You are here

بعد سبع سنوات من الثورات العربية: الحركات الاجتماعية في مصر وسوريا بين المقاومة والانحسار والتحول

احتماليات السلام
TitleDownload
بعد سبع سنوات من الثورات العربية: الحركات الاجتماعية في مصر وسوريا بين المقاومة والانحسار والتحوللتحميل الورقة

الملخص التنفيذي

تمثل الحركات الاجتماعية ودورها في اندلاع الثورات العربية أمراً مفتاحياً لفهم الأخيرة ومآلاتها. وعلى الرغم من الدور المحوري الذي لعبه الحراك الاجتماعي والسياسي بشكل عام سواء قبل هذه الثورات أو أثناءها؛ فإن دورها بدا مهمشاً بعدها لاسيما في مصر وسوريا. ففي مصر، انحسر تأثير الحركات الاجتماعية مؤخراً بسبب انغلاق المجال السياسي لاسيما بعد ثورة 30 حزيران/يونيو والتدخل العسكري الذي لحق بها. أما في سوريا فقد تراجع تأثير الحراك السياسي والاجتماعي في ضوء عسكرة الثورة وارتفاع معدلات العنف الذي تسبب فيه نظام بشار عمداً.

سنقوم في هذه الورقة السياسية بتقديم عرض تحليلي لمجموعة من الأوراق البحثية التي ركزت على تحليل عدد من الحركات الاجتماعية في مصر بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى الإشارة الجزئية إلى سوريا، وذلك بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسية تتعلق باستراتيجية هذه الحركات، وقدرتها على التعبئة، وتأثير القمع على مسارها واستمرايتها. هذه المحاور هي بالتفصيل: التفاعل الاستراتيجي بين الحركات الاجتماعية وسياقها السياسي وتأثير استراتيجيتها وتكتيكاتها على مسارها ومآلاتها، ودور التنظيم والتعبئة وتأثيرهما على مخرجات الحركة الاجتماعية، والعلاقة بين زيادة القمع وإمكانية التعبئة أو فكها.

وتؤكد الورقة على أن قدرة الحركة الاجتماعية على اختيار الاستراتيجية والتكتيك الأكثر ملاءمة للسياق السياسي من ناحية، وقدرتها على بناء تنظيم قوي ومترابط وقادر على التواصل مع الجمهور الأوسع من جهة أخرى؛ هما عاملان يحددان مصير الحركة الاجتماعية بين الاستمرار أو التواري من ناحية، والنجاح أو التعثر من ناحية أخرى. ويضاف إلى ذلك ضرورة إدراك قيادات الحركة الاجتماعية لعوامل مثل الذكرى الجماعية أو ديناميكيات التضامن أو مشاعر الخوف أو الهزيمة مع القمع، وطبيعة تفاعلها. لأن هذا الإدراك هو الذي يمكنها من توجيه الحركة بشكل سليم عند ارتفاع وتيرة الأخير.

 

مقدمة

شكلت الحركات الاجتماعية التي تأسست إبان الثورات العربية محركاً أساسياً لاندلاعها، وهو الأمر الذي يتضح بشكل جلي في الحالة المصرية، وبشكل أكثر نسبية في الحالة السورية. وقد استمرت أهمية هذه الحركات الاجتماعية واتسع دورها أثناء الثورة وبعدها، الأمر الذي جعل فهمها وتحليل طريقة تفاعلها مع سياقها السياسي والاجتماعي، بل وسبب انحسارها الراهن أمراً غاية في الأهمية لفهم هذه الثورات ومآلاتها المستقبلية.

ستقدم هذه الورقة - وهي الأولى في سلسلة من ثلاث أوراق في إطار احتماليات السلام لمبادرة الاصلاح العربي - عرضاً تحليلياً لثماني أوراق بحثية تم إعدادها كجزء من برنامج دعم البحث العربي، والتي ركزت على تحليل عدد من الحركات الاجتماعية في مصر أساساً، بالإضافة إلى ورقة تناولت الحراك السياسي والاجتماعي في سوريا. وتركز هذه الورقة على ثلاثة محاور رئيسية هي: التفاعل الاستراتيجي بين الحركات الاجتماعية وسياقها السياسي وتأثيره على مسارها ومآلاتها، ودور التنظيم والتعبئة وتأثيرهما على مخرجات الحركة الاجتماعية، والعلاقة بين زيادة القمع وإمكانية التعبئة أو فكها.

 

 أولاً - التفاعل الاستراتيجي بين الحركات الاجتماعية وسياقها السياسي، وتأثيره على مسارها ومآلاتها

للتفاعل الاستراتيجي للحركة الاجتماعية أهمية كبيرة، ونقصد به على وجه التحديد: الاستراتيجيات والتكتيكات التي ترسمها الحركة عند تفاعلها مع سياقها السياسي والاجتماعي. فهذه الأخيرة تؤدي إلى رفع قدرة الحركة على تحقيق أقصى استفادة من الفرص السياسية المتاحة في بعض الأحيان، أو يمكنها من التحرك على الرغم من انحسار هذه الفرصة وانغلاق المجال السياسي في أحيان أخرى. بل وربما، على العكس من ذلك، يدفع إلى إعاقة تحركها وتقدمها إن لم تختر الاستراتيجية أو التكتيك الأنسب. وهي الأمور التي ظهرت بصورة واضحة في الأوراق البحثية المتعلقة بالحركات الاجتماعية الخاصة بالحالة المصرية، سواء تلك التي تخص حراك جماعة الإخوان المسلمين بعد عزل الرئيس مرسي في 3 تموز/يوليو 2013، أو الحركات السياسية غير الإسلامية والمعروفة في مصر بمصطلح "المدنية" سواء بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 أو بعد ثورة 30 حزيران/يونيو والتدخل العسكري الذي لحق بها في 3 تموز/يوليو 2013.

أبدت جماعة الإخوان المسلمين قدرة كبيرة على تغيير تكتيكات الحركة والتحرك بعد استبعادها من الحكم، وهو ما أوضحته شيماء ماجد، في ورقتها "الإخوان المسلمون المصريون في تركيا والحراك العابر للقوميات: وسيلة جديدة للمشاركة السياسية". فعلى الرغم من أن الجماعة شاركت على مدار تاريخها سواء عبر القنوات السياسية والانتخابية المتاحة في مصر عندما سُمح لها بذلك، أو عبر التركيز على النواحي الخدمية والتغلغل في النقابات المهنية والأسر الطلابية؛ فإنها اعتنقت استراتيجية تحرك جديدة عابرة للقومية المصرية، بهدف التفاعل مع معطيات السياق السياسي الجديد. وتمثلت هذه الاستراتيجية في التحرك السياسي عبر القنوات الفضائية التلفزيونية المتمركزة في تركيا، والموجهة إلى الداخل المصري. وهي الاستراتيجية التي تفاعلت مع سياق سياسي جديد تمثل في ارتفاع موجة القمع والملاحقة ضدها بالداخل في مقابل ظهور فرصة سياسية متمثلة في دعم مالي وقانوني تركي لهذه القنوات على الرغم من ضيق مساحة المشاركة السياسية في تركيا نفسها.

أما على صعيد الحركات السياسية غير الإسلامية على غرار الحركات الطلابية التابعة "للأحزاب المدنية" وحركة 6 نيسان/إبريل؛ كان التفاعل الاستراتيجي مع السياق السياسي الجديد الذي اتسم بالانغلاق بعد 3 تموز/يوليو 2013 مختلفاً، وبالتالي، جاءت نتائجه أيضاً مختلفة باختلاف الاستراتيجية المتبعة. ففي الوقت الذي بدلت فيه الحركة الطلابية، خاصة تلك التابعة لحزب الدستور استراتيجيتها، فانتقلت من التركيز على السياسات الشارعية إلى تبني سياسات تركز على النواحي الخدمية والثقافية للتفاعل مع انحسار المجال السياسي بعد 3 تموز/يوليو مما مكنها من الاستمرار؛ فإن استراتيجية حركة 6 نيسان/إبريل القائمة على الاحتجاج والتظاهر لم تتبدل، وتحولت في ضوء انغلاق المجال العام إلى ما يشبه حركة "تعيش تحت الأرض"، وهي الأمور التي نتناولها بمزيد من الشرح في الأسطر القليلة القادمة.

أشارت فرح رمزي في ورقتها "الحراك الطلابي في مصر بعد 2011: فهم مساحات الصراع في سياق متغير" إلى تغير تكتيكات الأسر الطلابية في الجامعات واستراتيجياتها، لاسيما تلك الخاصة بأسرة الميدان، وهي الأسرة التابعة لحزب الدستور الذي أسسه د. محمد البرادعي في 2011. فمع الانغلاق الذي شهده المجال السياسي بعد عزل مرسي في 3 تموز/يوليو 2013، تبدلت تكتيكات طلاب أسرة الميدان من الاستمرار في التظاهر والاعتصام أو كتابة العرائض ورسم الجرافيتي الاحتجاجي إلى التركيز على أعمال أخرى؛ كالمعارض الفنية، وعرض الأفلام التثقيفية، وتنظيم المناقشات الجماعية، والتي هدفت من خلالها إلى الاستمرار في نشر ثقافة احتجاجية بأقل تكلفة ممكنة. والحقيقة هي أن هذا التبدل على مستوى التكتيكات صاحبه تغير أيضاً على صعيد الشكل التنظيمي للحركة، حيث زادت المرونة في التعامل مع شكلها المؤسسي. فقد شكلت الحركة بعد ثورة كانون الثاني/يناير قوام حزب الدستور عند تأسيسه، ذلك قبل إنشاء مكتب للطلاب داخل الحزب وأسر الميدان الطلابية في الجامعات، تلك التي عكس تشكلها الحاجة إلى مأسسة عملية معارضة نظام الإخوان سواء عبر الآليات الانتخابية أو الاحتجاجية، إلى أن تغيرت نوعية نشاط هذه الأسر بعد انغلاق المجال العام بعد 3 تموز/يوليو كما ذكرنا سابقاً.

وعلى النقيض من ذلك، أكدت ورقة محمود صلاح "الحركات الاجتماعية وصناعة خيارات التغيير: حركة شباب السادس من إبريل نموذجاً" عدم رغبة حركة 6 نيسان/إبريل في مصر أو قدرتها على إعمال نوع من التفاعل الاستراتيجي المرن مع تغير السياق السياسي وانغلاقه؛ لأن استراتيجياتها القائمة على الاحتجاج والتظاهر السلمي واحتلال ميدان التحرير (رمز الثورة المصرية) مثّلت في ذاتها جزءاً من الهوية الجماعية للحركة وسبب مشروعيتها الرئيسي أمام أعضائها بما يعني أن كسرها سيدفع بالتوازي إلى كسر حركة ترى نفسها "حركة مقاومة لا معارضة"، أو على الأقل تدمير معناها الوجودي. وهو الأمر الذي لم يدفع فقط إلى مزيد من استنزاف الحركة التي دخلت في مواجهات مفتوحة سواء مع المجلس العسكري الذي تولى حكم البلاد في مصر بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 أو مع نظام 3 تموز/يوليو، بما يعني مزيداً من ارتفاع تكلفة القمع بالنسبة لها. وعلى النقيض من حركة طلاب حزب الدستور؛ حد ذلك من قدراتها على اختيار شكل تنظيمي أقل سيولة وأكثر هرمية. فقد رفضت الحركة منذ الوهلة الأولى التحول إلى حزب سياسي على الرغم من نجاحها في تحقيق هدفها الثوري الأولي المتمثل في إسقاط نظام مبارك في 11 شباط/فبراير 2011 عبر المشاركة في ثورة كانون الثاني/يناير والمساهمة في اندلاعها.

 

ثانياً - التنظيم والقدرة على التعبئة، وتأثيرهما على مخرجات الحركة الاجتماعية

تؤكد الغالبية العظمى من أدبيات الحركات الاجتماعية على أن موارد الحركة وقدرتها على التنظيم والحشد والتعبئة تعد سبباً رئيسياً في نجاحها أو فشلها في تحقيق أهدافها. وتؤكد هذه الأدبيات أيضاً على أن قدرة هذه الحركات على بناء هياكل رسمية (على غرار التنظيمات والمؤسسات) وغير الرسمية (مثل الروابط الاجتماعية والعائلية) للحشد والتعبئة هي شرط أساسي لبناء تنظيم قوي قادر على المضي قدماً لتحقيق أهداف الحركة. وعلى العكس، يدفع افتقارها إلى مثل هذا التنظيم إلى تعثرها. وقد اتخذ هذا الجدل حول أهمية القوة التنظيمية للحركات الاجتماعية، ومدى تأثيرها على مخرجاتها، مساحة واضحة في الأوراق البحثية المتعلقة بالحالة المصرية، لاسيما تلك التي تناولت كلاً من روابط الألتراس (أو روابط مشجعي الكرة) وجبهة "طريق الثورة" التي تأسست بعد عزل الرئيس مرسي، وهو ما سنناقشه في الأسطر القادمة.

أكدت داليا عبد الحميد في ورقتها "الألتراس... جماهير الكرة المنظمة في مصر: مقاربة تحليلية" على قوة تنظيم روابط الألتراس أو روابط مشجعي الكرة في مصر، وقدمت شرحاً وتحليلاً وافيين لأسباب هذه القوة التنظيمية وعناصرها، تلك التي بهرت الكثيرين في مصر كما في خارجها، والتي برزت في الاحتجاجات والتظاهرات سواء أثناء ثورة كانون الثاني/يناير أو بعدها. وبعكس ما هو شائع، فإن تنظيم الألتراس ليس تنظيماً هرمياً جامداً بل هو تنظيم مبني وفقاً لهرميات متعددة ومتشابكة. وتتكون الألتراس من روابط اجتماعية تعرف بالأخويات، تلك الغائبة عن المجتمع المصري إلا في إطار الجماعات الدينية (الإسلامية والمسيحية). وتتقوى الأخويات التابعة للألتراس في إطار ما يُعرف بالسكاشن أو بالمجموعات الرفاقية الموزعة جغرافياً، والتي ترتبط حياة أعضائها ببعضهم البعض ليس فقط في مدرجات إستاد الكرة بل في الحياة اليومية لكل منهم، حيث مزيد من التواصل والترابط الاجتماعي والعائلي.

وإذا شكلت روابط الألتراس بقدرتها على التنظيم علامة فارقة في تاريخ الحركات الاجتماعية في مصر حيث نجحت في جعل صوتها مسموعاً خلال ثورة كانون الثاني/يناير وبعدها، بل واستمر تأثيرها حتى مع انحسار المجال السياسي مؤخراً على الرغم من كونها ليست في الأساس تنظيماً سياسياً، بل هي ليست أصلاً تنظمياً سياسياً؛ فإن الأمر يزداد صعوبة على صعيد الحركات السياسية، تلك التي عانت في السنوات اللاحقة للثورة من عدم قدرتها على بناء تنظيم قوي قادر على الضغط على السلطات المتعاقبة لتحقيق أهداف ثورة كانون الثاني/يناير وتحويلها إلى سياسات ملموسة، ناهيك عن عدم قدرتها على تقديم بديل سياسي واقعي ذي مصداقية لدى الجمهور الأوسع. وهو ما أوضحته شيماء حطب في ورقتها "موجة السياسات الاحتجاجية في مصر: من المشهد الطوباوي لميدان التحرير إلى إعادة إنتاج خطاب الإجماع الوطني"، حين أكدت على أن غياب التنظيم الحزبي الراسخ ذي القواعد الجماهيرية الواسعة كان أحد ملامح الضعف البنيوي لثورة كانون الثاني/يناير في مصر، وهو ما حال دون تعبئة طاقات مجتمعية لتحويل طاقات الاحتجاج الشعبي إلى مشروع سياسي قادر على التنافس على مواقع السلطة وتشكيل قوامها، وتحسين الوضع التساومي لمعارضة مستقلة. وهو الأمر الذي بدا أكثر وضوحاً بعد عزل مرسي. حيث دفع الفشل المتراكم في خلق بديل ثالث بإمكانه تغيير قواعد اللعبة التاريخية الصفرية للصراع بين الدولة والإخوان إلى بزوغ الجيش كبديل وحيد لحسم صراع الهيمنة واستعادة قدرات الدولة القمعية، ومن ثم، تحويل المسار السياسي برمته -مع إزاحة الإخوان من الحكم- إلى مسار سياسي مُدَار حصرياً من قبل المؤسسة العسكرية.

وفي هذا الإطار، جاءت ورقة أحمد عبد الحميد "القمع السياسي وتأثيره على الانسحاب وفك التعبئة: جبهة طريق الثورة نموذجاً" لتبرهن على أزمة ما يسمى في مصر بالبديل الثالث والذي جسدته محاولات مجموعة أفراد (أغلبهم من الأكاديميين، وناشطي المجتمع المدني، ورموز من اليساريين بالإضافة إلى مجموعات سياسية ما بعد إسلامية) تأسيس "جبهة طريق الثورة" إثر إزاحة جماعة الإخوان من الحكم في 3 تموز/يوليو 2013. والمشكلة هنا هي أنه في الوقت الذي امتلكت فيه هذه الجبهة موقفاً مثالياً حالماً رافضاً للاستقطاب الذي هيمن على المشهد السياسي في مصر، والذي عبر عنه النظام العسكري من جهة، وجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى؛ فإنها لم تمتلك في المقابل كياناً منظماً ومنضبطاً له برنامج واضح لتحقيقها، أو قاعدة جماهيرية يمكن الاستناد عليها لتنفيذها واقعياً. ومن ثم، فقد عبرت الجبهة عن أزمة التنظيمات السياسية في مصر بشكل عام، ومعضلة القوى الثورية بشكل خاص، حيث المحاولات المتعثرة والمتكررة لخلق جبهات أو ائتلافات فوقية ومعارضة تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم، والرؤية المحددة لكيفية التواصل مع المجتمع الأوسع. ومع ذلك، وبما أن مخرجات الحركات الاجتماعية وتأثيرها لا تقاس فقط بتحقيق أهدافها قصيرة الأمد، فبقدر من التفاؤل الحذر، تؤكد الورقة أن الجبهة نجحت في تحقيق أحد أهداف مؤسسيها، وهو تأطير تيار ثوري ديمقراطي رافض لكل من معسكر السلطة الجديدة التي تشكلت بعد 3 تموز/يوليو وجماعة الإخوان المسلمين، حتى وإن لم يتحول إلى واقع.

 

ثالثاً - العلاقة بين زيادة القمع وإمكانية التعبئة أو فكها

ثمة تساؤل دائم تعبر عنه أدبيات الحركات الاجتماعية فيما يتعلق بالعلاقة بين القمع والحراك، وهو الآتي: هل يؤدي ارتفاع وتيرة القمع إلى زيادة التعبئة والحشد، أم بالعكس، يدفع إلى مزيد من الانسحاب وإلى فك التعبئة؟ والحقيقة هي أن هذا الجدل يكتسب أهمية كبيرة في الواقع العربي الراهن، ولاسيما في مصر وسوريا حيث شهدت الأولى زيادة معدلات القمع خاصة بعد انغلاق المجال العام إثر عزل مرسي في 3 تموز/يوليو 2013 (على الرغم من انفتاحه النسبي عقب ثورة كانون الثاني/يناير 2011)؛ أما الثانية، فقد شهدت اندلاع الثورة وارتفاع وتيرة الاحتجاج وسط ارتفاع غير مسبوق للقمع والعنف النظامي. وقد اتخذ هذا الجدل، مساحة واضحة في الأوراق الخاصة بالحالة الثورية في سوريا، وتلك الخاصة بانغلاق المجال السياسي في مصر بعد 3 تموز/يوليو، وهو ما سنتناوله بمزيد من التحليل في الأسطر القادمة.

ألقت ورقة ردينة البعلبكي "قمع الدولة والحالة الثورية في سوريا عام 2011" الضوء على العوامل التي دفعت إلى زيادة الاحتجاج والتحرك، حين ترافقت مع ارتفاع وتيرة القمع في سوريا. فكان العامل الأول هو الذكرى الجماعية للقمع حيث تحركت المناطق التي حملت ذكرى سابقة لقمع النظام مثل مدينة حماة (التي عانت عام 1982 من اقتحامها على يد قوات الأمن ما أدى إلى سقوط 20 إلى 40 ألفاً من أبنائها) والمناطق الكردية (التي شهدت عام 2004 قتل حوالي 400 شخص واعتقال حوالي 5 آلاف إثر استفزازات تعرض لها جمهور الكرة الكردي من قبل النظام فيما عرف بأحداث القامشلي) بشكل سريع للتظاهر والاحتجاج حيث مثلت ذكرى القمع الجماعي السابق عاملاً محفزاً لتحركها واحتجاجها السلمي الراهن. أما العامل الثاني فكان آليات التضامن والتواصل الاجتماعي في مناطق مثل درعا، عُرفت بآليات التضامن الداخلي للمجتمعات التقليدية القائمة على الروابط الاجتماعية والعائلية. وهو ما أدى إلى مضاعفة أعداد المتظاهرين في وقت قياسي مع ازدياد وتيرة القمع.

أما في مصر، التي شهدت ثورة سلمية في 25 كانون الثاني/يناير 2011 لم تواجه بقمع منهجي -على الأقل ابتداء من انسحاب الشرطة ونزول الجيش إلى الشوارع في 28 كانون الثاني/يناير 2011- شهدت في أعقاب ثورة 30 حزيران/يونيو والتدخل العسكري الذي لحق بها في 3 تموز/يوليو 2013 انحسار الحراك السياسي وتواري الحركات الاجتماعية. وفي هذا الصدد، أرجعت ورقة عاطف سعيد "بالضبة والمفتاح والدم: المجال السياسي العام والثورة المضادة في مصر" أسباب الانسحاب أو فك التعبئة الحالية إلى عدة عوامل متشابكة. أولها هو عامل الخوف الذي نتج عن استخدام نظام 3 تموز/يوليو استراتيجيات مختلفة للقمع "غير المحسوب". أما العامل الثاني فيتمثل في الخوف من المجهول أو من مصير دول أخرى في المنطقة (مثل سوريا أو العراق) تلك الأمور التي استثمرها النظام لصالحه، وإن لم يكن صانعها. ومن ثم فإن القمع ليس وحده مصدر الخوف، حتى وإن كان النظام مستثمراً أساسياً لهذا الخوف، وهو ما يزيد مشهد انسحاب النشطاء والمواطنين وتركيبة الخوف نفسها تعقيداً؛ لأن المواطنين يخافون من الدولة، وعليها، أي يخشون من بطشها في الوقت الذي يخشون فيه من تحللها. ويُضاف إلى ذلك عاملان آخران مترابطان هما: الشعور بالهزيمة (وهو شعور يمكن فهمه وتحليله على مستوى المسار العام والشعور الشخصي وليس على مستوى نجاح الثورة بنيوياً أو فشلها) بما يدفع بالتزامن مع ذلك إلى مزيد من غياب الأمل، ومن ثمّ إلى مزيد من الانسحاب.

 

خاتمة وتوصيات

يتضح من تحليل الأوراق المعروضة هنا أن ثمة عوامل ثلاثة تؤثر على مسار الحركات الاجتماعية ومآلها ومخرجاتها، تلك التي شهدت تغير السياق السياسي والاجتماعي المحيط بها بسرعة مذهلة في كل من مصر وسوريا.

يتعلق العامل الأول بقدرة الحركة الاجتماعية على رسم الاستراتيجية الأنسب للتعامل مع تغير السياق السياسي وانغلاقه بشكل يمكنها من اقتناص الفرص المتاحة على ندرتها وتقليل تكلفة التحرك عند اشتداد القمع. ومن ثم، يتعين على الحركة الاجتماعية التحلي بالمرونة المناسبة - تلك التي تمكنها من اختيار التكتيك الأكثر ملاءمة للتفاعل مع السياق السياسي - لأنها العامل المحدد لقدرتها على الاستمرار والتواجد.

ويتعلق العامل الثاني بقدرة الحركة الاجتماعية على تشكيل تنظيم قوي مبني على روابط اجتماعية وآليات للتضامن الاجتماعي، وقادر على تأطير مطالبه وخطابه بطريقة تمكنه من الولوج إلى قلب الجمهور الأوسع. ومن ثم، فإنه يتعين على الحركة الاجتماعية العمل على بناء قواعدها التنظيمية والاجتماعية لأنها هي التي تحدد قدرتها على النجاح في تحقيق أهداف الحركة وتقديم بديل سياسي أو اجتماعي مقبول مجتمعياً، حتى وإن كانت نتائج الحركات الاجتماعية لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق الأهداف قصيرة المدى بل أيضاً بقدرتها على تحقيق نوع من التغيير أو التأثير التوعوي على المدى الأبعد.

أما العامل الثالث والأخير فيخص شكل الحركة الاجتماعية وطريقتها في التفاعل مع القمع، وهو أمر شديد الجدلية لاسيما وأن القمع في ذاته لا يحدد مستقبل الحركة أو توجهها، فهو يمكن أن يدفع إلى زيادة الحراك أو على العكس إلى فك التعبئة، ويمكن القول إن التأثير على توجهات الحراك دائماً ما يتعلق بتداخل عوامل أخرى مع عامل القمع (كآليات التضامن الداخلي أو الذكرى الجماعية، أو مشاعر الأمل أو الهزيمة أو الخوف) وهي التي تحدد شكل الحركة وطريقة تفاعلها مع القمع. ومن ثم، يتعين على قيادات الحركة الاجتماعية إدراك هذه العوامل بشكل جيد بما يمكنها من توجيه الحركة بشكل سليم خاصة عند ارتفاع وتيرة القمع.