Print fb

الإمارات: التعليم في الدولة.. أين مكمن الخلل؟

22 June 2010 , by راشد صالح العريمي

أتفق مع رأي الزميل محمد يوسف في مقاله المنشور بـ "الإمارات اليوم" أمس حول تدني مستوى التعليم بالمدارس، وأتفق معه في أنه لم يكن يبالغ في طرحه. فواقع التعليم اليوم واضح لكل ذي عينين، ولا أحد يجادل في سوء مستوى المدارس الموجودة أو مخرجات التعليم الناتجة عنها.

جريدة الاتحاد الاماراتية

فأولياء الأمور والمسؤولون عن التعليم ورجال الميدان أنفسهم ونساؤه أيضاً لم يقصروا في تفصيل أوجه الخلل في أداء المدارس وأداء قطاعات الوزارة، وكذلك أداء الطلبة على مستوى الاهتمام والسلوكيات.

ولكن السؤال الذي يتجنب الجميع طرحه: كيف حدث هذا؟ ومن المسؤول عن وصول التعليم في الإمارات إلى هذه الدرجة المتدنية من الكفاءة، أو قل انعدام الكفاءة إن شئت؟ ماذا قدَّم المسؤولون عن التعليم خلال الثماني والثلاثين سنة الماضية؟بداية الإجابة هي أنه لا يعقل أن يكون كل هذا الخلل نتج بين يوم وليلة.

والحقيقة التي يعلمها المتباكون اليوم على مستوى التعليم بالدولة هي أن الإدارات المتعاقبة على التعليم، قد فرضت رؤاها الذاتية وأجنداتها الأيديولوجية، بل وطموحاتها الشخصية على سياسة التعليم بالدولة، مما أدى إلى هذا الخلل الذي استفحل حتى بلغ نسباً مخيفة تتحدث عنها التقارير المختلفة.

المتباكون اليوم على حال التعليم وواقعه هم مسؤولو الأمس الذين سنحت لهم الفرصة للعمل والإبداع، ففوتوها لمصلحة ذاتية أو أيديولوجية أو أي مصلحة أخرى.

المتباكون الذين يذرفون دموعهم على حال الشفافية في العملية التعليمية، يتناسون أنّ الشفافية التي يطالبون بها هي التي تمارسها الإدارات الحالية التي تشرف على مؤسسات التعليم في الدولة. فهذه الإدارات هي التي تمارس عملية التقييم لكل المراحل السابقة، وهي التي تعد التقارير عمّا جرى في تلك المراحل وعن النتائج التي تسببت بها في الواقع التعليمي. فاللوم والعتب اللذان تتضمنهما التقارير النقدية يطالان المراحل السابقة باعتبار أن كل تقييم يكون لما سبق وليس لما هو آتٍ، فالإدارات السابقة التي أشرفت على القطاع التعليمي في الدولة، هي المسؤولة عن تدني مستوى التعليم، والمتباكون على حاله يستمدون دموعهم من تقارير الإدارات الحالية، وهنا تكمن المفارقة.

إن المشكلة التي نواجهها اليوم تكمن في أنّ بعض من تتلمذوا في الخارج عادوا "مدججين" بأفكار ونزعات معينة و"أحمال" أيديولوجية راحوا يفرّّّغونها في القطاعات التي تولوا مسؤوليتها، وأخطرها القطاع التعليمي، فأصبح جهدهم في خدمة ما يؤمنون به، وليس في مصلحة تطوير المؤسسة التي يشرفون عليها، وذلك يشمل مسؤوليتهم عن المناهج، والمدرسين، والبلدان التي استقدم منها هؤلاء المدرسون، بل إن الأمر وصل إلى حد إلغاء حصص الرسم والموسيقى من المدارس.. وأكثر من ذلك، فقد تجرأ بعضهم على السلام الوطني، فمنعوا أداءه في طابور الصباح في مدارسنا.

وحينما تكون الخلفية الأيديولوجية، أو الأهواء الفكرية، هي الحاكمة في ترسيم السياسات العامة وتحديد أولوياتها ومرتكزاتها، خصوصاً في مجالات بناء الإنسان، فإن المآل سيصبح على هذا الحال...

ولنا في تجارب الآخرين - الأقرب والأبعد - درس وعبرة فالخلفيات الأيديولوجية، أياً كان الفكر الذي تصدر عنه تجعل من "مسبقاتها" قانوناً للتنمية والتطور، حتى ولو تصادم مع طبيعة البلد والمجتمع واحتياجاتهما العلمية والعملية.

لقد حدث مثل هذا الخلل في كل التجارب الأيديولوجية، من علمانية واشتراكية ورأسمالية... وصولاً إلى بعض المنادين بالإسلام.

لقد بات الخلل اليوم واضحاً لكل من يريد أن يعرف مكامنه، وإصلاحه لن يكون باستبدال إدارات وتنصيب غيرها، كما حدث في السنوات السابقة، بل بتغليب المصلحة الوطنية العليا فقط، ومن ثم الإخلاص في الجهد والعمل.

إن معرفة الخلل وحجمه الحقيقي، ومعرفة كذلك أن إصلاحه لن يكون بقرار تنحية مسؤول أو تعيين غيره، وإنما وفق خطة وطنية شاملة للتنمية ستستغرق سنوات طويلة حتى تؤتي أولى ثمارها.

إن المسألة التعليمية هي جوهر العملية التنموية في كافة أنحاء العالم، باعتبارها تتعلق بالبشر قبل الحجر، ونحن نعرف أن دولاً تصنف بين الدول المتقدمة في العالم، ومنذ عهود طويلة، باتت تواجه اليوم وضعاً مستعصياً في مجتمعاتها وعلى مستوى بنيانها الإنساني بسبب ترهل العملية التعليمية فيها.

ونحن في الإمارات، نُصنَّف من ضمن المجتمعات النامية لاعتبارات عديدة أهمها أن الدولة ما زالت فتية في بناها وبنيانها، لذا فإن المسؤولية الوطنية والأمانة التاريخية تفترضان في كل سياسة يتم تنفيذها في أي قطاع، أن تكون متلائمة مع المسيرة التنموية في الدولة والمجتمع.

ولا يمكن للسياسة التعليمية في كل حال أن تكون وقتية أو ظرفية.. إنها بطبيعتها ذات منحى استراتيجي، والاستراتيجيات دائماً وفي كل الأحوال، لا يصوغها الأفراد، وإنما تبنى من ضمن مؤسسات تعنى بالتخطيط على قواعد من الخبرة والعلم على أسس موضوعية.

وعلى المتباكين اليوم أن يجففوا دموعهم، وينخرطوا في خطة الإصلاح الوطنية الشاملة كأضعف الإيمان. ونحن نفهم أن يكون الصراخ على قدر الألم، ذلك أنّ 38 عاماً مضت تحتاج إلى جهد استثنائي لمعالجة الخلل، وإخراج العملية التعليمية من الانحسار والانحصار اللذين وقعت فيهما. وإذا كانت الشفافية هي الخطوة الأولى في هذا الجهد، وهذا ما تمارسه الإدارات الحالية، فإن الخطوات التالية تقع مسؤوليتها على المجتمع بكامله، الصامتين فيه والمتباكين والحريصين على الوطن ومستقبله. فالوطن بحاجة إلى جهود جميع أبنائه المخلصين للتخلص من تبعات آفات الماضي.

Print fb

The Arab Reform Initiative is a consortium of fifteen key policy research centers from the Arab world with partners from Europe and the United States, working to mobilize the Arab research capacity to advance knowledge and promote a home grown program for democratic reform.