مدونة الأسرة: أي جديد؟
21 July 2010 , by خديجة مفيدتعكس المشاكل القانونية التي تفيض بها جنبات المحاكم على مستوى الأسرة أزمة ثقافية واجتماعية واقتصادية خانقة في المجتمع المغربي، ذات تمظهرات لاأخلاقية تمس بقيمة العدل والكرامة كمكونين أساسيين لحياة مستقرة. فهناك مشاكل العنف الأسري المتمثل في ضرب المرأة، إلى الاعتداء على الأطفال بالتشريد، إلى الحرمان من النفقة، إلى التعليق الخ...
يصعب على المشتغل بقضايا التغيير والمتتبع يوميا لهذه القضايا، خاصة في فضاءات الجمعيات النشيطة في المجال الحقوقي ومراكز الاستماع، التمييز بين ما هو قانوني وما هو اقتصادي. إلا أن الشيء الأكيد هو أن الجانب القانوني هو أهم عنصر، باعتباره أداة الحماية للمظلومين وزجر للظالمين وإنصاف واحتكام للمختلفين. لذلك انصب النقاش مدة طويلة حول الجانب التشريعي والقانوني. وبغض النظر عن المنطلقات والفلسفات التي تنطلق منها الرغبة في التغيير والنضال من أجله، فإن الواقع كما هو أمام المحاكم يؤكد ضرورة تغيير قانوني وحتميته وحاجة المجتمع إليه. والمبادرة الوحيدة التي كانت تظهر للمجتمع من خلال ملفات مطلبية ومذكرات اقتراحية كانت دائما تأتي من المنظمات النسائية. وفي المقابل، كانت المكونات الأخرى للمجتمع تقتصر على ردود الأفعال والإعلان عن المواقف من هذه المطالب.
ولقد عرفت هذه العملية ثلاث مراحل:
مرحلة الإثارة والاستجابة السلبية، منذ السبعينيات وحتى بداية التسعينيات، حيث كانت مطالب الحركة النسائية تنحو منحى التغيير الجذري لبعض البنود في المدونة، وخاصة ما يتعلق بالمساواة في الإرث، وإلغاء التعدد، والولاية. فكانت ردود الأفعال على هذه المطالب حادة وقاسية في بعض الأحيان، خاصة حين يلاحظ التركيز على البنود المكونة للخصوصية التشريعية للمنظومة الإسلامية .وكانت هذه الشدة في ردة الفعل عاملا أساسيا في تأجيل هذه المطالب دون إلغائها، لأن مسيرة الاعتراض لم ترافقها مسيرة الاقتراح وصياغة البدائل المتطورة، سواء من جهة العلماء أو من جهة الحركة الإسلامية، مما جعل ديناميكية الحركات الإسلامية وإصرارها، تواجه بحملة المليون توقيع من أجل تغيير مدونة الأحوال الشخصية، مما حدا بملك البلاد إلى استقبال ممثلات الجمعيات النسائية وإحداث تعديلات 1993. وهذا الأمر كان حافزا لمواصلة النضال من أجل استكمال التغيير. ولكن ظلت الحركات جامدة على هذه المطالب رغم تحول المجتمع في اتجاه يتجاوزها، كالمناداة بالحد من سن الزواج المبكر، وإلغاء التعدد. في المقابل لم تتمكن الحركة الإسلامية من إنجاز أي تحليل علمي للواقع الاجتماعي وخاصة بنية الأسرة انطلاقا من التصور الإسلامي وتبني منهج الاجتهاد، وظلت تقتصر على مبدأ الدفاع عن التشريع وتنطلق من رؤية حمائية بدلا من رؤية اقتحامية اقتراحيه تجديدية. ولعل هذا الأمر راجع إلى العامل الزمني حيث الحركة لا زالت منشغلة بالتأصيل العام لقضايا التدين، وكذلك لضعف القيادات الفكرية النشيطة في هذا المجال، وضآلة المؤسسات المدنية النسوية التي تتبنى ملف المرأة من زاوية نظر إسلامية.
- مرحلة التدافع والمحاجة، وتنطلق من فترة ما بعد تعديلات 1993، حيث برزت قيادات نسائية في صفوف الحركة الإسلامية بدأت تلج مجال الشأن الاجتماعي من خلال تبني قضايا المرأة، وذلك بالتحسيس في المحاضرات والندوات واللقاءات المباشرة، الشيء الذي أدى إلى تبلور رؤية في الموضوع أدت إلى تأسيس منظمة نسائية تتبنى ملف المرأة والأسرة، صاغت ميثاقا تصوريا حول حركية المرأة في المجتمع المغربي، يتبنى القضايا العادلة للمرأة وتأصيل مبدأ الحقوق والواجبات والاعتراف بمظلومية المرأة المغربية. فأسست مركز الترشيد الأسري بمواجهة مركز الاستماع للنساء ضحايا العنف، انطلاقا من اقتناعها بعد العمل الميداني بأن المشكلة مركبة ومعقدة، أساسها قائم على الجهل والفقر الذي يفرز العنف والعنف المضاد: العنف اللغوي الذي تمارسه المرأة تجاه عجز الرجل، في مقابل العنف البدني الذي يمارسه الرجل، بالإضافة إلى حضور عنصر الخمر كعامل مركزي في العنف البدني على المرأة. وقد كانت هذه المنظمة رائدة في التدافع بصفتها المؤسساتية، حيث قادت أنشطة النقاش الفكري والحوار وتأسيس المفاهيم حول المرأة وتحليل الرؤى والأبعاد، وأصدرت العديد من البيانات تجاه كل القضايا المطروحة في الساحة فيما يتعلق بالمرأة، تُوجت بالنشاط المكثف الذي عرفته مع ظهور الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، حيث كانت أول هيئة في المغرب تحصل على النص وتتداوله في أيام دراسية، وتقف على الخلل التصوري الذي كان يتحكم في المشروع. فكان الطرف المحاور بشكل رئيسي يمثل الحركة النسائية ذات التوجه الإسلامي التجديدي، حيث توج نشاطها بالمشروع الجماعي الذي اقترحته لتغيير مدونة الأحوال الشخصية. وكان هذا الإنتاج تتويجا لمرحلة التدافع والمحاجة بجانب مشاريع أخرى تقدمت بها الحركة الإسلامية، ولكنها ظلت خجولة وبسيطة في مقابل المشروع الذي تقدمت به المنظمة كممثل للتيار الإسلامي.
مرحلة التوافق والإجماع، هي المرحلة التي بلغ فيها التدافع أوجه، حيث أشركت كل مكونات المجتمع في الشأن الأسري، وعبر المغرب بكل حرية عن أحلامه ورؤيته للحياة الإجتماعية من خلال مسيرتين في انفراج ديموقراطي لم يدم طويلا، مما مكن من اعتماد مطالب الشارع وتفعيل الدستور حيث تبنى ملك البلاد الملف وشكل لجنة استشارية للنظر في المدونة. وكان هذا الحدث هو الحدث الشوري الذي حصل في المجال الاجتماعي وفي الشأن الأسري منذ أربعين سنة.
مدونة الأسرة وظاهر التأصيل الشرعي
لقد عرفت البنية التشريعية الاجتماعية تطويرا تأصيليا على مستوى المصطلح، حيث يحيل مصطلح "مدونة الأسرة" على المقاربة التكاملية منذ البداية للبناء التشريعي للأسرة، وهو ما عبر عنه الملك محمد السادس حين حدد مقاصد المدونة "في إنصاف المرأة وحماية الطفل وحفظ كرامة الرجل". وهذا ما يشكل جوهر الرؤية الإسلامية في مقاربتها التكاملية، في مقابل الالتباس الاصطلاحي الذي كانت تعرفه البنية القديمة من خلال "مدونة الأحوال الشخصية" حيث يحيل هذا المصطلح على بنيتين تصوريتين متناقضتين. ف"مدونة" يحيل على الفضاء الفقهي والاصطلاح الفقهي، و "الأحوال الشخصية" يحيل على القانون الوضعي الغربي. وقد تجاوز المصطلح الجديد هذا الإشكال قاطعا الطريق على المقاربة الفردانية والتجزيئية التي أصبحت تؤطرها تصوريا مقاربة النوع Gendre . ووقع كذلك انسجام في المصطلح بين البنية الفقهية التي يحيل عليها مصطلح مدونة وبين البنية التصورية للإطار التشريعي التي يحيل عليها مصطلح "أسرة" حيث تدل هذه الأخيرة على وحدة قياسية في البناء الاجتماعي الإنساني طبيعة وتصوراً.
هذا على المستوى الاصطلاحي. ورغم بعض المغالطات التي وردت في مقدمة كتاب مدونة الأسرة من كون بعض المصطلحات تم تعميقها في اتجاه إفراغها من المحتوى الديني كمصطلح "بناء" في مقابل دخول. بل بالعكس تم تعميقه في اتجاه انسجام المصطلح الفقهي مع الاصطلاح القانوني بل قيام الثاني على الأول. وكذلك بالنسبة للزواج الباطل والزواج الفاسد في نحو منحى الضبط بدل الالتباس. أما ما يتعلق بالمصطلح "تكثير سواد الأمة"، فلأن هذا الأخير كمقصد من مقاصد الزواج فيه اختلاف بين العلماء فهو يعتبر مآلا من مآلات قيام الزوجية الذي تترتب عليه التزامات وحقوق وواجبات الأبوة والبنوة وليس شرطا في الزواج.
أما على المستوى التصوري، فإن البنية الهيكلية من مدونة الأسرة هي بنية مبنية على المرجعية الإسلامية وعلى الهيكل التشريعي الإسلامي في تبويبها وفصولها كلها، ابتداء من الخطبة ومرورا بالزواج وما يترتب عليه من حقوق شرعية وانتهاء بانحلال ميثاق الزوجية، أو الوفاة، وما يترتب عن ذلك من إرث، ووقوفا عند النسب والبنوة والأبوة...كلها تبويبات تعتمد التشريع الإسلامي في أصولها وفروعها في الإجمال.
وعلى مستوى المنهج، تعتبر مدونة الأسرة وما أحاط بها من حيثيات عملية تطويرية في التعامل مع النص الديني (الوحي)، حيث أثار الجدال والنقاش الذي دار في المجتمع عدة قضايا أدت إلى فك الارتباط بين الوحي وبين الإنتاج الفكري البشري في إطار الوحي، بين المقدس الذي لا يطاله النقاش وبين النسبي، بين الثابت وبين المتحول في التشريع الإسلامي. كما كانت هذه المدونة استفزازا ذهنيا للعقول للتفكير في ضبط مكونات الهوية، حدود الخصوصية التشريعية، ماهية الانفتاح، الفرق بين العالمية والعولمة في الشأن الأسري، وكيفية تدبير الشأن الداخلي في مقابل الضغط الدولي.
تعتبر مدونة الأسرة الموضوع المركزي الذي أدى إلى فتح باب الاجتهاد وتأسيس الاجتهاد الجماعي العلمي وتمكين الملف القانوني والتشريعي الأسري من التناول الخبرائي، عكس ملف التعليم مثلا الذي غلب على اللجنة الاستشارية فيه منطق التوازنات السياسية وطغت على اللجنة الحسابات السياسية والنقابية، مما أثر على الميثاق الوطني للتعليم. فبالنسبة لمدونة الأسرة، تشكلت من عدد كبير من العلماء ذوي تخصصات وتجارب مختلفة ومتكاملة، سواء في مجال القضاء أو في العلوم الشرعية كالأصول والفقه والمقاصد، أو في العلوم الحياتية كالطب أو في علوم الاجتماع أو الشأن العام أو الشأن الديني. هذه التشكيلية اعتمدت مناهج الاجتهاد والإفتاء كما هو متعارف عليها لدى أهل العلم، حيث اتبع منهج الرصد الواقعي بلغة علم الاجتماع من خلال الاستماع إلى أكثر من ثمانين جمعية وأزيد من ثمانين مذكرة اقتراحية. وهذا منهج المحدثين في عملية التوثيق ومنهج الفقهاء في التعامل مع النوازل. كما عرفت اللجنة شدا وجذبا وتقليب للنظر في القضايا الخلافية، واعتمدت عدة قواعد ومذاهب في القياس لاستخلاص القواعد واستنباط الأحكام، وهذا أمر يعتز به في التجربة المغربية التي حظيت بتتبع عالمي، ويدعى لاعتمادها كتجربة رائدة في الوطن العربي.
ويمكن التدليل على هذه المعطيات من خلال بعض الأمثلة الخلافية التي وقع النقاش حولها.
أولا- تعدد الزوجات، حيث طالبت الكثير من الجمعيات بإلغاء التعدد من التشريع الذي يقنن الحياة الأسرية، الشيء الذي لم يحظ بالاستجابة لأن التعدد كتشريع يوضع في إطار المباح، يقنن للحياة الاجتماعية الإسلامية في ظل ما قد يستجد من حاجات لاستعمال هذا المباح. وقد يستغنى عنه في حالة عدم الحاجة إليه، وهذا هو الواقع في مجتمعنا المغربي، حيث تدلل على ذلك الإحصائيات. وبالتالي فإلغاؤه لا ينسجم مع الاختيارات التشريعية للبلاد التي تنص على المرجعية الإسلامية، والواقع لا ينذر بتفاقم ظواهر تراكمية تبرر تغييرات التشريع، والحاجة إليه مفتوحة قد يؤدي إلغاؤه إلى الكثير من المآلات السيئة على المرأة وعلى المجتمع، أقلها التضييق والحرج في حياة مستقرة في إطار الاختيار الإسلامي الذي يقرن المتعة المتبادلة بالمسؤولية المتبادلة، والحقوق المدنية للطرفين، وما ينتج عن علاقتهما، ويجعل من التعدد شكلا من أشكال الأسرة في المنظومة التشريعية الإسلامية، يغني التجربة الإنسانية وقد تحتاجه مستقبلا على المستوى العالمي لحل الأزمة التشريعية لأشكال التعدد غير المسئولة، والتي تظل المرأة في إطارها طرفا مبتذلا ليس إلا. وقد عمدت مدونة الأسرة إلى الحفاظ على التعدد كأصل في التشريع الإسلامي للبناء الاجتماعي، مؤسسة المحافظة عليه على مبدأ الإباحة، ومتبنية في التعامل معه قاعدة أصولية هي تقييد المباح درءا للمفاسد، التي قد تنجم عن الاستهتار في استعمال الحق. ليبقى المبدأ قائما يلجأ إليه صاحب أو صاحبة الحاجة في إطار مطلب يخضع لبعض التعقيدات، ولكنه في نفس الآن يمتحن الحاجة ويغلق الباب في وجه الاستهتار لمن ليس جديا في مطلبه.
ثانيا- الولاية، أما بالنسبة للولاية التي أجمعت المذاهب على أنها شرط في الزواج، باستثناء أبو حنيفة الذي لم يعتمد في اجتهاده في عدم اعتبارها شرطا على النص، وإنما على الرأي، فقد تم الاعتماد في نقلها من مجال شرط قيام الزوجية إلى مجال حقوق المرأة الذي تستعمله حسب إرادتها. ورغم التحفظات الكثيرة التي عرفها هذا التفسير، وعدم القبول به لدى أغلب الآباء والفتيات، فإن هذا الاجتهاد الذي اعتمد مذهبا من المذاهب الأربعة التي بنت اجتهادها على الرأي، ورغم أن المستقرئ لهذا الاجتهاد سيخلص إلى أنه تم اعتماد مبدأ الانتقائية التي هي سليلة المنهج البراغماتي، فإن هذا الاجتهاد في عمومه يعتبر إيجابيا في تحريك البنية الاجتماعية، وفتح الباب أمام التدافع الداخلي، رغم أن المآلات في الولاية متعددة الجوانب السلبية على المستوى العملي، حيث لم تفعَّل بعد ولاية الدولة على المواطن، وضمان المواطنة العادلة والكريمة للمرأة في حالة مواجهتها للمشاكل مع الرجل الذي تتولى تزويج نفسها منه بدون والديها وفي غياب ولاية الدولة. يبقى السؤال المطروح كيف يعقل سلب الولاية والسلطة الأبوية عن الوالدين في سن 18 سنة وإلزامهم قانونيا بالرعاية إلى سن 25 سنة، وهذا تناقض فظيع يكشف تملص الدولة من مسؤولية الرعاية واقتصارها على دور الجباية والمحاسبة.
مدونة الأسرة وتحديات التطبيق
إذا كانت مدونة الأسرة ستحقق الكثير من الضوابط في شبكة العلاقات الأسرية، وأبرزها ما يتعلق بالمظالم المحققة في تعثر النفقة والتعليق والطلاق الغيبي ومعالجة ذلك بأجرة النفقة وتحديد مدة زمنية قصوى في ستة أشهر لتصفية ملفات الطلاق، ومدة أقصاها شهر بالنسبة للنفقة، وإحداث صندوق لتعجيل النفقة قبل حكم المحكمة، فإن المدونة تطرح الكثير من التحديات على مستوى المآلات، وتواجه العديد منها على مستوى التطبيق.
فعلى مستوى المآلات، تطرح المدونة تحديا ثقافيا حيث سيبلور القانون الجديد ثقافة جديدة في العلاقات الأسرية على مستوى علاقة الآباء بالأبناء، فتواجه الآباء تحديات تربوية تتمثل في كيفية إحلال السلطة المعنوية والولاية التربوية في مقابل الولاية القانونية، وهو أمر ليس سهلا، يحتاج إلى تغيير أنماط السلوك الاجتماعي بما يجعل صيرورة القيم الإسلامية طوعية اختيارية، تخلق التوازن بين القانوني والاجتماعي في الرفع من مستوى الاستقرار الأسري.
أما التحديات التي تواجه المدونة على مستوى التطبيق فتتمثل في:
التحديات اللوجستيكية، حيث بنية القضاء لا تتوفر على العدد الكافي من القضاة لمواجهة عدد الملفات المعروضة على المحاكم، خاصة وأن القاضي وسعت سلطاته بل أصبح طرفا في الزواج، الشيء الذي سيؤول إلى بيروقراطية في اللإجراءات الإدارية، كذلك عدد المحاكم الأسرية غير كاف لاستيعاب الحاجيات اليومية للمواطنين. خاصة أن المحكمة أصبح من اختصاصها الجانب الاجتماعي الذي يعتمد على التواصل مع الأطراف المتنازعة والمتضررة، من خلال آلية الصلح ووساطة مجلس العائلة، وهذا يحتاج إلى تخصصات متعددة، والى الوظائف المساعدة للقضاة على أداء الواجب، بشكل يمكن من الحد من نسب الطلاق المهولة في المجتمع المغربي، والتي تتزايد وتيرتها بشكل متسارع يفتح الأبواب لارتفاع نسب أبناء الطلاق (في ظرف ثلاث سنوات، بنسبة 2000 طفل في السنة: من 12000 طفل سنة 2000 إلى 13000 سنة 2001، إلى 15000 طفل سنة 2003). وهذا يهدد استقرار المجتمع ويفتح الباب على كوارث اجتماعية وأمراض نفسانية خطيرة لدى الأطفال المحرومين من أسرة مستقرة. كما يطرح تحدي لوجستيكي آخر يتعلق بوظيفة النيابة العامة التي أصبحت طرفا في الأسرة، ولكن هناك عجز في عدد الموظفين الذين لا يستطيعون القيام بالتبليغ والتنفيذ.
تحدي التأهيل والتكوين: يطرح تطبيق المدونة تحدي التأهيل والتكوين للقضاء الأسري وفق مواصفات تنسجم مع الشأن الأسري ومتطلبات التواصل العائلي إلى الاختصاص النفسي لرفع تقارير مساعدة على اتخاذ القرارات والتدابير التي في مصلحة الأسرة والمجتمع.
كما أن المستجدات المتعلقة بالزواج بين المغاربة المقيمين بالخارج يحتاج إلى تفعيل الدبلوماسية الوطنية لملائمة قانون الأسرة مع القوانين المدنية الجاري العمل بها في دول الإقامة، بما يمكن المواطنين من التخلص من التعقيدات الإدارية والتضارب القانوني دون المساس بخصوصيات الزواج المغربي الذي يخضع للتشريع الإسلامي.
وختاما تبقى مدونة الأسرة تجربة جديدة يجب أن تخضع للنقاش لجبر القصور التشريعي ومراجعة النواقص والاختلالات، على اعتبار أن هذه المدونة هي تجربة تشريعية جديدة انطلقت من حاجات تشريعية ورؤية توفيقية يمكن أن يكشف امتحان تطبيقها على الواقع الكثير من الثغرات التصورية أو التعقيدات المسطرية. كما سيكشف المجتمع المدني من خلال اشتغاله بالقضايا اليومية للأسرة ومتابعتها بالبحث والإحصاء، عن مستجدات أخرى في واقع الأسرة. ومن جهة أخرى يواكب العلماء اجتهاداتهم بما يكشف عن مقاصد الشريعة في مواجهة الإشكالات المطروحة، مما يستدعي مرصدا لمواكبة المستجدات وتطوير الحياة التشريعية بمواكبة الحياة الاجتماعية.
• رئيسة جمعية الهدن ومستشارة في عدة هيئات مغربية ودولية
The Arab Reform Initiative is a consortium of fifteen key policy research centers from the Arab world with partners from Europe and the United States, working to mobilize the Arab research capacity to advance knowledge and promote a home grown program for democratic reform.