تونس: بين العمل المشترك والتوحد فروق لا بد من إدراكها
19 July 2010 , by Lotfi Hajjiكانت هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات حسب تحليل فتحي بلحاج استجابة لحاجة سياسية ومجتمعية في تونس تمثلت بالخصوص في رغبة أطراف سياسية مختلفة في الخروج من قبضة القمع الرسمي الذي أعاق أي عمل سياسي جدي وفاعل في تونس، وهو قمع شمل كل التيارات السياسية وإن بدرجات متفاوتة. ولعل ذلك القمع هو الذي غيَّر نظرة الجميع إلى الخصم المشترك، فأصبح الاستبداد وليس العدو الإيديولوجي، كما كان يعتقد من قبل حيث غلبت التيارات السياسية الايدولوجيا على المطالب السياسية الدنيا، المدخل للتعددية والديمقراطية. إن فهم التغيير الحاصل في ذهنية عدد من القيادات السياسية التونسية مدخل أساسي لفهم طبيعة هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، ولفهم التقارب بين تيارات متناقضة كانت حتى ماض قريب على عداء فيما بينها.
شراسة قمع السلطة وارتباك الأحزاب السياسية
تطرق الأستاذ فتحي في ورقته إلى نجاح السلطة في تونس في ترويض بعض الأحزاب السياسية وفي تسويق نموذجها في مقاومة الإسلاميين، مستفيدة من الأحداث العنيفة التي طبعت الحياة السياسية في الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، وما رافق ذلك من ارتباك في أداء حركة النهضة، الأكثر استهدافا في تلك الفترة، وكذلك في أداء بعض الأحزاب الأخرى.
ينبغي الحذر من مبالغة بعض الأطراف حين تحمل المسؤولية للأحزاب السياسية وإلى حركة النهضة بالذات في ما آلت إليه الأوضاع السياسية في تونس. فلا يمكن أن نفهم تدهور الحياة السياسية دون أن نعي شراسة القمع، الذي بدأ بحركة النهضة، الأكثر راديكالية والأكثر تنظما في مواجهة السلطة. إلا أنه تجاوزها إلى كافة الأطراف الأخرى، وفق سياسة ممنهجة لم تعها الحركة السياسية في تونس إلا مؤخرا. إذ صمت العديد من الأحزاب، ومنها من تلذذ باعتبار أن الحكومة تخلصهم من خصم سياسي وإيديولوجي عنيد. ولكن النظام تفرغ للقوى السياسية الأخرى بمجرد أن قضى على الكيان التنظيمي لحركة النهضة. وهو فعل بفاتورة باهظة الثمن تمثلت في آلاف المعتقلين، وعشرات المحاكمات أسفرت عن أحكام قاسية للغاية وصلت إلى السجن مدى الحياة للعديد من قيادات حركة النهضة. وقد رافق كل ذلك استعمال أساليب ظنّ التونسيون أن النظام الجديد جاء ليريحهم منها، حسب ما برز من تعهدات في بيانه التأسيسي يوم استلامه الحكم.
لقد ادانت العديد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية شراسة التعذيب الذي مورس على المعتقلين وأدى إلى وفاة بعضهم، وحرمان المفرج عنهم من العمل ومن النشاط السياسي، وتعريضهم للملاحقة الأمنية.
فهم شراسة القمع هو المدخل الأساسي لفهم تفكك البنية التنظيمية للأحزاب السياسية، وليس حركة النهضة وحدها، بحيث تصبح عاجزة عن بناء تكتل يمكن أن يواجه الحزب الحاكم المحتكر لكامل الحياة السياسية أو للجهاز الأمني الذي أصبح على امتداد السنوات الماضية المخاطب الوحيد للأطراف السياسية بوسائله غير السياسية طبعا.
الحقوقيون يتجاوزون الأحزاب
نقطة مهمة أشار إليها الأستاذ فتحي وهي العلاقة بين العمل السياسي والعمل الحقوقي. نجحت الإضرابات عن الطعام في لفت الأنظار العالمية إلى واقع القمع في تونس وشراسته. وهذه مسألة مفصلية، لأنه مع تحطيم البنية التنظيمية للأحزاب السياسية، وعجزها عن إعادة بناء ذواتها بما يحولها إلى قوة سياسية فاعلة، حصل فراغ جعل الأحزاب السياسية القائمة فعليا وإداريا تدور في المربع الذي ترسمه السلطة. ومن تمرد، نجحت السلطة في عزله جماهيريا بكل الأساليب. أصبح الإضراب عن الطعام في ظل انسداد الأفق السياسي صرخة التونسيين في الداخل والتي وجدت لها صدى في الخارج. لقد انتقلنا من العمل السياسي المنظم، الذي يقدم تصورات ويبني استراتيجيات تنصت إليها السلطة، إلى المطالب الحقوقية الدنيا. وحتى الأحزاب السياسية الفاعلة – لا أتحدث عن الأحزاب الإدارية – فقد اقتصرت بياناتها في كثير من الأحيان على حقها في تنظيم الاجتماعات وفي التظاهر السلمي وفي الإعلام السمعي البصري، وجميعها كما لا يخفى مطالب حقوقية يمكن أن تكون مدخلا لحياة سياسية.
ويمكن القول من خلال ذلك التشخيص إنه لم تعد هناك حياة سياسية فعلية تتسم بالحد الأدنى من التوازن بين القوى المكونة لها، حتى وإن شارك بعضها في انتخابات تشريعية ورئاسية وحصل على مقاعد في البرلمان. فقد بدا ذلك بمثابة العمل الشكلي، أو في تقييم آخر، مسرحية سيئة الإخراج.
الحد الأدنى الديمقراطي الجامع
إن الانسداد في كل جوانب العمل السياسي هو الذي يفسر ما يمكن أن نسميه بتراجع الحركة السياسية إلى مطالب الحد الأدنى الديمقراطي والحقوقي وهو ما يفسر أيضا التقاء الأضداد. لأنها، علاوة على القناعات الذاتية والتطور الحاصل في بنياتها الذهنية، وجدت نفسها تتحرك في الدائرة المفرغة ذاتها، فكانت مجبرة على الاقتناع بأن العائق ليس خصمها الإيديولوجي بقدر ما هو الاستبداد الذي تمارسه السلطة بطريقة محكمة قضت على مقومات الحياة السياسية التعددية. إنها حقيقة مرة وصلت إليها القوى السياسية في تونس بعد عقود من النضال من أجل الحرية والتعددية. لذلك كان الرجوع إلى البدايات التي يمكن أن تؤسس لحياة سياسية متى توفرت. لقد كان جواب مؤسسي هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات هو المطالب الثلاثة التي أعلنوها والمتمثلة في حرية الإعلام وحق التنظم والعفو العام ،لأن توفرها يمهد لحياة ديمقراطية تعددية، وما دونها يعني الاستبداد والديكتاتورية.
من اجل مدونة سلوك للجميع
تم اختيار محاور النقاش بين مكونات الهيئة بدقة لاعتقاد المؤسسين أن العمل المشترك بين التيارات السياسية والإيديولوجية المتباينة لا يمكن أن يقتصر على المطالب السياسية المباشرة، وإنما يجب أن يتجاوزه إلى النقاط التي شكلت على الدوام مجال خلاف عميق بين الإسلاميين وخصومهم، أو بين الإسلاميين والعلمانيين- مع استعمالي لهذا المصطلح باحتراز كبير نظرا لاختلاف دلالاته في العالم العربي.
غير أن هناك مسألتين لا بد من الإشارة إليهما لتوضيح حقيقة هذا الحوار:
إن قضايا الحوار التي اختارتها هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات ليست نظرية بحتة، على الرغم مما توحي به للوهلة الأولى. فمناقشة قضايا مثل المساواة بين الجنسين، وحرية المعتقد، ومسألة العقوبات الجسدية، والعلاقة بين الدين والدولة هي في صميم السياسة، أي أنك تبحث عن مواقف القوى السياسية من هذه القضايا، وعن المكانة التي ستفردها لها الدولة الديمقراطية المنشودة سواء في تونس أو في العالم العربي عامة. ومن المهم أن تكون القوى السياسية جميعا متفقة حول هذه المسائل لتكون بمثابة مدونة سلوك أو خارطة الطريق للجميع لا ينقلب عليها أحد عندما يجد نفسه في الحكم.
هذا النقاش ليس محاكمة للإسلاميين (كما أراد تصويره بعض الإسلاميين) بل هو مساءلة للجميع، يساريين كانوا أو إسلاميين أو ليبراليين، لمعرفة مواقفهم من تلك القضايا، ولمعرفة كذلك تصوراتهم حول الدولة الديمقراطية المنشودة. لأنه كما لا يخفى فالعديد من القوى السياسية لم تحدد موقفها من هذه القضايا لانغماسها في المطالب السياسية المباشرة، أي المتعلقة بحرية العمل السياسي وحرية التعبير .
يضاف إلى ذلك عامل آخر وهو أن تونس خلال العقدين الماضيين كاد ينعدم فيها النقاش السياسي الفعلي حول القضايا المصيرية المتعلقة بطبيعة الدولة والنمط المجتمعي المنشود، ومرد ذلك اعتماد السلطة لمبدإ القمع الاستنزافي الذي لم يترك لأي كان فرصة لاسترجاع الأنفاس. كما منعت مثل تلك النقاشات في الفضاءات العمومية التي يمكن أن يصل إليها عامة المواطنين.
وما تجدر الإشارة إليه أن الحوار المتكافئ - الذي دار في ظروف صعبة – أثمر اتفاقات يمكن اعتبارها الأولى في العالم العربي والإسلامي. إذ لأول مرة يوافق الإسلاميون، على سبيل المثال، على قوانين جريئة في الأحوال الشخصية أهم ما يميزها الموافقة على منع تعدد الزوجات الذي جاءت به مجلة الأحوال الشخصية التونسية منذ سنة 1956، وهو ما يعد نقلة نوعية في مواقف الإسلاميين. وكذلك الأمر بالنسبة إلى اليساريين الذين أصبحوا يقبلون ببعض المسائل المتعلقة بالإسلام.
المخاوف من مواقف القواعد اليسارية والإسلامية
إن ما تم التوصل إليه بين مكونات هيئة 18 أكتوبر في هذا المجال يزيل التخوف الذي عبر عنه الأستاذ فتحي بلحاج بقوله "هشاشة فكرة تجاوز الايدولوجيا وجعلها في مرتبة تالية للسياسي". فالتيارات السياسية المختلفة داخل الهيئة تعلمت في السنوات الأخيرة العمل مع بعضها البعض، وأصبحت تدرك جيدا نقاط الالتقاء، كما أصبحت قادرة على إدارة الحوار في ما بينها حول أكثر القضايا حساسية والمتعلقة بالسياسة والعقيدة الشيء الذي كان من قبيل المستحيل في السنوات الماضية.
لكن مع ذلك، علينا أن ندرك عند تحليل هذه الظاهرة أن تلك التيارات، مع كثرة نقاط الالتقاء، لا يمكن أن تصبح تيارا واحدا يتفق في جميع المسائل، لأن الحوار لا يعني تذويب الفوارق أو التحول إلى الحزب الواحد الذي عانى منه الجميع. إن غاية الحوار بين الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين ليس ذوبان طرف في آخر، وإنما هدفه الأساسي هو الاتفاق على نقاط التعايش المشترك التي تشكل فضاء المواطنة للجميع، وهو أمر ليس بالهين في ظل تيارات سياسية لم تجرب الديمقراطية من قبل، وكانت تعتقد إلى وقت قريب أنها تمثل الحق المطلق والرأي الأكثر صوابا وتلغي بالتالي حقوق الآخرين.
* صحفي و كاتب تونسي، وأحد مؤسسي هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات.وواحد من الشخصيات التونسية الثمانية التي شنت إضرابا عن الطعام لمدة 32 يوما للمطالبة بحرية الإعلام و حرية التنظم و العفو العام.

lotfi_caire_final.pdf The Arab Reform Initiative is a consortium of fifteen key policy research centers from the Arab world with partners from Europe and the United States, working to mobilize the Arab research capacity to advance knowledge and promote a home grown program for democratic reform.