You are here

الثورات العربيّة والمشاركة السياسيّة: أنماط وتفاعلات جديدة، ومسارات حياتيّة مختلفة، وقدرات تفاوضيّة متباينة

احتماليات السلام
TitleDownload
الثورات العربيّة والمشاركة السياسيّة: أنماط وتفاعلات جديدة، ومسارات حياتيّة مختلفة، وقدرات تفاوضيّة متباينةلتحميل الورقة

مقدِّمة

أعطت الثورات العربيّة فرصة للانخراط والمشاركة والتفاوض حول الحقوق، وأصبحت هي في ذاتها عاملاً للتنشئة السياسيّة والاجتماعيّة، ومحرّكاً لتغيير اجتماعي أوسع حتّى ولو حُجِّم لاحقاً. وقد تعدّدت أشكال المشاركة السياسيّة وسبل الانخراط وتنوّعت المسارات الحياتيّة، كما تعدّدت طرق التفاوض حول الحقوق؛ ومن ثَمَّ تعدّدت الديناميكيّات والنتائج والمآلات.

وستقدّم السطور الآتية عرضاً تحليليّاً لمجموعة من الأوراق البحثيّة عُرضت في إطار برنامج مبادرة الإصلاح العربي لدعم البحث العربي التي ركّزت على ما يلي: تحليل أنماط المشاركة السياسيّة الجديدة في مصر ؛ وتأثير المسارات الحياتيّة على سبل التنشئة السياسيّة في كلّ من مصر وسوريا ونتائجها؛ والتفاوض حول حقوق النساء وأوضاعهنّ في كلّ من مصر وتونس وسوريا وفلسطين. وستركّز الورقة على ثلاثة محاور رئيسيّة هي: الأنماط الجديدة للمشاركة السياسيّة خلال الثورة المصرية وعقبها وديناميتها؛ تأثير السيَر الشخصيّة والحياتيّة بالتنشئة والانخراط السياسي وتأثّرها خلال الثورات العربية وعقبها؛ وسائل المشاركة السياسيّة للمرأة العربية وحدودها والتفاوض حول حقوقها.

 

أولاً - المشاركة السياسيّة خلال الثورة المصرية وعقبها: الأنماط الجديدة وديناميَّتها

شجّع الحَراك السياسيّ والاجتماعيّ المصاحب للثورة المصرية على خلْق مساحات جديدة للعمل الجماعيّ، وبروز أنماط جديدة للتفاعل مع السياق المحيط والاشتباك مع الشأن العام، وصناعة مفردات جديدة للتواصل والحِراك. وهو الأمر الذي أفردت له الأوراق البحثيّة المتعلّقة بالحالة المصريّة مساحة واضحة. نذكر في هذا الصدد الأوراق التي تناولت الحركات الثوريّة الجديدة والحركات الطلابية التي نشأت في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، ناهيك عن الأوراق المتعلّقة بـ "السخرية السياسيّة" كأداة للمقاومة والتأريخ. وهذا ما سنناقشه في السطور القادمة.

جاءت ورقة فؤاد حلبوني بعنوان: "الحركات الثوريّة الشبابيّة: التديّن وسياسة الهويّة في مصر"، لتبرهن على أنّ السياسة الثوريّة في مصر قدّمت أساليب جديدة للتعبير عن الهويّة، مختلفة عن تلك التي تواجدت تحت حكم حسني مبارك. فقد سعت مثلاً حركة "سلفيّو كوستا" (التي تأسّست في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، وتضمُّ سلفيّين وأقباط وليبراليّين) إلى إحياء روح الوحدة التي تواجدت في ميدان التحرير عبر أنماط للفعل مختلفة عن تلك التي تواجدت قبيل الثورة. فعلى سبيل المثال، نظّمت الحركة مباريات لكرة القدم بين مجموعة من الأقباط ومجموعة من السلفيّين بغية إنشاء نمط من التفاعلات المختلف جذريّاً عن الأنماط التقليديّة للوحدة الوطنية. وركّز الباحث على السياسة اللاهوتيّة، أي العلاقة المتغيّرة بين المجتمع السياسيّ والنظام الديني، كما أكّد على ظهور نوع من التماثل بين منطق الشهادة عند الانتحاري والثوري، حيث باتت الشهادة في الثورة مرتبطة بإنهاء العدوّ وتوفير معيشة "أفضل" للّاحقين. وأصبح مصطلح "الشهادة" آليّة جديدة للحَراك الجماعيّ، حيث أنشأ رؤية مشتركة لمصير مشترك بين مجموعات المتظاهرين. وهنا أدّى مثلاً "استشهاد" مينا دانيال في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2011 إلى إنشاء حركة ثوريّة شبابيّة تحمل اسمه، وصاغت هويّتها بناءاً على خلفية مينا وآرائه السياسيّة وبعيداً عن خلفيّته الدينيّة.

وفي هذا الصدد، أوضح اسماعيل فايد في ورقته "ضدّ التيّار: الحركة الطلابيّة في الجامعات المصريّة الخاصّة"، أنَّ الانفتاح الذي شهده المجال السياسيّ في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011 دفع إلى مشاركة فئات طلّابيّة كان يعتبرها الكثيرون خارج حَلْبَة الممارسة السياسيّة وبعيدة عن الشأن العامّ. فالمُعتقَد السائد هو أنّ الجامعات الخاصّة مساحات غير مسيّسة وأن طلّابها منعزلون بحكم مواقعها على أطراف القاهرة وعدم توفّر الإمكانيات الأساسيّة لنفاذية النسيج الاجتماعي من ناحية، وكون طلّابها من عائلات ثريّة ذات مصالح مشتركة  إلى درجة ما مع الدولة من ناحية أخرى. إلاّ أنّ الواقع أتى معاكساً، وكان لهؤلاء الطلّاب نشاطٌ ملحوظٌ في أعقاب الثورة، ولم ينعزلوا عن السياق الاجتماعيّ والسياسيّ العامّ؛ بل أثّروا عليه بحَراكهم وتحرّكاتهم. إذ شاركوا في عدد من الاحتِجاجات خارج الجامعة وداخل أسوارها تعبيرا عن سخطهم على سوء الإدارة أو التخطيط. ولَّدت الجامعات مساحات للعمل الجماعيّ بما أتاحته من فرص للتواجد الماديّ للطلبة، في ظلّ مناخ سياسيّ مُنفتِح نسبيّاً، وشكّلت أنماطاً سلوكيّة حثَّت على المشاركة والحَراك للمطالبة بالحقوق والاعتراض على التقصير.

كما أكدّت دينا مندور في ورقتها "السخرية السياسيّة في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011: إعادة بناء مجال للتعبير المقاوم"، على أهميّة دور السخرية السياسيّة. أنتجت السخرية السياسية أفكاراً جديدة، فلم تعد أداة للمقاوَمة وللتعبير عن عدم الرضا فقط، بل صارت أيضاً وسيلة لتأريخ الأحداث، على شكل سرديّات ولغة حوار جديدة ومتماثلة بين مؤيّدي ثورة كانون الثاني/يناير. ورغم أن النكتة، كإحدى أدوات السخرية السياسية، لعبت دوراً تاريخيّاً مهمّاً في الحياة السياسية المصرية واستهدفت سياسات الحكّام وأعوانهم، إلا أنّ عام  2011 مثّل نقطة تحوّل جذريّ في تاريخ هذه الظاهرة. إذ تحوّلت إلى آليّة مساندة للثورة، وباتت جزءاً لا يتجزّأ منها. وتغيّر شكل النكتة السياسيّة بعد 25 كانون الثاني/يناير، حيث حرص صانعوها على أن تصبح قصيرة جدّاً لتنتشر بسهولة أكبر عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ. وهنا عكست النكتة والشعارات الساخرة "الروح الإلكترونيّة للثورة"، خاصّة وأن الإنترنت بات ملاذاً لجيل الشباب، الذي عبّر عن نفسه في مساحات مغايرة طرحت نفسها بديلاً للمعارضة التقليدية.

 

ثانياً - التنشئة والانخراط السياسيّ خلال الثورات العربية وعقبها: تأثير السيَر الشخصيّة والحياتيّة وتأثّرها، وتغيّراتها

من المؤكّد أنّ العلاقة بين التنشئة والانخراط السياسيّ والاجتماعيّ من ناحية، وسيَر النشاط والمسارات الشخصية من ناحية أخرى؛ هي علاقة وطيدة خاصّة وأنّ تحليل الأولى يكون عقيماً إن لم نفهم الثانية. فأنماط الانخراط السياسيّ ودوافعه ومساراته المختلفة لا يمكن فهمها في ضوء العوامل البنيويّة والهيكليّة فحسب؛ بل في ضوء التفاعلات الشخصيّة والبيوغرافيّة أيضاً. فهذه التفاعلات تحدّد مآلات الانخراط وتأثيره على تشكيل التوجّهات، وربما صناعة الهويّات الجديدة. والحقيقة أن أهمّية البحث المتعمّق في هذه العلاقة تزداد في سياق الثورات العربيّة لما ولّدته من عمليات انخراط ومشاركة وتنشئة واسعة. وهو الأمر الذي أخذ مساحة واضحة في الأوراق الخاصّة بالحَراك الحقوقيّ والنوبيّ في مصر، والجهاديّ في إطار الثورة السوريّة، وهو ما سنتناوله بمزيد من التحليل لاحقاً.

لقد أوضحت ورقة ميّادة متبولي بعنوان: "الانتماء الإثني في سياق حضريّ وتداعياته على السير الحياتيّة للأفراد: نوبيّو القاهرة"، أن الفرد لا يُولَد نوبيّاً فقط بل يُصبح كذلك حين يبدأ في اكتشاف "النوباويّة" كمستوى أوَّل يعقبه الانخراط في فعل جماعيّ نوبيّ، ومن ثَمَّ التفاعل مع مجموعة من الأحداث البيوغرافيّة الثقافيّة والسياسيّة التي تُؤثّر على توجّهاته وانتمائه وهويته؛ وتُغيّر فيها. و"النوباويّة" - تلك التي تمثّل حجر الزاوية في صناعة الهويّة النوبيّة - ترتكز على اعتبار النوبة مسقطاً للرأس من ناحية، وتجربة للتهجير من ناحية أخرى. وتؤدّي التنشئة والانخراط الاجتماعيّ والسياسيّ إلى خلق تفاعلاتٍ بيوغرافيّة تؤدّي إلى تعليمٍ وتثقيفٍ ذاتيّ (عبر الروايات مثلاً، كرواية الشمندورة) من جهة، وربّما إلى التسييس من جهة أخرى (على غِرار ارتباط نشأة اتحاد شباب النوبة الديمقراطيّ، سواء بانطلاق "حركة 6 إبريل" في 2008 أو بالانخراط في عمل حزبيّ قُبيل ثورة كانون الثاني/يناير 2011). وهو ما يدفع أيضاً إلى تشكيل هويّة وانتماء آخر في إطار الهويّة النوبيّة هي "الهويّة الشبابيّة" في مواجهة ما أسموه "الكبار". وهو ما تجلّى في التمييز بين الاتحاد النوبيّ وكافة الكيانات النوبيّة الأخرى من جهة؛ والتمييز بين جيل الأهل والجيل الحالي من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، أوضحت أيضاً ورقة رنيم الشلتاوي "رصد المسار السياسيّ لخمسة محامين ساندوا الحَراك الاجتماعيّ للعاملات بالمنازل في مصر: محاولة لفهم صنعة المحاميّ الحقوقيّ"، أنّ دراسة المشاركين في مساندة عاملات المنازل نقابيّاً وحقوقيّاً تؤكّد على أنّ عمليات التنشئة السياسيّة تُفهَم بشكل أكثر عمقاً بالنظر إلى السيرة الذاتيّة والناشطيّة للفاعلين الاجتماعيين. فقد أكّد البحث على إمكانية استنباط خصائص اجتماعية فيما يتعلّق بمسار التنشئة السياسيّة، وذلك بالنظر إلى أحداث بنيويّة أو شخصيّة دفعت إلى تغيير مسارات الفاعلين وسيرهم الحياتيّة بشكل جذريّ، الأمر الذي ترتّب عليه صنع هويّات جديدة وسير ذاتيّة مختلفة. وقد ميّزت الورقة من هذه الزاوية بين نمطين لتنشئة هؤلاء المحامين الحقوقيين: النمط الأول يُعبِّر عنه مَن سبق تفرّغَهم للعمل في المجتمع المدنيّ تجاربُ انخراط سياسيّ أو حزبيّ. وهم من جيل السبعينيّات الذي أعطته الدراسة الجامعيّة في كليّة الحقوق (في التسعينيات) فرصة للتنشئة السياسيّة وممارسة العمل السياسيّ. أمّا النمط الثاني، فهو الذي لم يسبق عملَه بالمجتمع المدني أيُّ انخراط سياسيّ، كما لم تُتِح له المرحلة الجامعية فرصة للتنشئة أو الانخراط السياسيّ، فشكّلت ثورة كانون الثاني/يناير 2011 محطّة رئيسيّة وأتاحت تجربة مكثّفة من التنشئة السياسيّة. ومِن ثَمَّ أعادت تشكيل القيم والهوية ورؤية العالم، ودفعت إلى الانخراط الحزبي أو التفرّغ للعمل الحقوقي لاحقاً.

وعلى الرغم من الاختلاف في السياق السوريّ حيث امتزج الحَراك السياسيّ الثوري بالانخراط الجهادي، فقد أكّدت ورقة ماري قرطام "جهاد أهل طرابلس في الثورة السوريّة: من الأخذ بالثأر إلى البحث عن المعنى"، على أهمّيّة التركيز على المسارات الشخصيّة والسير الناشطية. فهي تساعد بشكل جليّ على تحليل دوافع انخراط شباب طرابلس في الثورة السوريّة ومآلاتهم. فالانخراط لا يمكن تحليله إلاّ باعتباره مهنةً ناشطية، أي نتاجاً عرضيّاً لقرار شخصيّ وعوامل موضوعيّة لمسار خاصّ طوال فترة التنشئة الاجتماعية. فلا يُمكن فهم انخراط الفرد دون مراعاة مساره الشخصيّ، خاصّة وأن لهذا الانخراط حوافز تشكّل مصدراً للمتعة رغم كلفتها، وتُولِّد بدورها تبعيّة جسديّة ونفسيّة لدى المنخرطين.

وعلى الرغم من أنّ عوامل سياسيّة وهيكليّة نفسيّة وحقوقيّة وطائفيّة دفعت إلى انخراط الشباب اللبنانيّ السنيّ في الثورة السوريّة؛ فإنّ المنخرطين لا ينتمون إلى فئة اجتماعية معيّنة أو يملكون خبرة واحدة أو ينتمون إلى جيل واحد. ففئة الشباب منهم عرفت مصيراً مهنيّاً معيّناً ووضعاً فريداً مع الثورة السوريّة، إذ شكّلت هذه التجربة أوّل انخراط لها في الشأن العامّ. أمّا آخرون فلم تكن لهم أيّة تجربة انخراط سياسيّة، وجاءتهم الفرصة مع الثورة السوريّة فقط. وفي هذا الصدد نجد أن انخراط شباب طرابلس في الثورة السورية - والذي يعتبرونه جهاداً - اتّخذ ثلاثة مسارات لانخراطات متعدّدة: الأوّل هو القصاص أو الأخذ بالثأر، أما الثاني فقد عبّر عنه مقاولو الحرب أو الجهاديّة المهنيّة، والأخير عبّر عنه المنخرطون في الجهاد بحثاً عن معنى للحياة.

 

ثالثاً - المشاركة السياسيّة للمرأة العربيّة والتفاوض حول حقوقها: وسائلها وحدودها

من المهمّ النظر إلى عمليّة تفاوض النساء حول حقوقهنّ باعتبارها عمليّة ديناميكيّة، فهي نتاجٌ لنضال ممتدّ للنساء وللحركات النسويّة. في بعض الأحيان، تُسَهِّل المكتَسبات التاريخية هذه العملية التفاوضيّة كما في تونس. وفي أحيان أخرى، يتطلّب الأمر جهداً تراكميّاً أكبر كما هي الحال في مصر. وعلى كلّ، يظل وضع النساء وحقوقهنّ في المجتمع أمراً متجدّداً وخاضعاً للتفاعلات اليوميّة للنساء مع سياق محيطهنّ، كما هو الوضع في سياق الثورة السوريّة التي تحوّلت لاحقاً إلى حرب مفتوحة.

تناقش الأوراق البحثيّة التالية الأمور المتعلّقة بوضع النساء وحقوقهنّ ومشاركتهنّ السياسيّة في سياق كلّ من الثورة المصريّة والتونسيّة والسوريّة، وفي السياق الفلسطينيّ (على الرغم من اختلافه). لقد أوضحت ورقة هند أحمد "النسويّة في مصر وتونس قبل وبعد الربيع العربي إعادة إنتاج لأطر قديمة أم آفاق جديدة للمشاركة؟"، أنَّ عمليّة التفاوض حول الحقوق النسويّة في تونس، كانت جزءاً لعمليّة سياسيّة ممتدّة تحكمها موروثات وبُنى ثقافيّة وتاريخيّة ومؤسسيّة، وذلك بعكس الحال في مصر. فالتفاوض على حقوق النساء التونسيّات (سواء فيما يتعلق بإقرار مبدأ التناصف، أو عند مناقشة حقوق النساء في الدستور الجديد) اتّخذ طابعاً سياسياً غُلِّبت فيه التوازنات والاستحقاقات السياسية للمرحلة الانتقالية على الصراع الهويّاتي حول العلمانية وتراث الحداثة المرتبط بدولة ما بعد الاستعمار.

في مصر، تعثّر الحَراك النسويّ في طرح الحقوق النسويّة على الأجندة السياسيّة في خضمّ الاستحقاقات السياسية الكبرى اللاحقة لثورة كانون الثاني/يناير 2011 لحزمة من الأسباب تتعلّق أساساً بضعف البنية الحزبيّة في البلاد. ومن ثَمَّ وجدت النساء في مصر أنفسهنّ في وضع صعب يعتريه غيابُ تراث نسويّ متجسّد بقوانين ومكاسب تشريعيّة ( في حين شكَّلت مثيلاتهنّ  هذا التراث تاريخيّاً كما في تونس)؛ كما اعتراه أيضاً غياب قنوات سياسيّة تمكّن من التفاوض حول حقوق النساء وتحقيق نجاحات أكبر في هذا المجال.

أمّا في سوريا، حيث اختلف السياق الثوريّ وتعسكر، فقد اختلفت ديناميكيات الصراع حول حقوق النساء وسُبل التفاوض. وهو ما أكّدته ورقة آراء الجرماني "اتجاهات الحَراك النسوي في ظلّ ثورات الربيع العربي: التجربة السوريّة نموذجاً"، حيث يَبرز التفاوض المستمرّ على مفهوم ذكورة الحرب ووضع النساء فيها. فإلى جانب مشاركة النساء في الاحتجاجات السلميّة المدنيّة، انخرط بعضهنّ في القتال أيضاً إلى جانب الجيش الحرّ. وعلى الرغم من انتماء معظمهنّ للمجتمع السوريّ المحافظ، وبحكم انخراطهنّ بالثورة ونشاطاتها المدنيّة من تظاهر وأعمال إغاثة، فقد أدركن أنّ الحرب ليست فعلاً ذكوريّاً فحسب. فالقذائف والجوع في الحروب يجعلان الجميع في مواجهة خطوط النار، وهو ما دفع إلى مناقشة مفهوم ذكورة الحرب ذاته. ورغم سعي سياسات النظام الداخليّة وأجهزته إلى تحطيم المرأة نفسيّاً وجسديّاً واجتماعيّاً عند اعتقالها والتشهير بها، بشكل يضع المجتمع المُحافظ أمام معضلة جسد المرأة وارتباطه بالعار. فالثورة السورية بديناميكيّتها وتفاعلاتها الهائلة دفعت إلى خلخلة المنطق الذكوريّ والأبويّ للمجتمع، وغيّرت في المنظومة القيميّة للمجتمع السوريّ التقليديّ بشكل نسبي.

في فلسطين، وفي ظلِّ الغياب المتوقَّع لأيّ سياق ثوريّ تحت ظروف الاحتلال القاسية، لم تتوقَّف محاولات النساء للتفاوض حول حقوقهنّ، لا سيّما فيما يتعلّق بالشقّ السياسيّ منها، رغم حدود الإنجازات المؤكّدة، خاصّة على الصعيد التشريعيّ والمؤسّسيّ. وهو ما أشارت إليه دنيا إسماعيل في ورقتها "فاعليّة المشاركة السياسيّة للمرأة الفلسطينيّة في ظلّ السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وأثرها على حقوق المرأة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة"، حيث أكّدت أن الموادّ الخاصّة بالحقوق والحريّات العامّة صيغت بشكل فضفاض يفتح الباب على مصراعيه للتأويل فيما يتعلّق بحقوق النساء. وذلك مع أن القانون الأساسيّ الفلسطينيّ أحرز تقدّماً مقارنة بالتشريعات العاديّة، حيث اعتبرت موادّه العامّة المرأة مواطنة لها كامل الحقوق والواجبات. وعلى الرغم من الآليّات الرسمية التي قدّمتها السلطة الفلسطينية لتعزيز المشاركة السياسيّة للمرأة الفلسطينيّة (على غرار تشكيل إدارة تخطيط مشاركة المرأة وتطويرها، وتشكيل وحدة المرأة في المجلس التشريعيّ... الخ)؛ فإنّها ظلّت أقرب إلى الشكليّة. وعلى غرار الحالة المصريّة، غابت السياسات والإجراءات العمليّة اللازمة لتحسين واقع المرأة الفلسطينيّة الاجتماعيّ والقانونيّ. ويعود السبب في ذلك إلى ضعف المجتمع المدنيّ والسياسيّ الذي لم يتمكّن من توفير قنوات قادرة على التأثير بشكل كافٍ على السلطة الوطنيّة لتفعيل الآليّات سابقة الذكر.

 

خاتمة وتوصيات

يتّضح من تحليل الأوراق السابقة أنّ المشاركة والانخراط السياسيّ في سياق الثورات العربيّة عرف أنماطاً وتفاعلات جديدة، وتأثّر بشكل مؤكّد بتعدّد المسارات الحياتيّة، وباختلاف القدرات التفاوضيّة، الأمر الذي ترتّب عليه ديناميكيّات ومآلات متعدّدة، وهو ما يمكن توضيحه كالآتي:

أوّلاً: قدّمت السياسة الثوريّة في مصر أساليب جديدة لتأريخ الأحداث، والتعبير عن هويّات مختلفة عن تلك التي تواجدت أيّام مبارك. كما دفع انفتاح المجال السياسيّ في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير، إلى مشاركة فئات اعتبرها الكثيرون خارج دائرة الاهتمام بالشأن العامّ. ومع ذلك، لا يخفى على أحد أنّ انغلاقَ المجال السياسي في مصر، عقب ثورة 30 حزيران/يونيو 2013، والتدخّلَ العسكريّ الذي لحق بها في 3 تموز/يوليو 2013، أدّى إلى تراجع في معدّلات المشاركة السياسيّة، وفي أدواتها التي باتت أميَل إلى التقليديّة منها إلى التجديد. ومن ثَم،َّ يتعيّن على الفاعلين السياسيين الحفاظ على الشبكاتِ الاجتماعيّة التي تمّ بناؤها في فترة الانفتاح السياسيّ، وأنماط التفاعلات التي استُحدِثت فيها ، كي يتسنّى لهم انتهاز أيّة فرصة سياسيّة ربّما تسنح مستقبلاً.

ثانياً: قدّم السياق الثوريّ في مصر كما في سوريّا (رغم الاختلاف المؤكّد بين التجربتَين) فرصاً غنيّة للتنشئة والانخراط السياسيّ. وهو أمر لا يمكن تحليله إلاّ بالنظر المتعمّق في السير الذاتيّة والناشطيّة للفاعلين الاجتماعيين، والتركيز على مساراتهم الشخصيّة والبيوغرافيّة. فالأخيرة لا تساعد على تحليل دوافع الانخراط فقط، بل وأيضاً على تحليل مآلاته من حيث صناعة توجّهات وربّما هويّات جديدة. فلهذا يُصبح من المهمّ التركيز على المحطّات المفصليّة في المسارات الشخصيّة، لمعرفة محرّكات المشاركة السياسيّة والعمل على تحفيزها في السياق المصري، وتفاديها في السياق السوريّ في حال تحوّلها إلى عمليات انخراط جهاديّ ليس أكثر.

وأخيراً: فتحت الثورات الباب للتفاوض حول حقوق النساء في كلّ من تونس ومصر وسوريا. كما مثّلت مأسَسة السلطة الفلسطينيّة فرصة لظهور تشريعات وآليّات مؤسّسية تحسّن من وضع المرأة الاجتماعيّ والقانونيّ. وقد اختلفت نتائج هذه العمليّة التفاوضيّة حسب المكتسبات التاريخيّة والمؤسّسية والتشريعيّة، بالإضافة إلى توافر قنوات سياسيّة ومدنيّة تمكّن من وضع حقوق المرأة على الأجندة السياسيّة. وهذا أمرٌ توافر في تونس ولم يتوافر في مصر أو فلسطين. أما التفاوض على مفهوم ذكورة الحرب ومنطلقات المجتمع الأبوي في السياق السوريّ، الذي عانى من عسكرة واسعة، فهو عملية مستمرّة حتى هذه اللحظة. ومن ثَمَّ، من المهمّ العمل على تقويَة البنية التشريعيّة فيما يتعلّق بالحقوق النسويّة، وتقوية التنظيمات السياسيّة، كي تتحوَّل إلى قنوات مؤثّرة للضغط فيما يتعلّق بحقوق النساء في السياقات العربيّة المستقرّة نسبيّاً.