You are here

حركة حقوق الإنسان والدولة في المغرب: تأثير حراك 20 فبراير

أوراق بحثية
TitleDownload
حركة حقوق الإنسان والدولة في المغرب: تأثير حراك 20 فبرايرلتحميل الورقة

في المغرب، أتى حراك 20 فبراير تتويجًا لسيرورة نضالية مناهضة للنظام السلطوي المسيطر، تعود إلى تسعينيات القرن الماضي. انتعشت معه الحركة الحقوقية في تفاعلها مع السياسات المطروحة لمعالجة المشكلات الاجتماعية. أين المغرب اليوم من الإرث السياسي الثقيل في نقد السياسات القائمة وطرح أخرى في مجمل القطاعات المهنية، من أجل عقد اجتماعي يعتمد المواطنة والمساواة أساساً له؟

***

مقدمة

 تُعتبر الحركة الحقوقية في المغرب نموذجًا خصبًا ومتنوعًا في شمال أفريقيا، وانعكاسًا لسياقات داخلية، إقليمية ودولية، بدءًا بتشكلها كقوة في المجالين السياسي والاجتماعي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بمسلسل التحول السياسي في التسعينيات نحو فتح باب المشاركة والتخلي التدريجي عن القمع والعنف وانتهاكات الحقوق السياسية والمدنية المنهجي من جانب الدولة، مرورًا في عام 1998 إلى ما عرف بالتناوب السياسي،[1]وصولاً إلى حراك 20 فبراير، في سياق موجة ما عرف بالربيع العربي في 2011، وما أفرزه الدستور المغربي الجديد الصادر في العام نفسه من اعتراف صريح  بالمعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وتاريخيًّا اتسمت علاقة الدولة بالحركة الحقوقية بالقمع والتجاهل المنهجي تارة وبمحاولة الاحتواء تارة أخرى، حتى انخرطت الدولة فعليًّا منذ مطلع التسعينيات في عملية اعتراف التدريجي بالحركة الحقوقية، عبر إجراءات العفو والمصالحة وفتح ملفات ماضي الاعتقالات والتعذيب والاختفاءات القسرية.

وتميزت نشأة الحركة الحقوقية مع العصبة المغربية لحقوق الإنسان، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان ولاحقًا المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بارتباطات سياسية حيث انتمى شق كبير من أعضائها لليسار الماركسي، رغم تبنيه الصريح للعهد الدولي لحقوق الإنسان كمرجعيةً أساسية. ولسنوات طويلة حكمت هذه النشأة ديناميات علاقة الدولة بالحركة الحقوقية، حيث تعاملت معها الدولة بشكل صراعي وتشكك. وركزت الحركة على الحقوق السياسية والمدنية قبل أن تتطور في العقدين الماضيين، ولا سيما بعد  حراك 20 فبراير 2011 فتنمو وتتصاعد حركات حقوقية تسعى بشكل أكبر إلى إقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وكانت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي تأسست في سنة 1972 كأول مؤسسة مغربية حقوقية، على علاقة وثيقة بحزب الاستقلال، ثم تلتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979 كتنظيم حقوقي ولد في كنف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثم احتضنه حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وهو حاليًا قريب سياسيًّا إلى حزب النهج الديمقراطي. وفي سنة 1988 جاء تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في استقلال نسبي عن الأحزاب السياسية.
وفي إعادة ترتيب للمشهد السياسي تحت ضغوط داخلية وخارجية،[2] قادت المؤسسة الملكية إصلاحات بدأت مرحلة من الانفراج السياسي في بداية التسعينيات، حيث أسس الملك الحسن الثاني المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في 1990 مقلدًا فيه نموذجًا فرنسيًّا لمؤسسة مماثلة تأسست في الثمانينيات. وفي 1993 تأسست وزارة لحقوق الإنسان، ثم صادق المغرب في شهر يونيو من العام نفسه على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وأخيرًا في 1998 بدأت وزارة العدل وإدارة السجون في تطبيق قانون جعل تشريح جثث المتوفين في أثناء الاحتجاز إجراءً روتينيًّا.[3]

ومن ناحية المجتمع المدني تأسست لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1992 وكانت ذات طابع محلي نتيجة تركزها في مراكش، ثم اتسع الحقل الحقوقي بولادة جمعيات أخرى تعمل على حقوق الإنسان وبعضها بشكل متخصص موضوعاتي أو جهوي (حقوق المرأة، الطفل، القرى، والأحياء)، وهو ما رآه البعض عامل قوة؛ حيث كان انتشار الجمعيات الحقوقية وتنوعها دلالة بالنسبة لهم على تجذر المكون الحقوقي داخل المجتمع والدولة، ولكن  آخرين رأوه عامل ضعف لأنه قد يؤدي إلي تشتيت حقل الفاعلين الحقوقيين وتمزيقه واختراقه، حيث يمكن للدولة استغلال الفورة المتزايدة في المجتمع المدني من اجل خلق منظمات وجمعيات مدنية خصوصًا في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي انطلقت في منتصف الالفينيات حيث يمكن أن يتضخم جسم الحركة المدنية ولكن دون زيادة فاعليتها.[4]

 

المنظمات الحقوقية والدولة: صراع أم تكامل؟

 ظهرت الحركة الحقوقية في المغرب أولاً على شكل مطالب قانونية وأخلاقية قبل الاستقلال في منتصف الخمسينيات، ولم تتوقف منذ ذلك الوقت.[5] ويمكن رصد علاقة الدولة التي قامت بعد الاستقلال مع المجتمع الحقوقي من خلال رغبة الأولى في الحفاظ على هوية مركبة اتمزج بين التقليد والحداثة مع احتواء المجتمع المدني، فالدولة أي السلطة الحاكمة هي التي أنشأت في عقدي ما بعد الاستقلال المؤسسات التي تحتاج إليها، وهي التي تغذيها وتوجهها وتمنحها السلطة والنفوذ، وقد سعت دائمًا لأن تبتلع المجتمع المدني (بما فيه الحركة الحقوقية) فلا تترك مجالاً لقيام مؤسسات خارجها.[6]

وعلى الرغم من انتشار المجتمع الحقوقي في الفضاء العام، فإن هذا الانتشار جرى غالبًا بدعم مباشر أو غير مباشر أو بالتغاضي من جانب الدولة. ولطالما أظهرت النخب الحاكمة للنظام السياسي، والقصر خصوصًا، قدرتهم على تغيير التوازنات، سواء عبر الاحتواء أو الردع أو العنف، أو إعادة هندسة المجال السياسي؛ إما بخلق نخب أو أحزاب جديدة أو فاعلين في المجتمع المدني فيما يُعرف باسم "الهوامش الديمقراطية".[7]

ويرتبط تطور ونشأة حركة حقوق الإنسان بالمغرب عمومًا بالتأثير المتبادل بين رسم السياسات الداخلية والخارجية لديى الدولة، فضلاً عن كونها نتاج تفاعل القوى المشكلة للمجتمع المدني من جهة، ومكونات المجتمع السياسي من جهة أخرى.[8]

ويمكن فهم التحولات السياسية المهمة في التسعينيات وخصوصًا ما أثَّر منها على مجال حقوق الإنسان باستعراض سريع للتطورات الداخلية والإقليمية ذات الصلة. لم يصل المغرب كدولة إلى حالة استقرار نسبي حتى مرت أكثر من ثلاثة عقود بعد الاستقلال، وهي عقود سادها التوتر الاجتماعي والسياسي حتى نهاية الثمانينيات. وشهدت هذه العقود الثلاثة أحداث 23 آذار/مارس 1965[9] وإعلان حالة الاستثناء في يونيو من السنة نفسها[10] والمحاولتان الانقلابيتان لسنتي 1971 و1972،[11] وأحداث مارس 1973.[12]

ومع نهاية الحرب الباردة وشعور الدولة باستقرار مؤسساتها السياسية وبروز تحديات اقتصادية، ظهرت أهمية السماح للنخب السياسية المعارضة، وخصوصًا المحسوبة على اليسار، بدخول أروقة الحكم بشكل مشروط، في ضوء تنامي قوى الإسلام السياسي الأكثر تهديدًا للنظام. وبدأت بعض الملفات الحساسة، كالاعتقال السياسي والتعذيب الوحشي والاختفاء القسري في المعتقلات والمخافر السرية (تازمامارت، وأكدز، وقلعة مكونة، ودرب مولاي علي الشريف، ودار بريشة...إلخ) في الظهور في أعمال صحفية وكتب.

وبدأ الملك الحسن الثاني إصلاحاته في مجال حقوق الإنسان بتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990،[13] وخلق وزارة حقوق الإنسان في 11 شباط/نوفمبر 1993 لإعداد وتنفيذ سياسة الحكومة المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والمساهمة في إرساء دولة القانون. وصدر قرار عفو شامل في 9 تموز/يوليو 1994. وبعد عدة سنوات قرر الملك محمد السادس أن تقوم هيئة التحكيم المستقلة للتعويض المترتب عن الضرر المادي والمعنوي للضحايا وأصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختطاف القسري والاعتقال التعسفي، وعائلاتهم  في عام 1999 ليبدأ التعامل العلني مع ملفات ضحايا سنوات القمع الطويلة. وأصدرت اللجنة 8000 قرار تحكيم للتعويضات بنهاية عملها في 2003. وتلقَّت اللجنة انتقادات بسبب اقتصار عملها على التعويضات المالية، دون الأخذ في الاعتبار مفهوم "جبر الضرر" كما أنها لم تسمح بوجود آلية للطعن في قراراتها، وافتقرت معاييرها للوضوح مما نتج عنه فوارق كبيرة في المبالغ الممنوحة لضحايا الانتهاكات.

وجاءت الخطوة الأهم مع إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة في 2004 من أجل تقصي انتهاكات الماضي الجسيمة، لا سيما ما تعلق منها بالاختفاء القسري والاعتقال التعسفي. وإثر انتهاء مدة عمل الهيئة، رفع رئيسها إدريس بنزكري تقريره الختامي وشمل توصيات من أجل ضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، وإصلاحات لازمة في المؤسسات المعنية وخلق استراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب. وشددت الهيئة على أن توطيد دولة القانون يتطلب إصلاحات في أجهزة الأمن ومؤسسات العدالة والتشريعات.

ومرت سنوات عديدة على صدور توصيات الهيئة ولم يتم تنفيذ قسم كبير منها، خصوصًا ما يتعلق بجبر الضرر الجماعي أو الكشف عن مصير كل المختفين قسريًّا أو وضع استراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب. وتحجج حقوقيون مغربيون بأن الغرض الرئيسي لهيئة الإنصاف لم يتحقق؛ وهو العمل على ألا يتكرر ما حدث خلال عقود القمع المنهجي من جانب الدولة، وخصوصًا فيما يتعلق بتعامل الدولة مع المعارضين السياسيين وظروف الاحتجاز واللجوء للتعذيب والاختفاء القسري.

وانتقدت منظمة العفو الدولية في تقريرها، الوعد الضائع، ما تمخض عنه عمل الهيئة بعد سنوات من نهايته، حيث أقرَّت بأن تشكيل الهيئة في حد ذاته كان إشارة "تعكس إرادة سياسية قوية لدى أعلى مستويات الحكم للتصدي لتركة الماضي" ولكن عملها ونتائجه "اعتورته تراجعات خطيرة تفسر ولو جزئيًّا عجزها عن الوفاء بجميع وعود الإنصاف والمصالحة التي قُطعت. فاختصاصات الهيئة وصلاحياتها لم تشمل جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي اقترفت ما بين 1956 و1999، كما اُستثني من عمل الهيئة مسألة تحديد المسؤولية، وتحديد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان." [14] وعلى رغم أن الهيئة تصدت لقضايا أوسع من نطاق صلاحياتها إلا أنها لم تتمكن من معالجة قضيتين رئيسيتين في توصياتها، أو في الطريقة التي تولى بها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان تنفيذ هذه التوصيات في السنوات التالية، وهما محاسبة مقترفي الانتهاكات وإصلاح الإطار القانوني والمؤسسي الذي سمح بوقوعها لمنع تكرارها.

وكان إنشاء المجلس الاستشاري في سنة 1990، جزئيًّا، رد فعل من الملك الحسن الثاني على الانتقادات المتصاعدة لسجل انتهاكات نظامه لحقوق المعارضين السياسيين خصوصًا، وحقوق الإنسان عمومًا، وذلك في سياق دولي اكتسبت فيه مقولات وقضايا حقوق الإنسان أهمية مضاعفة مع سقوط حائط برلين في أواخر 1989 ونهاية حقبة الحرب الباردة، وهي تغيرات بات المغرب معها آنذاك يجد نفسه "في وضع المدافع " عن سجل حقوقي مزرٍ.

ونظرت الدولة في عقد التسعينيات في إعادة ترتيب المجال السياسي تحت شعار "ترسيخ دولة الحق والقانون"، وهي تنظر في نفس الوقت بحرص إلى صورة المغرب في المجتمع الدولي المعني أكثر، عقب نهاية الحرب الباردة، بمسائل حقوق الإنسان والديمقراطية، ولذا حرصت على خلق الآليات المؤسسية المشار إليها أعلاه. ودخلت المعارضة اليسارية للحكم مع نظام التناوب التوافقي في 1998.

ولكن فترة الانفتاح المحسوب تعثرت مع ظهور ونمو خطر الإرهاب بدءًا بتفجيرات سنة 2003 الدامية في الدار البيضاء، وما تلاها من إجراءات أمنية من أجل تفكيك الخلايا المتهمة بتنفيذ أو التخطيط لأعمال عنف في عدد من المدن المغربية، حتى سنت الدولة قانون الإرهاب في عام 2003. ولم تكد هذه السنة تنتهي حتى كان هناك نحو 2000 شخص محتجزين على ذمة هذا القانون، الذي جري توظيفه أحيانًا في كبح المد الحقوقي، واستغلته مؤسسات أمنية في تقوية نفوذها وللترهيب، واُستخدم ضد صحفيين وناشطين وحكم على بعضهم بالسجن حتى بعد حراك 2011 (مثل ما تعرض له الصحافي علي أنوزلا من محاكمة وحجب لموقعه الإلكتروني "لكم").[15]

ومع ذلك غيَّر الحراك الشعبي المفاجئ في  20 شباط/فبراير المعادلة السياسية مرة أخرى، وكان دستور 2011  رد فعل على احتجاجات تركزت على مطالب تحقيق العدالة الاجتماعية، وتأمين الخدمات الأساسية في مجالات مثل التعليم والصحة، واستقلال القضاء. وعبر الحراك عن غضب شعبي عام تجاه " الحُكْرَة" أي الإذلال والتهميش، كما فضح الممارسات اليومية للمحسوبية والمزايا والتسهيلات المتوفرة لفائدة المحظوظين وكشف المضايقات والمنع والصعوبات الحاصلة في إقرار حقوق الغالبية العظمى في المجتمع.[16]

وكما ساهمت الحركة الحقوقية في دعم ومواكبة تجربة العدالة الانتقالية والتنبيه لقضايا المرأة والطفل ومشكلات السجناء ومسألة الحريات العامة والفردية، فقد لعبت دورًا في سياق التعديل الدستوري لسنة 2011، مدعومة بصوت الشارع المغربي من أجل تضمين العديد من الحقوق والحريات في الدستور وتعزيز النقاشات حول تنزيل الدستور في القوانين.

 

محددات العلاقة بين الدولة والحركة الحقوقية

لمقاربة علاقة الحركة الحقوقية بالدولة، يمكن تصنيف المنظمات والفاعلين الحقوقيين الرئيسيين على أساس المرجعية التاريخية والأيديولوجية وسياق التطور. ومن هذا المنطلق، تنقسم الحركة إلى ثلاثة أجيال من الفاعلين:

  1. جيل العصبة المغربية لحقوق الإنسان  و الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهو جيل ارتبط بتيارات سياسية معارضة دخلت حقوق الإنسان من باب السياسة ومن أجل الضغط على الدولة. وكان معظم نشطاء هذا النوع معتقلين سياسيين سابقين حوصروا في عملهم السياسي إبان سنوات الرصاص،[17] ووجدوا في العمل الحقوقي مدخلاً لنقد السلطة، ودفعها نحو تبني منظومة حقوق الإنسان وإن اعتنق بعضهم فيما بعد، مثل إدريس بنزكري، موقفًا حقوقيًّا خالصًا. وانضمت لهذا الجيل لاحقًا المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
  2. جيل حقوق الإنسان الاحترافي، الذي مارس العمل الحقوقي وفق معايير دولية دون خلفية سياسية، وسعى لرصد الاختراقات الموجودة وتنبيه الدولة إلى تفاديها، مثل جمعية عدالة. وتنضوي جمعيات هذا الجيل تحت الائتلاف المغربي لهيئات ومنظمات حقوق الإنسان الذي يضم 22 منظمة ومنها المنظمات الثلاث الكبرى من الجيل الأول.[18]
  3. وهو جيل أو تيار ارتبط بالتوجه الإسلامي مثل منتدى الكرامة المقرب من حزب العدالة والتنمية. ويبدي هذا التيار تحفظات على كونية وشمولية شرعة حقوق الإنسان، ويعتمد مزيجًا من المرجعية الدولية لحقوق الإنسان مع مرجعية إسلامية في الوقت نفسه. ولذا، على سبيل المثال، يعارض هذا التيار الغاء حكم الإعدام ويتحفظ على حقوق المساواة بين الرجل والمرأة وهي قضايا لا يزال جزء من الدولة يطبق فيها فهمه لمقتضيات الشريعة الإسلامية المتفقة مع موقف المنتدى.

ووسط هذه المنظمات تبرز الجمعية المغربية لحقوق الإنسان كأحد أهم الجهات الفاعلة الرئيسية للتعبئة الاجتماعية من خلال غزوها للفضاء العام، منذ نشأتها، وهو ما يجعلها ذات تأثير كبير وضغط متواصل على الدولة،[19] ما يجعل الأخيرة تضيّق على الجمعية وتحاصر أنشطتها ونشطائها وتسعى لإضعاف عملها ومصداقيتها.

وفي علاقتها عمومًا بالحركة الحقوقية تصدت الدولة في مرحلة أولى للمد الحقوقي وواجهته، قبل أن تتبنى جزءًا منه في سياق انفتاحها في التسعينيات على مقولات ومبادئ حقوق الإنسان، وإن ظلت العلاقة قلقة يشوبها مد وجزر.

وبعد سنة 2011 ومع انتشار رقعة المطالب المجتمعية تحولت الحركة الحقوقية تدريجيا من التركيز على الحقوق السياسية والمدنية لتشمل طائفة أخرى من الحقوق وخاصة الاقتصادية والاجتماعية كما تبنت الحركة سبلًا جديدة للتعبير دعمها بروز آليات جديدة للضغط كوسائل التواصل الاجتماعي.

وتنوعت مواضيع الاحتجاج الحقوقي فشمل التظاهر ضد ارتفاع فواتير الماء والكهرباء والمطالبة بتوسيع هامش الحريات الفردية والتصدي للمحاكمات الأخلاقية (الملبس، والعلاقات الجنسية الرضائية) والمطالبة بالشغل، والكشف عن حقيقة انتهاكات الماضي وتصفية ملفات سنوات الرصاص في عملية عدالة انتقالية حقيقية، والإقرار بالحقوق الثقافية (الأمازيغية) ومناهضة العولمة والتبعية لصندوق النقد الدولي (جمعية أطاك المغرب) وفضح الرشوة والمناداة بمحاسبة المتورطين  بالفساد (جمعية ترانسبرنسي المغرب).

واتسعت دائرة وهامش الاحتجاج، وأُقرَّت العديد من الحريات فيما يتعلق بحرية التنظيم لفاعلي الحركة الحقوقية في السنوات القليلة التالية على حراك 2011، فمنحت الحكومة وصولات الإيداع القانونية في آذار/مارس 2015 لنحو 32 جمعية وسوَّت أوضاع 24 جمعية للمهاجرين المقيمين في المغرب.[20] وكان امتناع الجهات الإدارية في الحكومة عن تلقي أوراق التسجيل القانونية لهذه المنظمات أو فروعها (ما يعرف بوصولات الإيداع) أحد التقنيات المتبعة كثيرًا لوضع نشاط هذه الجمعيات في منطقة رمادية قانونيًّا دون رفضها صراحة. ودخل قانون جديد حيز التنفيذ،[21] يمنع المحاكمات العسكرية في حق المدنيين. واعترفت السلطات للمرة الأولى بمنظمة حقوقية في الصحراء (الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان) يقودها أشخاص ينتقدون النظام صراحة، كما منح المغرب وضعًا قانونيًّا مؤقتًا لطالبي اللجوء المعترف بهم من قبل الأمم المتحدة، وآلاف المهاجرين الباحثين عن فرص اقتصادية، في انتظار إجراء مراجعة شاملة لقوانينه بشأن حق اللجوء وإقامة الأجانب على التراب المغربي.

لكن السلطات فرضت عراقيل إدارية تعسفية أحيانًا. وعلى سبيل المثال، عرقلت جهود الصحفي علي المرابط في تسجيل أسبوعية ساخرة جديدة بعدما أنهى حكمًا منعه لمدة 10 سنوات من مزاولة مهنة الصحافة في المغرب، وصادرت الشرطة في الرباط أشرطة لصحفيين من تلفزيون فرنسي في 16 شباط/فبراير 2015، وطردتهما على أساس أنهما كانا يصوران بدون ترخيص.[22] وعادت بعض الأساليب البوليسية القديمة ضد مناضلين حقوقيين؛ سواء عن طريق التدخل المباشر وتلفيق تهم ضدهم تدخل في إطار الحق العام أو التضييق والتجسس أو بالوكالة عن طريق مجرمين (بلطجية) كما تم تشديد القيود على منظمات حقوق إنسان وطنية ودولية. وتسامحت السلطات في كثير من الأحيان مع مظاهرات احتجاجية، لكنها منعت بشكل منهجي تجمعات متعددة في مناطق معينة منها الصحراء خاصة إذا تعلق الأمر بمطلب تقرير المصير.

وابتداءً من 2014 اعتُقلت مجموعة ممن قادوا الحراك الشبابي خصوصًا في المناطق الشمالية، الريف، وأُحصي أكثر من 200 معتقل بين الحسيمة وتازة وبني بوعياش والقصر الكبير والعرائش، كما قُتل قيادي يساري في ظروف مشبوهة في هذه المنطقة. وفُتح تحقيق لم تعرف نتائجه بشأن  قتل خمسة شبان أُكتشفت جثثهم في حريق التهم البنك الشعبي بالحسيمة. وشُنت هجمة شرسة ضد بعض الهيئات، خصوصًا الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حيث مُنعت الأخيرة من تنظيم نحو أربعين نشاطًا خلال شهر واحد، دون تطبيق القواعد الجاري العمل بها من طرف الإدارة. وتدَّعي الجمعية أن هناك 168 إجراء منْع طال الجمعيات الحقوقية بين 2014 و 2016. وتم منع أنشطة بعض الجمعيات دون مبرر قانوني.

واستمرت السلطات في الامتناع عن التسجيل القانوني لعدد من منظمات حقوق الإنسان، وفي نهاية 2015 ظل 41 من أصل 97 فرعًا محليًّا للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في وضع قانوني غير واضح بسبب رفض السلطات المحلية قبول طلبات تسجيلها أو إعطاء إيصالات بتسلم ملفاتها[23] أو مطالبتها بوثائق غير منصوص عليها في القانون أو تأخرها في تسليم وصولات الإيداع المؤقتة أو النهائية. وأحيانًا جرى حرمان بعض الجمعيات من وصولات التأسيس أو التجديد.[24]

وهناك 14 جمعية حقوقية غير حاصلة على ترخيص من جانب  وزارة الداخلية، أبرزها جمعية الحرية الآن حيث صدر في حقها حكمًا بعدم قبول دعواها ودعم قرار الولاية المعنية  التي رفضت تسلم ملف التأسيس. ولا يتم تعليل المنع في حالات متعددة وترفض السلطات تسليم قرارات مكتوبة حتى لا يتمكن أصحاب المصلحة من الطعن أمام المحاكم. وفي 15 شباط/فبراير 2015 اقتحم رجال الأمن مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان دون إذن مكتوب أو قرار قضائي. وهوجم بعض قياديي الجمعية ومنهم عبد الحميد أمين وخديجة الرياضي، وآخرين مع تهديدهم عدة مرات.[25]
ومنعت السلطات مدافعين عن حقوق الإنسان من مغادرة المغرب لحضور فعاليات خارج البلاد، وأخضعتهم للاستجواب.

 وفي شباط/نوفمبر 2015 حوكم سبعة من نشطاء المجتمع المدني، ومنهم المعطي منجب، وهو مؤرخ وأحد مؤسسي منظمة الحرية الآن، بتهم متعددة من بينها المس بأمن الدولة، وتدريب أشخاص على العمل الصحفي باستخدام الهواتف الذكية، وواجهوا اتهامات تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات في حال إدانتهم. وحظرت السلطات فعاليات ثقافية، منها عرض مسرحي حول المهاجرين الأفارقة في المغرب، ومُنِع مغني الراب "الحاقد" من تقديم عروضه الفنية، وزُجَّ به في السجن بتهمة بيع تذاكر لمباراة في كرة القدم في السوق السوداء، قبل أن ينتهي به المطاف لاجئًا سياسيًّا في بلجيكا. فيما امتدت المراقبة إلى الانترنت عن طريق اختراق وقرصنة حسابات شخصية وصفحات فيسبوك لصحافيين ونشطاء حقوقيين، وهي أنشطة مُجرَّمة قانونيًّا ولم يتم التحري عنها أو معاقبة مرتكبيها.[26]

وعلى مستوى المجتمع السياسي دارت مواجهة بين المحافظين الإسلاميين الممثَّلين لحزب "العدالة والتنمية" في الحكومة والبرلمان والحداثيين المنضويين تحت لواء حزب الأصالة والمعاصرة والحركة النسائية ونشطاء 20 فبراير وبعض مكونات الكتلة الديمقراطية (مثل الاتحاد الاشتراكي وفيدرالية اليسار) الذين تخوفوا من التضييق على الحريات والتغاضي عن خطابات التكفير والدعوة للعنف ضد النشطاء الحقوقيين.[27] وثارت حفيظة منظمات حقوقية انتقدت مقولة رئيس الوزراء التابع لحزب العدالة التنمية  "عفا الله عما سلف" بشأن ماضي الانتهاكات الحقوقية.              

وتصدت الحركة الحقوقية النسوية لاستفحال ظاهرة اغتصاب الأطفال والاعتداء عليهم، وطالبت بتعديل مواد في القانون الجنائي تقضي بزواج المغتصَبة القاصر من مُغتصِبها.[28] و عبرت الحركة النسائية عن إحباطها بسبب عدم المضي قدمًا نحو إرساء المساواة ورفع التمييز والعنف عن النساء. وعلى الرغم من ضمان وجود اللغة الأمازيغية في دستور 2011 وإقرارها لغة رسمية فما تزال مطالب هذه الحركة مهمشة.

ولجأت الجمعيات الحقوقية إلى العديد من  الوسائل الاحتجاجية، وفضلاً عن التعبئة والتنبيه فقد أرسلت خطابات وأصدرت بيانات وقدمت مسودات إلى رئاسة الحكومة أو إحدى قطاعاتها ووكلاء الملك ورؤساء المحاكم والهيئات المعنية. وقامت جمعيات بمؤازرة ضحايا الانتهاكات الحقوقية وتوفير التوجيه والإرشاد القانوني، وإنابة المحامين، علاوة على إصدار تقارير سنوية حول وضعية حقوق الإنسان تنتهي إلى توصيات للدولة والمجتمع الدولي. ولجأت جمعيات حقوقية، إما بشكل أحادي أو إلى جانب هيئات وطنية ودولية أخرى، إلى إصدار تقارير حول واقع حقوق الإنسان بشكل عام أو بخصوص حالات معينة، قدمتها إلى مجلس حقوق الإنسان أو اللجان الخاصة بمراقبة الالتزام بالمعاهدات الدولية. وغالبًا ما طعنت التقارير الموازية في التقارير الرسمية للدولة، وكشفت تناقضاتها فيما يتعلق بتنفيذ المعاهدات والالتزامات الدولية.

ومن أهم التقارير التي كلفت المغرب غاليًا تقرير ظل من جمعيات حقوقية تناول معتقل تازمامارت، حيث كشف واقع الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري التي كانت تنكرها الدولة في كل مناسبة أمام وسائل الإعلام والمجتمع الدولي.[29] وشكى مسؤولون حكوميون مثل وزير حقوق الإنسان السابق محمد زيان أن بعض الجمعيات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني، بحكم ارتباطاتها الحزبية، تقدم تقارير إما للضغط على الحكومة لتحقيق امتيازات أو الحفاظ عليها أو إرضاء لوجود أحزابها داخل الحكومة، وبالتالي لا تقوم بدورها كاملاً بحيادية في هذا الاتجاه.[30]

 

المجلس الوطني لحقوق الإنسان

تحول المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى مجلس وطني سنة 2011، بعد انتهاء فترة عمل هيئة الإنصاف والمصالحة.[31] ومقارنة بالمجلس السابق عليه، توسعت اختصاصات المجلس الوطني، بصفته هيئة مستقلة وتموِّله خزينة الدولة،[32] في مجال حماية الحريات الفردية والجماعية للمواطنين، لا سيما من خلال النص على التدخل الاستباقي، وكذا إرساء الاختصاص الجهوي عبر إحداث 13 لجنة جهوية لحقوق الإنسان في كامل المملكة. ويمارس المجلس اختصاصاته عن طريق الرصد وتلقي الشكاوى والوساطة والتحقيقات والتحريات، علاوة على إعداد تقرير سنوي وتقارير متخصصة أو موضوعاتية تعرض مباشرة على الملك. ويمكن للمجلس التدخل بوصفه آلية للتحذير الاستباقي في كل حالة توتر كفيلة بالتسبب في انتهاكات لحقوق الإنسان واتخاذ مبادرات وساطة أو مصالحة بهدف تفادي مثل هذه الانتهاكات.

ويحق للمجلس بوصفه مؤسسة وطنية، زيارة مراكز الاعتقال والاحتجاز ومراقبة ظروف السجناء،  كما يحق له دراسة مدى ملاءمة النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل مع المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان وبالقانون الدولي الإنساني في ضوء الملاحظات والتوصيات التي تتقدم بها هيئات المعاهدات والمشاركة في وضع الآليات المنصوص عليها من طرف المؤسسات الدولية ذات الصلة. ويساهم المجلس في إعداد التقارير الوطنية المقدمة لهيئات المعاهدات ويشجع الحكومة على مواصلة تطبيق ملاحظاتها النهائية وتوصياتها ويساهم في مراقبة العمليات الانتخابية.
ويرأس المجلس إدريس اليزمي، وهو صحافي سابق عاش معارضًا في المهجر(فرنسا) قبل أن يعود عام 2005 من أجل العمل على مشروع العدالة الانتقالية مع رفاق آخرين، سبقه منهم إدريس بنزكري المعتقل اليساري السابق بين سنوات1977 و 1991 وأحمد حرزني المثقف والناشط المدني في مجال الانتقال الديمقراطي.

ويوجد في المجلس الوطني 30 عضوًا، يُعينون لأربع سنوات قابلة للتجديد، ويُراعى فيهم التعددية والكفاءة والخبرة وتمثيل المرأة والتمثيل الجهوي. ويتم اختيار الأعضاء من بين الشخصيات العامة التي تمثل قطاعات المجتمع المختلفة مثل أعضاء الجمعيات الأهلية والنقابات والبرلمان ومن أعضاء سلك القضاء وأساتذة الجامعات وخبراء مغاربة لدى الأمم المتحدة. ويعين الملك ثمانية من الأعضاء بينما تقترح المنظمات غير الحكومية 11 عضوا وتأتي بقية الترشيحات والتعيينات من رئيسي غرفتي البرلمان، ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين والهيئات الدينية العليا، والودادية الحسنية للقضاة. وقد انتقد سياسيون ومثقفون ما إقصاء ممثلي حزب العدالة والتنمية والحركة الأمازيغية واتحاد كتاب المغرب من عضوية المجلس الجديدة، ودعا البعض لمقاطعة المجلس.

وعلى المستوى القانوني ينظم المجلس ظهير[33](مرسوم ملكي) يحتوي على 25 مادة تميز وتدقق الاختصاصات في مجال الحماية (10 مواد) ومجال النهوض بحقوق الإنسان (12 مادة) ومجال إثراء الفكر والحوار حول حقوق الإنسان والديمقراطية ( 3 مواد). ويمكن للمجلس الوطني التفاعل مع الجهاز التشريعي، حيث تنصُّ المادة 24 على حق رئيس المجلس في أن يقدم "أمام كل من مجلسي البرلمان في جلسة عامة عرضًا يتضمن ملخصًا" لتقارير المجلس. ويتعين على البرلمان السماح للمجلس بالحضور والمشاركة في أشغال اللجنة البرلمانية التي تندرج مسألة حقوق الإنسان ضمن اختصاصاتها وأن يساهم المجلس في بناء قدرات الأطر العاملة في البرلمان في مجال حقوق الإنسان.
وفي بعض الأحيان يبدو المجلس جريئًا حين يطالب مثلاً بالمساواة في مسألة الإرث بين الرجال والنساء، وإلغاء عقوبة الإعدام، أو انتقاده لعمل الحكومة ومجلسي البرلمان وتقديم مقترحات متعلقة بتسريع إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالدستور.

وقد تعرض المجلس الوطني لانتقادات جمة، وعاب عليه البعض أنه  ''لا تحركه إلا التعليمات وتغيب عنه المبادرة والتدخل في القضايا المستجدة.''[34] بيد أن البعض يعتقدون أن المجلس الوطني لعب دورًا مهمًا في الاشتغال على مقترحات قوانين، وإعطاء الاستشارة للدولة في عدد من المجالات، كما أنه تحلى بالشجاعة في التدخل في المحرّم السياسي، مثل موضوعي الإجهاض والإرث، مما جعله يواجه انتقادات حادة قبل أن تتدخل رابطة علماء المغرب وتساند توصية المجلس بالمساواة في الإرث بين الجنسين. ويعيب حقوقيون على المجلس أحيانًا أنه يقدم وجهة نظر الدولة على أنها "الحقيقة" فيما يخص قضايا مختلف عليها.[35]

عمليًّا تبقى تقارير المجلس ودراساته إيجابية واحترافية في أحيان كثيرة لكن توصياتها ليست إلزامية. ولا يتحمل المجلس بمفرده ضعف تأثيره حيث ان البرلمان لا يقر العديد من مقترحاته.[36] ويظل من بين حسنات المجلس أنه يقوم بعمله بمنهجية وقدر عال من المهنية، وأنه قد ساهم في استكمال بعض ملفات العدالة الانتقالية في المغرب وقام بجهود كثيرة لرفع الوعي العام بالآليات القانونية للحماية من التعذيب وتطوير منظومة حقوق الإنسان في المدارس والجامعات وربطها بالثقافة والفنون، من خلال التنظيم أو التمويل أو المشاركة في ندوات وورش وعروض فنية متعلقة بمجال حقوق الإنسان. كما يظل المجلس، على الرغم من هشاشته البنيوية والمعوقات الموضوعية، قوة تثقيفية واقتراحية كبيرة في المجتمع والدولة.

 

خاتمة

تفاعلت الدولة المغربية بجدية مع منظومة حقوق الإنسان منذ بدايات التسعينيات بسبب نضالات داخلية وتطورات عولمية. وفي نفس الوقت تطورت المنظمات الحقوقية وتخففت إلى حد ما من إرث سياسي ثقيل. وانتقلت الحركة الحقوقية المغربية من صفوف معارضة النظام في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى التشكك مع بداية انفتاح الدولة ومسعاها لاحتواء الجسم الحقوقي في التسعينيات، إلى اقتراح سياسات وبدائل ونقد السياسات القائمة في سياق تنامي المطالب الاجتماعية والقطاعية والفئوية داخل المجتمع المغربي في الأعوام العشرة الماضية وخصوصا بعد حراك 2011.ولا توجد قطيعة في الزمن بين هذه المراحل حيث ان بعض المنظمات تقوم بدورين أو أكثر من هذه الأدوار.

وعلى رغم تلكؤ الدولة في أحيان كثيرة أمام المد الحقوقي، إلا أن الحركة الحقوقية استطاعت أن تجد لها حيزًا واسع الانتشار سمح لها بالتعبير عن مطالبها الأساسية. وعلى الرغم من المعوقات الذاتية والموضوعية، فإن تأثير أدوار المجتمع المدني يتزايد. ولم يعد دور الجمعيات الحقوقية محصورًا في الاحتجاج والمؤازرة والترافع، وإنما أصبحت تمثل مجالاً خصبًا للمقترحات والمبادرات التشريعية، وعاملاً ضاغطًا لتوجيه وتعديل العديد من السياسات والقرارات.

ومن ناحيتها عززت الدولة (وتحديدا القصر) مع دستور 2011 ضمانات قانونية لحماية العديد من الحقوق الأساسية والحريات العامة.  إلا أنه على مستوى التشريعات والنصوص التطبيقية لا يزال هناك مجال خلافي كبير يتعين العمل عليه من أجل ضمان شمولية الحقوق وعدم تجزئتها. فما يزال القانون الجنائي المغربي يتضمن بنودًا مثل المادة 219 التي تجرم "الإساءة إلى الله، وازدراء الأديان، وزعزعة ولاء المواطنين للدولة " الأمر الذي يخالف الدستور وتعهدات المغرب الدولية الضامنة لحرية العقيدة والرأي.

لا يكفي أن يكون هناك دستورًا جديدًا يُعتبر الباب الثاني منه ميثاقًا للحقوق والحريات، وأن تُعزز الدولة وضعيتها الاتفاقية على المستوى الدولي، وتنظم ورش عمل للإصلاح وتسن تدابير لمكافحة التعذيب وتحسين ظروف عيش المواطنين ما لم يكن هناك محاسبة حقيقية. ولن تتعزز حقوق الانسان في المجتمع وداخل مؤسسات الدولة دون أن تصبح المنظمات والمدافعين والمدافعات المعنيين جميعهم بحقوق الإنسان شركاء في رسم السياسات وسدًّا منيعًا أمام تكرار الانتهاكات الجسيمة وضمان الالتزام الفعلي للدولة خطابًا وممارسة بمعايير وثقافة حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من هذه الصورة المختلطة، إلا أن من الواضح  أن حراك 20 فبراير قد أنعش الحركة الحقوقية والمقاربة الحقوقية للسياسة والسياسات ومعالجة المشكلات الاجتماعية في المغرب. ولم يكن هذا الحراك لحظة ميلاد فحسب بقدر ما كان تتويجا لنضال دام سنوات من اجل وضع نهاية سلمية وتدريجية لمنطق النظام السلطوي المسيطر لصالح عقد اجتماعي قائم على أساس المواطنة والحقوق بين المجتمع والدولة. وهذا أمل لم يعد بعيد المنال.


[1] منذ 1992 بدأت النخبة الحاكمة  التدبر في تحولات سياسية يقودها الملك الحسن الثاني وتشمل إصلاحات سياسية وديمقراطية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتوسيع نطاق الحريات العامة، وإشراك أطراف المعارضة التقليدية في تدبير الشأن السياسي للبلاد، وانتهاء بإجراء تعديل دستوري. وامتد النقاش والإجراءات التدريجية وصولا الى عام 1998 حيث عين الملك في منصب الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي، ولكن في اطار اتفاق على التناوب في الحكم. ويعني التناوب، الذي لم يُدم سوى أربع سنوات، ألا يكون الوزير الأول (رئيس الوزراء) بالضرورة من حزب هو صاحب الأغلبية التشريعية.

[2]  Mohamed Mouaqit, Le Mouvement des droits de l’homme au Maroc: Du Makhzen à l’Etat de droit, Annuaire de l’Afrique du nord, Tome XXXIV, 1995, p. 27.

[3] Susan Slymovic, The Performance of Human Rights in Morocco, Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2005, p. 21.

[4] حوار مع أحمد الهايج، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بتاريخ 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016.

[5] Mohamed Mouquit, Le Mouvment. p. 27.

[6] محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان،  كتاب في جريدة، العدد 29،  2006.

[7] نور الدين الزاهي، "المغاربة والاحتجاج"، وجهة نظر، العدد 19-20، 2003، ص 11.

[8] محمد ضريف، حقوق الإنسان بالمغرب: دراسة في القانون العام المغربي، 1994، ص 17.

[9] في اواخر مارس 1965 خرج تلاميذ المدارس والثانويات في الدار البيضاء في مظاهرات احتجاجا على منشور وزير التعليم يوسف بلعباس الذي قضى بأن يُطرد التلاميذ الذين تجاوزوا سنًا معينة لعدم التحاقهم بمستوياتهم في السن المحدد وحرمانهم من اجتياز شهادة البكالوريا.

[10] أُعلنت حالة الاستثناء في 7 حزيران/يونيو 1965 لأسباب عديدة كان أخرها ظاهريًا تمرد نواب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ورفضهم ارتداء الزي التقليدي في الجلسة السنوية التي يديرها الملك، وتقديم ملتمس الرقابة (طلب بالتصويت لحجب الثقة) من طرف المعارضة سنة 1964 لإسقاط حكومة أحمد باحنيني، والمصادقة على مقترح قانون قدمه حزب الاستقلال لتعديل قانون الصحافة لمنع الأجانب من إصدار الصحف بالمغرب، بل ومحاولة مجلس النواب المصادقة على تشريعات جريئة مثل قانون "من أين لك هذا؟" واستمرت حالة الاستثناء خمس سنوات.

[11] وقعت المحاولتان الانقلابيتان في عامي 1971 و1972. وكانت الأولى في القصر الملكي بمدينة الصخيرات وتزعمها الكولونيل محمد اعبابو قائد مدرسة هرمومو العسكرية والجنرال محمد المذبوح. وجرت محاولة لاغتيال الملك في ذكرى عيد ميلاده الثاني والأربعين. ووقف وراء المحاولة الثانية وزير الدفاع الجنرال محمد أوفقير، ونفذها أفراد من سلاح الجو المغربي حاولوا اسقاط طائرة البوينغ الملكية القادمة من برشلونة وعلى متنها الحسن الثاني.

[12] كانت أحداث مارس 1973 آخر الثورات ضد نظام الحسن الثاني. ووقعت في منطقة " مولاي بوعزة" بمدينة خنيفرة حيث طاردت قوات النظام المتمردين قرابة ستة أشهر. وكانت هذه المواجهات ذروة معارضة سياسية تزعمها عبد الرحيم بو عبيد من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وآخرون يخططون لعمل ثوري بقيادة الفقيه البصري وسعيد بونعيلات  وعبد الرحمن اليوسفي. وكان المغرب قد شهد محاكمات انتهت بإصدار أحكام بالإعدام (مراكش سنة 1971) زادت من حنق عدد من القيادات داخل تنظيم سري ساعد في إرسال مجموعة من المغاربة إلى معسكرات تدريبية في الشرق العربي، من أشهرها مخيم الزبداني في سوريا الذي ضم العشرات من المغاربة الراغبين من جهة في القيام بالعمليات الفدائية ضد المصالح الإسرائيلية ومن جهة أخرى في العودة إلى المغرب من أجل التخلص مما عرّفوه بالنظام الرجعي.

[13] تمكن المجلس الاستشاري من تعزيز حقوق الإنسان في المغرب جزئيا حيث خلق آليات وثقافة للعمل مع شركاء من قطاعات حكومية ومجتمع مدني ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية وفاعلين آخرين سواء فيما يخص التشاور والحوار حول عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، أو متابعة توصياتها أو النهوض بثقافة حقوق الإنسان.

[14] منظمة العفو الدولية، "الوعد الضائع"، ص. 5-6.

[15] Omar Ben dourou, Les droits de l’homme dans la constitution marocaine de 2011 La Revue des droits de l’homme, Revue du Centre de recherches et d’études sur les droits fondamentaux année, 2014, p.19.

[16] Béatrice Hibou, Le mouvement du 20 février, Le Makhzen et l’antipolitique. L’impensé des réformes au Maroc, Sciences Po CERICNRS, 2011, pp. 1-2.

[17] سنوات الرصاص مصطلح متداول في المملكة المغربية، ويُشار به إلى فترة بين ستينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين. وشهدت تلك الحقبة التاريخية، بعد قصف منطقة الريف، انتهاكات واسعة ضد المعارضين السياسيين من اعتقال بدون محاكمة، إلى سرية أماكن الاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب.

[18] ويضم التحالف  الشبكة المغربية لحماية المال العام، جمعية الريف لحقوق الإنسان، نقابة المحامين بالمغرب، المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، الجمعية الطبية لتأهيل ضحايا التعذيب، جمعية هيئات المحامين بالمغرب، العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، منظمة العفو  الدولية- فرع المغرب، المرصد المغربي للحريات العامة، الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة، جمعية عدالة، منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، منظمة حريات الإعلام والتعبير، الهيئة المغربية لحقوق الإنسان، المرصد المغربي للسجون، الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، الجمعية المغربية للدفاع عن استقلال القضاء، مرصد العدالة بالمغرب، المركز المغربي لحقوق الإنسان، والرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان.

[19] Abderrahman Rachik, Nouveaux mouvements sociaux et protestations au Maroc, IRES, 2010,  p. 37.

[20] جمعية عدالة، تقرير مواز مقدم الى مجلس حقوق الانسان في جنيف في 25 تشرين الاول/أكتوبر 2016.

[21] أخرج القانون رقم 13-108 المدنيين من سلطات واختصاص المحكمة العسكرية، إلى جانب ما نص عليه من إحالات للعسكريين أنفسهم إلى القضاء العادي في حالة ارتكابهم مخالفات وجرائم تتعلق بالحق العام، فضلا عن منع القضاء العسكري من محاكمة كل من يقل عمره عن 18 سنة مهما كانت الجريمة التي ارتكبها.

[22] هيومن رايتس ووتش، "التقرير العالمي 2016".

[23]  منظمة العفو الدولية، "تقرير منظمة العفو"، 2016.

[24] ومنها  الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع طنجة، و جمعية  البديل الثقافي بالقنيطرة، و جمعية  أطاك المغرب.

[25] Droits de L’Homme au Maroc ,  quelles réalités? Contre rapport dans le cadre de l’Examen Universel Périodique Conseil des Droits del’Homme aux Nations Unies, 20 November 2011, p. 9.

[26] Privacy International, Les yeux du pouvoir Rencontres avec des citoyens marocains sous-surveillance, 2015, p. 8.

[27] واجه أحمد عصيد، الباحث والناشط الأمازيغي وعضو الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان تهديدات منها تسجيلات على يوتيوب من طرف سلفي يُدعى عبد الحميد أبو النعيم

[28] يفلت المغتصب من العقاب إذا تزوج من ضحيته بمقتضى المادة 475 التي تدافع عن الأسرة والأعراف لكنها لا تأخذ في الاعتبار حق المرأة.

[29] عبد الصمد الزعلي، " المغرب في مواجهة التقارير الدولية"، جريدة المساء ،  29 كانون الأول/ديسمبر 2014.

30 مقابلة مع محمد زيان، وزير حقوق الإنسان السابق في عهد الحسن الثاني، 30 تشرين الأول/أكتوبر 2016.

[31] تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة في يكانون الثاني/ناير 2004 للبحث عن الحقيقة في انتهاكات حقوق الإنسان وإنصاف الضحايا من خلال جبر الضرر ورد الاعتبار لهم. ولم يكن للهيئة اختصاصات قضائية. من بين الانتقادات الموجهة لها أن توصياتها لم تُفعّل كلها، وأنها ساعدت على الإفلات من العقاب لعدم مساءلة المتورطين في الانتهاكات، وكونها اقتصرت على مقاربة المصالحة في جانبها المادي المتعلق بتعويض الضحايا.

[32] كرس قرار تشكيل المجلس استقلاليته ووسع من أهليته فيما يخص تنوع موارده المالية بحيث أصبح بإمكانه أن يحصل على موارد مالية من أي هيئة وطنية ودولية خاصة كانت أو عامة» وأصبح بإمكانه تحصيل مداخيل وتلقي هبات والوصايا إضافة للميزانية الخاصة المقيدة في الميزانية العامة للدولة.

[33] الظهير مصطلح قانوني مغربي يختلف عن المرسوم من حيث إن الظهير الشريف يصدره ويوقعه الملك بصفته سلطة عليا وممثلاً أسمى للأمة. ويُوقع الظهير بالتالي من جانب رئيس الحكومة ماعدا الظهائر المتعلقة بتعيين الوزير الأول والوزراء وإعفائهم، مجلس الوصاية، وحالة اﻻستثناء، والدعوة للاستفتاء، وحل البرلمان، وتعيين القضاة. أما الظهير الشريف التنفيذي فيصدره ويوقعه الملك من أجل إعطاء الشرعية التنفيذية لقانون صادر عن البرلمان.

[34] مقابلة مع محمد زيان ومقابلة مع أحمد الهايج. وفي مقابلته قال الهايج: " التجاوب مع الجمعيات الحقوقية من جانب مؤسسات الدولة ضعيف وهو نفس التجاوب الذي تلقاه مؤسسات وسيطة ... شبه حكومية ... مثلاً المجلس الوطني له صفة أن يكاتب وأن يراسل وأن يطلب إنصاف الضحايا الذين يتوجهون إليه، وكثيرًا ما لا يتم التجاوب مع مثل هذه المراسلات وحتى وإن تم هذا التجاوب فإنه يكون بمثابة شبه استجابة أي أنه إنذار للخرق والتجاوزات، ومحاولة توصيفه مخالفا للتوصيف الحقيقي له."

[35] مقابلة مع  أحمد الهايج.

[36] مقابلة مع  أحمد عصيد، الكاتب والناشط الأمازيغي، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2016.

 

الصورة: المعطي منجب، ناشط حقوقي مغربي وأحد مؤسسي منظمة الحرية الآن، يحتج على حظره مغادرة المغرب ومضايقاته من قبل الشرطة خلال اعتصام في الرباط |  تشرين الأول / أكتوبر 2015، © EPA.