معها يومياً. وهي إشكالية اتّخذت مساحة واضحة في الورقتين الخاصَّتين بإصلاح النظام الجِبَائي في تونس من ناحية، والنظم الإدارية والمالية في المغرب من ناحية أخرى.

أوضحت ورقة ربيعة بالحجلة بعنوان "الإصلاح المؤسّسي لأجهزة الدولة في بلدان المنطقة العربية: إصلاح النظام الجبَائي التونسي" أن إصلاح النظام الجِبَائي في تونس، كما جاء في نهاية الثمانينيّات، كان محدوداً بالمقارنة مع النتائج المُرتقبة منه بسبب التناقض بين إيجابياته على المستويين الاقتصادي والمالي وسلبيّاته على الصعيد الاجتماعي. وهو ما يمكن تفسيره بعدم التوازن بين الأهداف الاجتماعية من ناحية، والضروريّات التي تتطلّبها سياسات الإصلاح الهيكلي المعتمدة في أغلب الدول النامية منذ منتصف الثمانينيّات، من ناحية ثانية. وهي سياسات ارتكزت على وصفات اقتصادية ومالية ثابتة، على غِرَار تخفيف الطلب، وتشجيع الصادرات، وتقليص حجم الدولة. ولم تأخذ في الاعتبار خصائص كل مجتمع واختلاف بنيته المؤسّسية.

وعلى الرغم من تواصل محاولات الإصلاح الجِبَائي بعد ثورة كانون الأوّل/ديسمبر 2010؛ فإنّ حدود هذه الإصلاحات وطريقتها تعطي مؤشّراً مُفَادُه استمرار تذبذب النظام الضريبي في تونس، بل وعدم ملاءمته للبنية العامّة للمجتمع. وهو أمر زادت حدّته مع إغفال الساسة لمطالب التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية بعد 2011، رغم النجاحات التي حقّقتها تونس على الصعيد السياسي بعد الثورة.

في هذا الإطار، تأتي ورقة عبد القادر الخاضري بعنوان "الإصلاح المؤسّسي والديمقرطة بالمغرب: صيرورة البناء المؤسّساتي لنظام المراقبة الإدارية والمالية بين 1998 و 2014". رغم توسّع الإصلاحات القانونية والمؤسّساتية في المجال الإداريّ، وصدور عدّة قوانين في هذا المجال؛ فإنّ الآثار المادّية لهذه الإصلاحات ظلّت محدودة. نذكر على سبيل المثال القانون رقم 1.2.202 بتاريخ 23 تموز/يوليو 2002، الذي يُلزِم الإدارات والمؤسّسات العمومية والمحليّة بتعليل قراراتها الإدارية عن الوقائع المادية والأسباب القانونية لأخذ قراراتها، وذلك بهدف الحدّ من التعسّف أو التستّر تحت ذريعة السلطة التقديرية. وهو ما أوضحه التقرير الذي رفعه ديوان المظالم للملك عن سنتي 2006–2007، حيث تناول التقرير قضايا عديدة عبّرت عن استمرار الخلل فيما يتعلّق بتوفير الخدمات الاجتماعية، أو التسهيلات الإدارية اللازمة، أو حماية الملكية الخاصّة أو الحقوق الإنسانية من التعسّف والقهر.

كما بيّنت الورقة أنه على الرغم من التوسّع في الإصلاحات القانونية والمؤسساتية في المجال المالي؛ فإنّ الآثار المادّية لهذه الإصلاحات ظلّت أيضاً محدودة رغم قيمتها الرمزيّة في إعادة إنتاج شرعيّة النظام ومشروعيته. وفي هذا الصدد، نذكر على سبيل المثال لا الحصر قوانين الإصلاح الضريبي: قانون المالية لسنة 2000/2006/2007، وقوانين إصلاح نظام الصفقات العمومية: 4 أيار/مايو 2000 و5 شباط/فبراير 2007، وغيرها من القوانين التي سعت إلى بثّ الثقة في المبادرة الخاصّة وضمان شفافيّة الدولة.

 

خاتمة وتوصيات

يتّضح من تحليل الأوراق السابقة أن عملية الإصلاح المؤسّسي في سياق الثورات العربية -وخاصة عندما يتعلّق الأمر بالمؤسّسة الأمنية- عرفت أنماطاً وتفاعلات جديدة، بل وكانت مسرحاً لإشكاليّات معقّدة، وتحديات أكيدة، الأمر الذي ترتّبت عليه مآلات متعدّدة وآفاق مختلفة فيما يتعلق بهذا المجال، ويمكن توضيح ذلك على الشكل الآتي:

أولاً- برزت فُرصٌ جديدة لإصلاح الأجهزة الأمنية في العالم العربي في ضوء تحوّلات ما عُرِف بالربيع العربي. وبدأت عملية مناقشة إشكاليات إصلاح هذه الأجهزة من ناحية، وتحدّيات التعاطي مع المقاربات الحديثة لتطوير العمل الشرطيّ العربيّ من ناحية أخرى. وفي هذا الإطار، برزت مشكلات الضعف الهيكلي للأجهزة الشرطيّة من جهة، والتحديات أو المشكلات التشريعيّة اللازم مواجهتها لإصلاح هذه الأجهزة من جهة أخرى. وهنا، يتعيّن على المُنخرطين في عمليّة الإصلاح المؤسّسي للأجهزة الأمنيّة، عند التفاعل مع الخبرات الدولية الحديثة في هذا المجال؛ فهم وضع هذه المؤسّسات الهيكلي والتاريخي والتشريعي، في إطار النُّظم السياسية المختلفة في العالم العربي، قبل الشروع في عمليات الإصلاح المرتقبة.

ثانياً- ظهرت إشكالية الرقابة المدنية والديمقراطية على المؤسّسات الأمنية في معرض الحديث عن إصلاح الأجهزة الأمنية. واختلفت القدرة على إعمالها من بلد لآخر، ففي الوقت الذي حقّقت فيه النقابات الأمنية في تونس تقدّماً بارزاً في هذا الصدد رغم التحدّيات والعثرات؛ لم تنجح ثورة كانون الثاني/يناير في مصر بتعديل العلاقات المدنية العسكرية لصالح الطرف الأول، بل دفع التفصيل والإسهاب في وضعيّة المؤسّسة العسكرية في المواثيق الدستورية الصادرة عقب الثورة إلى تراجع الرقابة الديمقراطية على المؤسّسة العسكرية. وبذلك أصبح من المهمّ التركيز على تعضيد مفهوم الرقابة المدنية الديمقراطية على المؤسّسات الأمنية وترسيخه في السياق التونسي، والعمل على فتح أفق أوسع له في السياق المصري.

وأخيراً- فتحت الثورات العربية الباب للتحدّث عن فُرص إصلاح المؤسّسات الرِّقابية والمالية والجِبَائية في الوطن العربي وإشكالياته وتحدّياته. وعلى الرغم من النجاحات النسبيّة التي حقّقتها هذه الإصلاحات؛ فإنّ إصلاح النظام الجِبَائي في تونس، الذي اتّبع الوصفة النيوليبرالية المتعولمة، ظلّ محدود الأثر على صعيد تحقيق العدالة الاجتماعية من ناحية، وظلّ الإصلاح الرقابي والمالي في المغرب منقوصاً على صعيد تحقيق الشفافية والمساواة من ناحية أخرى. وبذلك أصبح من المهمّ العمل على تقوية عمليات الإصلاح المؤسسي الرِّقابي والمالي والجِبَائي وتعزيزها بشكل يُراعي الخصوصيّة المؤسّسية في تونس من جهة، ويضمن إعمال قواعد العدالة والشفافية في المغرب من جهة أخرى.


[1] تشكر الباحثةُ للأستاذة سما سنجر مساعدتها في تحليل الأوراق البحثية موضوع هذه الورقة.