الأمازيغية في المغرب مطلب عادل أم قضية مفتعلة؟
21 July 2010 , by حميد بحكاكطبعت القضية الأمازيغية في المغرب المشهد السياسي والإعلامي والثقافي والحقوقي على مدى العقدين الأخيرين، وإن كان جوهرها يمتد إلى عمق التاريخ، منذ نشوء الدولة المغربية قبل الفتح الإسلامي وبعده، وانتهاء بفترة الاستعمار وحصول المغرب على الاستقلال السياسي.
تنطلق الحركة الأمازيغية من كون اللغة والهوية الأمازيغية (اللغة الأم للمغاربة) تعرف تهميشا على المستوى الإعلامي والتعليمي والإداري. فالسكان الأصليون للمغرب هم الأمازيغ قبل الفتح الإسلامي وأغلب الأسر التي حكمت المغرب كانوا أمازيغ (المرابطون والموحدون والسعديين والمرينيين). ويمتد الأمازيغ من الحدود الليبية المصرية إلى جزر الكناري، ومن جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط إلى مالي والنيجر. وتعتبر سياسة التعريب التي تبنتها الدولة منذ الاستقلال أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تهميش اللغة والثقافة والهوية الأمازيغية. وتهدف الحركة الأمازيغية إلى إعادة الاعتبار إلى المكون الأمازيغي، لغة وهوية وثقافة على كل المستويات بجانب المكون العربي، وبالتالي فهي ليست قضية أقلية تطالب بالمساواة مع الأغلبية، كقضية الأقليات الدينية والعرقية في المشرق (الأقباط في مصر والأكراد في العراق على سبيل المثال لا الحصر)، كما أن القضية الأمازيغية لا تهم المغرب وحده بل تشمل شمال إفريقيا، أي المغرب العربي، أو "المغرب الكبير" كما يريد مناضلو القضية الأمازيغية تسميته.
وتتشكل الحركة الأمازيغية من الحركة الثقافية الأمازيغية، وهي فصيل طلابي ينشط في الجامعة، والحركة الجمعوية الأمازيغية ،والفعاليات الأمازيغية.
مراحل القضية الأمازيغية في المغرب: من الثقافي إلى السياسي
مرت القضية الأمازيغية بمرحلة التعريف بالتراث الأمازيغي على المستوى الثقافي أي الاهتمام بالنثر والشعر والغناء والتقاليد (ما يسمى بالتراث الشعبي)، وإبرازها والدعوة إلى الاهتمام بها، وإيلائها الأهمية التي تستحق. وهذه المرحلة يمكن تسميتها "الوعي بالذات"، وكان ذلك بشكل محتشم في بداية السبعينات، (تأسست أول جمعية أمازيغية سنة 1967 وهي الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي). ثم بعد ذلك بدأت عملية إنشاء الجمعيات الناشطة في هذا المجال خلال الثمانينات. وفي إطار الانفراج السياسي الدولي، الذي انعكس على المغرب في بداية التسعينات من القرن الماضي، ستوقع 6 جمعيات أمازيغية ميثاقا في 5 آب 1991/ أغسطس في مدينة أكادير( جنوب المغرب)، سمي ب"ميثاق أكادير" يعتبر بمثابة عقد ازدياد رسمي للإطار المرجعي للحقوق الثقافية واللغوية للحركة الأمازيغية .
وأثناء التحضير للتعديل الدستوري في منتصف التسعينات، وبالضبط في 22 حزيران/ يونيو 1996، تقدمت الجمعيات الأمازيغية (والتي بلغت 18 جمعية) إلى الديوان الملكي بمذكرة مطلبية تتضمن الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية بعد أن فشلت في إقناع الأحزاب السياسية بدمج مطالبها حول الأمازيغية في برامجها السياسية.
وفي سنة 2000، بلورت الحركة الأمازيغية مطالب أكثر وضوحا وجرأة وشمولية في ما سمي ب "بيان بشأن الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب" وهو بيان للتوقيع ومذكرة مطلبية مكونة من تسع مطالب المطالب : دسترة االامازيغية كلغة رسمية بجانب العربية، وليست لغة وطنية فقط - إضافة الهوية الأمازيغية بجانب الهوية العربية الإسلامية - لتنص على الانتماء المتوسطي والإفريقي - سن سياسة جهوية واحترام خصوصية كل منطقة ....إلخ
موقف الدولة : اعتراف أم احتواء
لم تقف الدولة موقف الرافض أمام مطالب الحركة الأمازيغية، كما أنها لم تلبها وفق ما تريده الحركة، بل تناولت المسالة وفق مقاربتها و إدارتها للتوازنات. وكانت القضية الأمازيغية في الجزائر قد عرفت توترات بين منطقة القبائل والسلطات الجزائرية فترة التسعينات، مما تسبب بازدياد المخاوف.
وكانت أول مبادرة للتعامل مع هذه المطالب خطاب المالك الراحل الحسن الثاني في ذكرى آب/ اغسطس 1994، اعترف فيه باللهجات الأمازيغية ( وهي ثلاث )، وأمر بتدريسها في المدارس الابتدائية، وإدماجها في الإعلام. إلا أن هذا الطلب بقي حبرا على ورق، وبعد سنتين من اعتلاء محمد السادس سدة الحكم وفي 17 تشرين الأول/ اكتوبر 2001، ألقى خطابا في منطقة أكدير، أعلن فيه عن إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، هدفه النهوض باللغة والثقافة الأمازيغية على المستوى التعليمي (بتدريس الأمازيغية في التعليم الأساسي بلهجاتها الثلاث، وقد تم الشروع في ذلك ابتداء من سنة 2003)، والإعلامي (بتقديم نشرات الأخبار باللهجات الثلاث، و إلزام القناتين العموميتين بكوتا 30 في المائة مخصصة للتراث الأمازيغي، ترفيها وتثقيفا، من خلال عقد شراكة بين المعهد والقناتين. وهناك الآن حديث عن إنشاء قناة فضائية أمازيغية في نهاية سنة 2009)، كما تم تعيين الأطر الأمازيغية التي اشتغلت على القضية الأمازيغية في العمل الجمعوي لتسيير هذا المعهد، وهو يضم عمادة و أمانة عامة ومديريات ولجان متخصصة، وله طابع استشاري، يقدم المشورة للملك وهو تابع للقصر من حيث التمويل.
كما صادق الملك محمد السادس على خط " تيفيناغ"، وهو مكون من 33 حرفا كأبجدية للغة الأمازيغية، وتم التصويت هذا الحرف بالأغلبية داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2003، وتم تفضيله على الحرف العربي والحرف اللاتيني. ويعمل المعهد الآن على معيرة اللغة الأمازيغية وتوحيدها. تتفاوت مواقف الحركة الأمازيغية من المعهد، بين التشكيك في خلفية إنشائه، أو اعتباره أداة لاحتواء القضية الأمازيغية وإفراغها من محتواها النضالي وحصرها في المستوى الثقافي والأكاديمي. كما أن هناك من رحب بالمعهد واعتبره ثمرة النضال الجمعوي للحركة الأمازيغية، وينبغي التعاون معه.
تنظيمات الحركة الأمازيغية وتياراتها
كان الحديث عن القضية الأمازيغية يعتبر "تابوها" يصعب الاقتراب منه، لأنه اقترن بالتفرقة وإثارة الفتنة، ويحيل إلى "الظهير البربري" الذي أصدرته فرنسا إبان الفترة الاستعمارية في 16 أيار/ ماي 1930، بهدف إنشاء محاكم عرفية داخل المناطق البربرية لعزلها عن المناطق الأخرى. وفي الثمانينات، بدأ تناسل الجمعيات الأمازيغية ليصل إلى مائة جمعية اليوم، مما دفعها إلى طرح هيكلة وطنية تجسدت في ميلاد "المجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الثقافية الأمازيغية"، كما أنشئ الكونغرس الأمازيغي العالمي سنة 1995 في إطار تدويل القضية، وهذا التنظيم يجمع نشطاء وتنظيمات الحركة الأمازيغية في كل من المغرب والجزائر وليبيا والنيجر ومالي( الأمازيغ في المغرب، والقبايل في الجزائر، والطوارق في النيجر ومالي) والأمازيغ عبر العالم.
كما يتبنى التيار الأمازيغي في جزء كبير منه الخطاب الحقوقي، وفق المرجعية العالمية لحقوق الانسان ويتعامل مع الدين في إطار رؤية علمانية تتفاوت درجة اعتدالها.
ويخترق التيار الأمازيغي خطاب يطرح الأمازيغية في مقابل العربية، ويعتبر العرب أو الفاتحون محتلون مستعمرون يجب طردهم. إلا أن هذا التيار معزول وهامشي، صوته أقوى من حجمه. وتتميز الحركة الأمازيغية بكونها حركة نخبوية معزولة عن تيار عريض من الأمازيغ بسبب خطابها الثقافوي، ومحدودة في فصيل من فصائل الحركة الطلابية وبعض المثقفين والأطر الجمعوية، كما أن شخصيات وازنة من أصل أمازيغي، سياسية ودينية وثقافية، غير متحمسة للقضية الأمازيغية وتعتبرها في جزء كبير منها قضية مفتعلة.
لقد كان العمل الجمعوي هو الإطار الذي احتضن القضية الأمازيغية كقضية ثقافية أولا. إلا أن تطور الذي الحركة الأمازيغية على المستوى التنظيمي والمطلبي، وانخراطها في المطالب الدستورية، وجعل الأمازيغية جزءا أساسيا في التعديلات الدستورية، والمطالبة بالحكم الذاتي للمناطق الأمازيغية، أدخل الحركة مرحلة التسييس المباشر، وهو ما دفع جزءا من مكوناتها إلى التفكير في تأسيس حزب سياسي أو جمعية سياسية تحتضن القضية الأمازيغية في أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية من خلال برنامج سياسي، ويرى أن العمل الجمعوي استنفذ أغراضه، سيما مع تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. فجرى تأسيس "الحزب الديمقراطي الأمازيغي" الذي تم حله بقرار إداري لأنه يتعارض مع قانون الأحزاب السياسية الذي يمنع قيام الأحزاب على أساس عرقي أو ديني. هذا المنع دفع جزءاً من الحركة الأمازيغية إلى نقل المعركة إلى الخارج وتجذير الخطاب الأمازيغي، واستعمال ورقة "العنصرية ضد الأمازيغ في المغرب"، وطرح القضية على المنظمات الدولية، وفتح قنوات الاتصال مع الدول الغربية من خلال الاتحاد الأوروبي، بل وحتى إسرائيل، من خلال الزيارات إليها، أو من خلال إنشاء "جمعيات الصداقة الأمازيغية-اليهودية". وهذا تحول خطير في مسار القضية الأمازيغية، وإخراج لها من المطلب الطبيعي، واستقواء بالخارج، مما أساء إليها، وتحولت إلى قضية مفخخة تهدد التعايش الذي عرفه المغرب بين العرب والأمازيغ منذ قرون.
• باحث في "مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية" الرباط - المغرب
The Arab Reform Initiative is a consortium of fifteen key policy research centers from the Arab world with partners from Europe and the United States, working to mobilize the Arab research capacity to advance knowledge and promote a home grown program for democratic reform.